جارتي فرنسا

المرأة القوية هي التي تفرض على الآخرين احترامها، خاصة أقرب المقربين إليها، أما إذا كان الزوج هو أول من يخرق قواعد هذا الاحترام فاللوم كل اللوم يقع عليها.
السبت 2018/09/15
شخصية قوية

كانت جارتي، رحمها الله، تنزعج كثيراً من الفنانة (ك) التي اشتهرت بأداء أدوار الزوجة الخانعة المغلوبة على أمرها، أمام جبروت وطغيان وقوة شخصية زوجها، حتى أنها وصفتها أكثر من مرّة بأنها ممثلة فاشلة لأنها لا تستطيع أن تؤدي أدواراً متنوعة، بسبب شخصيتها الضعيفة ربما، على الرغم من أن هذه الممثلة كانت تمتلك ملامح أمومية عذبة أكسبتها محبة وتعاطف المشاهدين نساءً ورجالاً لعقود طويلة.

طالما أدهشتني جارتي البصرية بآرائها المتفردة، ثقافتها وقوة شخصيتها، وهي التي لم تستطع إكمال دراستها الثانوية بسبب التقاليد التي كانت تفرض على الفتيات في خمسينات القرن العشرين، التزام المنزل في انتظار القسمة والنصيب. وحتى بعد أن أصبحت زوجة وأماً وربة منزل قوامه الحب والاحترام المتبادل، لم تتغير وكانت ترى بأن المرأة لا تقلّ ذكاء وموهبة عن الرجل، بل أنها قد تتفوق عليه إذا ما حصلت على فرصة للانفلات من قيود المجتمع الظالم ووجدت من يقف إلى جانبها ويربت على كتفها، شرط ألاّ تكون اليد التي تربت هي نفسها اليد التي تضرب!

المرأة القوية هي التي تفرض على الآخرين احترامها، خاصة أقرب المقربين إليها، أما إذا كان الزوج هو أول من يخرق قواعد هذا الاحترام فاللوم كل اللوم يقع عليها، لأنها لم تتقن جيداً فن إدارة مملكتها الصغيرة ولم تضع الحدود والقواعد لذلك.

في إحدى المرات، رأيت جارتي تبتسم في جمع من النسوة وكنّ ينقلن لها أخبار المعركة التي دارت في منزل سلفتها، وكيف أن زوجها أبرحها ضرباً لأنها كانت تنسى فتضع الكثير من الملح في الطعام! وكان جواب جارتي: سمعت بأن هذه السيدة طويلة وممتلئة القوام، فلماذا تسمح لزوجها بضربها في كل مرة وهي تمتلك من القوة الجسدية ما يمكنها من مقارعته ورد الصاع صاعين!

مرّت سنوات طويلة، وكنت نسيت خلالها معظم أحاديث الجارة وقصصها المشوّقة وقفشاتها، حتى شاهدت “خالتي فرنسا”؛ السيدة المصرية التي ظهرت في صحيفة مصرية على أنها فرنسا الأصلية التي اشتقت من شخصيتها حكاية بطلة الفيلم المعروف بالاسم ذاته. تتحدث السيدة أم محمود “بتاعت الطعمية”، للكاميرا بثقة مطلقة فتقول “نعم، أنا مشهورة بضرب الرجال، لم أضرب قط في حياتي سيدة، إلا أنني لا أنتظر أن يقول الرجل كلمتين على بعضهما”. وكانت أم محمود اكتسبت لقب “فرنسا” لأنهم أخبروها بأن فرنسا أيام زمان كانت لا تترك حقها، وهي مثلها تماماً لا تحب أن يتعدى أحد على حقها طالما لا تتعدى على حقوق الآخرين.

تؤكد أم محمود على أنها انبهرت عندما شاهدت فيلم “خالتي فرنسا” للرائعة عبلة كامل، فكانت تتابع المشاهد وكأنها عرض حي لقصة حياتها هي. ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن شخصية فرنسا في الفيلم كان في عبارة عبلة التي تقول فيها؛ “الدنيا فيها ناس بتعيش زي الأسود تاكل في البني آدمين، وناس بقر عايشين عشان يتاكلو، وناس ثعالب عايشين بيسلّكو نفسهم بين الاثنين عشان ميتاكلوش”!

هكذا تعيش، السيدة المصرية، حياتها وتعيل أبناءها الأربعة بعد انفصالها عن زوجها التي تخلى عن واجباته ربما أو تطاول عليها بالضرب، فاضطرت إلى أن تستخدم سلاح القوة حتى لا تمنح الآخرين فرصة كي يتنمروا عليها.

المرأة، أرق مخلوقات الله وأكثرها طيبة، لكنها قد تتحول بين لحظة وأخرى إلى أسد إذا ما عاندها القدر وأصبحت تحت رحمة رجل لا يرى فيها سوى قطعة أثاث مهملة، فيسمح لنفسه بكسر روحها قبل عظام جسدها؛ وكسر الروح لا يجبر!       

21