جاستون ترودو والدولة العالمية الجديدة متعددة الثقافات

السبت 2015/11/14
شاب كندي قادم للتغيير في المؤسسات والذهنيات معا

عمان - عندما كان صغيرا، لم يتجاوز الأربعة أشهر من عمره، حمله والده، رئيس الوزراء الكندي، إلى حفلة عشاء في استقبال للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الذي رفع نخبا غريبا قال فيه “لنشرب أنخاب رئيس وزراء كندا القادم جاستون ترودو”.

بدت أنخاب نيكسون وكأنها أمنيات ترتقي إلى نبوءة، فمن رفعت له هذه الأنخاب مجرّد طفل رضيع، تحمله أمّه قرينة رئيس الوزراء الكندي في حينه “بيار ترودو”.

ربما لم يأخذ الوالد هذه النبوءة على محمل الجدّ، لكنه على أيّ حال رد على الرئيس نيكسون “أنه يرجو إن هو تقلّد هذا المنصب أن يكون بالكفاءة اللازمة”.

بعد نحو أربعة عقود تبدأ النبوءة بالتحقق. ترودو الابن يتبوأ سدة الحكم، لكن ليس عبر سلّم التوريث، كما يحدث في دول العالم الثالث، رغم أن البعض رأى في ذلك، من دون أن يعيبه، أنه يمضي نحو تكوين سلالة ترودو السياسية على غرار سلالة كيندي وبوش.

معركة ترودو الفاصلة

من الظلم الغمز من قناة ترودو بالإشارة إلى سلالات بوش وكيندي وغيرهما، فالمدرسة الترودية مختلفة تماما، وبينما استندت عائلة بوش على جدار من نفط، وكيندي على الثراء، وقفت سلالة ترودو على جدار من فكر سياسي عبّر عنه الوالد بميول اشتراكية بدأها مبكّرا في رحلته السياسية، حتى وصل إلى قيادة الحزب الليبرالي.

يُعدّ فوز جاستون ترودو برئاسة وزراء كندا خطوة لترسخ نموذج الدولة المعاصرة بشكلها متعدد الثقافات، النموذج الذي تقدم على دول أوروبية تتبجح بديمقراطيتها، فكيف هو الحال إذا أردنا مقارنة كندا بدول العالم الثالث ذات الثقافات المتعددة أصلاً؟

إن أوتاوا اليوم وهي تعود بقوة لليبرالية الحقيقية في إدارة الدولة، بعد الهزيمة الساحقة لحزب المحافظين اليميني، وبفوز حزب الأحرار “الليبرالي” في الانتخابات التي جرت في شهر نوفمبر الحالي لسنة 2015، أكدت مجددا أنها في طليعة دول العالم المتحضرة.

لقد هُزِم رئيس الوزراء الكندي السابق ستيفن هاربر الذي صُنّف بأنه آخر رجال المدرسة السياسة الدولية لآل بوش.

أوديسا التعددية الثقافية

سبقت معركة ترودو الفاصلة تنظيرات للفيلسوف الكندي ويل كيمليكا، صاحب “أوديسا التعددية الثقافية”، الذي أكد ضرورة بناء دولة التعددية الثقافية متجاوزة القومية الواحدة والثقافة الواحدة التي يهيمن فيها فكر بلون واحد، يسعى إلى ابتلاع الجميع من دون النظر للخصوصيات وتنوع الثقافات وما يتعلق بها من حريات خاصة.

تنظير فلسفي يهدف إلى تغييب المركزية والمرجعية “المقدسة”، باعتبار المواطنة (وليست القومية ولا الدين) المعيار الأساسي الجامع، وأن النظام اللامركزي “الفيدرالي” الملتزم بالتعددية الثقافية والقومية كالنظام الكندي، نظام متقدم ومتطور، يقفز على النماذج المركزية أحادية القومية (مثل تركيا وفرنسا) التي اعتبرت شديدة التخلف وفقًا لكيمليكا.

رفع ترودو شعارات تحاكي الحرية والتعددية مع حفظ حقوق القوميات القديمة التي كانت تعاني من اضطهاد في كندا -كالهنود الحمر- كما اهتم بالطبقة الوسطى وطرح مشروعا معدّلا لقانون الضرائب يراعي مبدأ التصاعد الضريبي لصالح الفقراء.

سيادة القومية الأكبر أو الأصلية في كندا لم تعد فكرة يمكن أن تسمعها في الشارع. وهنا لا يعتبر جاستون ترودو، المنحدر من أصول فرنسية، غريبا، فوزير الدفاع هو الآخر من أصول هندية ينتمي للديانة السيخية، لا بل أكثر من ذلك هو مهاجر مستجد في كندا، وصل إليها مطلع الثمانينات، وعمل كضابط استخبارات في جيشها

سيخي على رأس القوة الكندي

لم يكن فوز ترودو استثناء، بل مضى إلى أبعد من ذلك، عندما وزّع حقائب حكومته على مختلف الأعراق والديانات، وها هو يختار تسليم حقيبة وزارة الدفاع إلى هارجيت ساجان، الكندي من أصول هندية وينتمي إلى طائفة السيخ، محققا بذلك شعار “التغيير في كندا”، لكي يثبت، مجددا، جدية الطرح الذي تبناه أثناء حملته الانتخابية؛ وليظهر الاختلاف في تركيبة حكومته عن سابقتها.

لم يمض وقت طويل على تسلم ترودو مهامه حتى أبلغ الرئيس الأميركي باراك أوباما أن كندا لن تواصل الالتحاق بالولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في أعمالهما ونشاطاتهما العسكرية، وأنه بدلا من ذلك، سيدعم جيوش تلك الدول، ويتجه لمساعدة اللاجئين السوريين في تركيا ولبنان والأردن.

في الحقيقة، هذه النقاط إضافة إلى توجه ترودو نحو تنفيذ أجندات اجتماعية واقتصادية يسارية، كانت موضوع خلافات حادة مع المحافظين.

لقد راهن اليمين المحافظ على أن ترودو لن يقنع الشارع وذلك لصغر سنه أولاً، وثانياً لقلة خبراته السياسية؛ فرفع شعارا تهكميا “جاستون ليس مستعدا بعد”، وعاب عليه أنه مجرد مدرس رياضيات في المخيمات، فكان ردّ مؤيديه أكثر تهكمية، حيث جاء على شكل سؤال استنكاري، “ماذا لو كان مستعدا؟”، وعاجلهم ترودو بالرد على الشق الثاني، أنه يفتخر بكونه معلما للفقراء والمهمشين.

ترودو، هو ابن بيار إليوت ترودو، رئيس وزراء كندا الأسبق، كان والده زعيما لحزب الأحرار الكندي الليبرالي، قبل أن يصبح رئيس وزراء كندا لأربع ولايات متتالية، وهو أكثر من ذلك، حفيد وزير الثروة السمكية السابق.

ترودو ليس غريباً عن السياسة، لكنه بدأ حياته متوجها لاهتمامات أخرى، ولم تشغله هموم السياسة، فظهر في كنيسة وهو يلقي خطاب التأبين لوالده. هنا بدأت وسائل الإعلام تلتفت إليه، وقد ظهرت فيه زعامة متوارثة، إلى جانب الكاريزما التي يتمتع بها. كندا فطنت إلى أن لديها زعيما متخفيا لا يكترث للسياسية فاستدرجته للبروز.

استمر ترودو الأب في رئاسة الوزراء نحو خمسة عشر عاما، لتبدأ جولة أخرى يخسر فيها أمام المحافظين، وسيكون على الكنديين الليبراليين الانتظار تسع سنوات عجاف ليستعيدوا مجددا مقعد رئاسة الوزراء، وهذه المرة على يد ترودو الابن.

تشكيلة حكومة ترودو تعكس طبيعة السياسة التي ينتهجها وفيها وزير دفاع سيخي ووزيرة مسلمة للمؤسسات الديمقراطية

في انتخابات 2008 فاز ترودو الابن بعضوية البرلمان رغم ما مني به الحزب الليبرالي من هزيمة ساحقة، لتتفاعل على إثرها النقاشات الداخلية في الحزب وتؤدي في النهاية إلى اختياره زعيما للحزب، وكانت هذه أولى خطواته باتجاه الرئاسة.

الدولة الحديثة

إن الدول التي حسم فيها أهلها مسألة الهوية كهوية تعددية تعتبر حتى في عصرنا الراهن استثناء، وعلى رأس هذا الاستثناء كندا التي شكّلت حالة متقدمة، بحكومتها الفدرالية اللامركزية.

في كندا لم تعد سيادة القومية الأكبر أو الأصلية في البلد فكرة يمكن أن تسمعها في الشارع. وهنا لا يعتبر جاستون ترودو، المنحدر من أصول فرنسية، غريبا، فها هو وزير الدفاع هو الآخر من أصول هندية ينتمي للديانة السيخية، لا بل أكثر من ذلك هو مهاجر مستجد في كندا، وصل إليها مطلع الثمانينات، وعمل كضابط استخبارات في جيشها.

كان التنوع وإشراك كافة القوميات والديانات والمعتقدات اللبنة الأساسية في تكوين الدولة الكندية القوية، التي لا يُغبن فيها طرف لدينه أو لعرقه، كما لا يُسمح للون واحد أن يتسيّد على الجميع.

وهذا أمر طبيعي في دولة تجاوزت حقب التأسيس وتشكيل الهوية، فتذهب إلى استقلال قرارها بالمزيد من التقدم ومنح الحريات، وليس العكس، أو بالرجوع الى استحضار الدين أو القومية وتغذية نزعات العودة إلى الإمبراطورية.

لم يذهب ترودو لحضور جنازة نيلسون مانديلا وفضّل أن يعطي مقعده هناك إلى إيرون موتلر ممثلا عن الحزب الليبرالي في كندا، وذلك احتراما لأعمال كوتلر مع نيلسون مانديلا في مكافحة الفصل العنصري، وكان قد رفض استلام موقع القيادة في الحزب الليبرالي الكندي في العام 2008 عندما استقال ديون زعيم الحزب إثر هزيمته أمام ستيفن هاربر، مفضلا أن يتأنّى لبعض الوقت باعتبار أن الفرصة ليست مواتية.

تتمتع العملية السياسية في كندا بديناميكية عالية، فليس من ولاءات أيديولوجية متزمتة لدى الجماهير حيال حزب بعينه، وسرعان ما يتحول الزخم الجماهيري لحزب آخر، فتتذبذب شعبية الحزب حسب أدائه وبرامجه السياسية.

وتبرز تيارات سياسية محلية أو تمتد لعدة ولايات، لكنها لا تحوز كمية كافية من الأصوات، إذا هي لم تطرح برنامجا سياسيا يلبي طموحات قطاعات واسعة من جميع الولايات، هذا إلى جانب بروز نزعات قومية محدودة مثل نزعة القومية الكيبكية التي ظهرت في ولاية كيبك، والتي لم يتوانَ جاستون عن مهاجمتها في أكتوبر عام 2006، واصفا إياها بالانتماء إلى العصور القديمة، وكانت هذه من أول إطلالاته السياسية القوية.

حكومة تشبه كندا

عندما سأل أحد الصحفيين رئيس الوزراء الجديد جاستون ترودو: لماذا شكّلت حكومة من الأقليات؟ ردّ الأخير مؤكداً أن حكومته تشبه كندا، بمعنى أوضح، الديمقراطية الحق لا تعني السطوة الكاملة للأغلبية وسحق الأقلية، بل هي الحفاظ على حقوق الأقليات وإبراز المكونات كحلقات أساسية تبني المجتمع القوي المتماسك وتراعي حقوق جميع فئاته وشرائحه وطبقاته.

فوز جاستون ترودو برئاسة وزراء كندا يعد خطوة لترسخ نموذج الدولة المعاصرة بشكلها متعدد الثقافات، النموذج الذي تقدم على دول أوروبية تتبجح بديمقراطيتها، فكيف هو الحال إذا أردنا مقارنة كندا بدول العالم الثالث ذات الثقافات المتعددة أصلا؟

باختصار لم يرد أن تشبه حكومته أغلبية الشعب الكندي، بل أن تشبه كل الشعب الكندي. فنصف حكومته من النساء، لأن نصف كندا نساء، وضمّت الوزارة الجديدة أحد قادة السكان الأصليين -المهمشين سابقا- وزيراً للعدل. كما ضمّت الوزارة شابة مسلمة وتولّت وزارة المؤسسات الديمقراطية، ولم تتجاهل التشكيلة الحكومية حتى ذوي الحاجات الخاصة، فضمّت وزيراً مقعداً على كرسي متحرك، لوزارة المحاربين القدماء.

تتكون الحكومة من أربعة وعشرين وزيرا، بمن فيهم رئيس الحكومة، لم يشغلوا سابقا أيّ مناصب وزارية. كما أنه، رغم أن الذي شكلها هو الحزب الليبرالي الفائز بالأغلبية، لا يمكن وسمها باليمينية أو اليسارية، فالكفاءة معيارها الأساسي، ومن بين أعضائها نائب سابق في حزب المحافظين ونائب سابق عن الحزب الديمقراطي الجديد.

رئيس الحزب الليبرالي ترودو الآن يطبّق مبادئ حزبه بجرأة عالية. وقد استوعب الدروس والعبر من أخطاء حزب المحافظين، الذي يعادي الأقليات بكل أنواعها دينية وعرقية، ويتعامل معها بصلف وعجرفة، إضافة الى اهتمامه بالأغنياء والشركات الكبرى، كحال معظم الديمقراطيات الغربية، كما تجاهل الطبقة الوسطى الأوسع والأكبر في المجتمع الكندي.

تغيير تمّ بشكل سلمي ديمقراطي من خلال صناديق الانتخاب، ذهب حزب المحافظين وحلّ محله الحزب الليبرالي، من دون عنف، ومن دون سجون أو انقلابات عسكرية، ولا محاكمات للخصوم السياسيين، فهناك سقف للصراع السياسي تحكمه ثقافة ديمقراطية راسخة ليس فيها تخوين ولا ترهيب ولا قمع.

12