جاري رامبرنت

الاثنين 2015/05/18

ما الذي يشعر به المرء وهو يمر يوميا مرة أو مرتين بالمنزال الذي أقام فيه الرسام الهولندي رامبرنت في القرن السابع عشر ورسم فيه عددا من أعظم أعماله؟ الحياة هناك تمرّ مثل مياه القناة المجاورة بخفة وسلاسة من غير أن تلتفت، وعامل المقهى المجاور للمنزل لا يرفع رأسه كل لحظة متأملا نافذة الغرفة التي كان رامبرنت يرسم فيها، بالرغم من أن ذلك المقهى كان يحمل اسم الرسام الهولندي الشهير.

هنالك سوق قريبة تباع فيها الاشياء الفنية القديمة؛ صور وإسطوانات وميداليات وملابس تعود إلى عقود سابقة وأشرطة فيديو يغلب عليها الطابع الإباحي وأجهزة تصوير سينمائي لم يعد في الإمكان استعمالها بعد أن حل عصر الديجتال.

الناس في لهو عن رامبرانت فيما أقف متأملا السلالم الحجرية التي تقود إلى باب المنزل، وأنا أتخيل حركة خطواته البطيئة بعد ليلة قضاها وهو ينقل حارسه الليلي بين فضاءات لوحته التي صارت في ما بعد اللوحة الأشهر من بين أعماله.

سيكون من الصعب على الرسام أن يرى الحياة مثلما يراها الآخرون، هل كانت الحياة جميلة من وجهة نظره يومها؟ لن يكون في إمكاننا أن نتأمل العالم من خلال عينيه، غير أن سحره لا يزال يقيم بيننا. لقد تغيّر العالم من حول ذلك المنزل، هل تغيّر كثيرا؟ تغير المزاج الإنساني أكثر، غير أن رامبرنت لا يخضع لتقلبات المزاج.

في منطقة خالدة يقيم وحده؛ شيء منه، حتى لو كان ذلك الشيء شعرة من فرشاته، يمثل العثور عليه فتحا في فهم تاريخ الفن. أما أن يرى المرء منزله مرتين في اليوم، فإن ذلك الحدث يكاد يكون خياليا، لولا أنني أعيشه كل يوم.

يسعدني أن أقول له “صباح الخير” فيردّها مساء، ويقول “أسعد الله ليلتك”، من وراء زجاج نافذة الطبقة الثانية من منزله أراه كل مساء في حلة جديدة؛ مرة شابا ومرة أخرى شيخا، “سيد رامبرانت كم يبلغ عمرك الآن؟”.

كاتب من العراق

16