جاسيندا أردرن قاهرة الأزمات وميركل نيوزيلندا

رئيسة وزراء نيوزيلندا شابة تقدّم نموذجاً سياسياً فريداً.
الأحد 2020/10/25
كفاءة عالية وحكمة

استحوذت على قلوب النيوزيلنديين واحتلتها قبل أن تحوز وحزبها على غالبية الأصوات في صناديق الاقتراع، اسمها يعني “زهرة الياقوت” وهي كلمة مشتقة من الإسبانية، ومعه حملت لقب “قاهرة الأزمات” و”مخلّصة الأمة”، إنها جاسيندا أردرن أصغر رئيسة وزراء في العالم، عندما تبوأت منصبها لأول مرة عام 2017، وهي في الثلاثينات من عمرها، والتي وصفت مختلف وسائل الإعلام العالمية فوزها مع حزبها، بالفوز الساحق والتاريخي، في الانتخابات التشريعية التي جرت الأسبوع الماضي.

وقد احتل حزب العمال المركز الأول بنسبة 49.2 في المئة وسيشغل 64 مقعدا من أصل 120 مقعدا في البرلمان، يليه الحزب الوطني بنحو 27 في المئة، وحزب “أكت نيوزيلندا” ثالثا، في حين جاء حزب الخضر في المرتبة الرابعة بنحو 8 أصوات من أصوات الناخبين.

مخلّصة الأمّة

إذا كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يلقبها شعبها بـ”ماما ميركل”، وهو اللقب الذي بات محببا لدى السوريين، ليس فقط لحسن إدارتها للبلاد، منذ أن تبوأت منصبها، بل لقيادتها سفينة بلادها ببراعة في مواجهة كورونا، كما قادت أزمات سابقة، فإن أردرن حملت هي الأخرى لقب “مخلّصة الأمّة” من وباء كورونا، بعد أن اتخذت سلسلة من الإجراءات الصارمة جدا وصلت إلى حد إغلاق البلاد، ولدرجة أنه يحكى عن ظاهرة “جاسيندامانيا” أي “الهوس بجاسيندا”، في أجواء أعلنت فيها نيوزيلندا بلدا نظيفا من فايروس كورونا.

ورغم أن الفايروس عاد إلى هذا البلد، إلا أنه بقي في حدود مقبولة وتمت السيطرة عليه، في بلد يصل تعداد سكانه إلى أربعة ملايين وأربعمئة ألف نسمة تقريبا، والذي يطلق على أصحاب الأصول الأوروبية منه “باكيها”، ومعظمهم من بريطانيا ونيوزيلندا، في حين الماوري أو الكيوي هم السكان الأصليون للبلاد.

ورغم أن نيوزيلندا تعد من الدول التي تعيش عزلة جغرافية بسبب موقعها الجغرافي في أقصى جنوب غرب المحيط الهندي إلى الجنوب من أستراليا على بعد ألفي كيلومتر عبر البحر التاسماني، مع عدم امتلاكها حدودا برية بالمطلق، إلا أن الدور الذي لعبته أردرن جعل هذا البلد يتصدر أخبار صفحات كبريات الصحف العالمية ومختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.

صناعة المستقبل

النيوزيلنديون يتحدثون عن ظاهرة "جاسيندامانيا"، في أجواء أعلنت فيها نيوزيلندا بلدا نظيفا من فايروس كورونا، ورغم أن الفايروس عاد إلى هذا البلد، إلا أنه بقي في حدود مقبولة.
النيوزيلنديون يتحدثون عن ظاهرة "جاسيندامانيا"، في أجواء أعلنت فيها نيوزيلندا بلدا نظيفا من فايروس كورونا، ورغم أن الفايروس عاد إلى هذا البلد، إلا أنه بقي في حدود مقبولة.

ولدت أردرن في عام 1980، في مدينة هاميلتون جنوب العاصمة أوكلاند، وجاء على لسانها القول إن الفقر الذي شهدته في الجزيرة الشمالية من نيوزيلندا، أسهم إلى حد كبير في بلورة آرائها السياسية اليسارية، كونها ولدت في عائلة فقيرة نسبيا من أب شرطي، من طائفة المورون وهي إحدى الطوائف المسيحية، وهي الطائفة التي تخلت عنها سابقا بسبب مواقف هذه الكنيسة من المثلية الجنسية.

ودفعت الآراء السياسية التي تبنتها أردرن إلى إيلاء الاهتمام في وقت مبكر بالانضمام إلى المنظمات الشبابية العمالية، واستمر ذلك إلى حين تخرجها وإنهاء دراستها ودخولها الحياة العملية من خلال عملها في مكتب رئيسة الوزراء هيلين كلارك ابنة المدينة ذاتها التي ولدت فيها أردرن، ومن ثم انتقالها إلى لندن والعمل لدى رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير.

تلك التجربة زادت من خبرتها ودفعت بها وهي في مقتبل العمر إلى الصفوف الأولى من حزب العمال النيوزيلندي، لتنتخب نائبا عنه، عندما لم يكن عمرها لا يتجاوز سوى الـ28 ربيعا، ليعاد انتخابها في جميع الدورات المتتالية، إلى أن تولت منصب نيابة حزب العمال، ومن ثم تولت زعامة المعارضة، بعد استقالة سلفها أندرو ليتل.

تعهدت أردرن أمام أنصارها إثر إعلان النتائج بالقول “طالما أعطت نيوزيلندا حزب العمال دعما كبيرا على مدى 50 عاما، أتعهد أمامكم بأن يعمل الحزب لصالح كل نيوزيلندي”. وبدورها هنأت جويث كولنز رئيسة الحزب الوطني المعارض أردرن بالفوز، متعهدة بأن يكون حزبا معارضا قويا، مشيرة إلى أن السنوات الثلاث ستمر بسرعة البرق ولمح البصر، وذلك في إشارة إلى الدورة الانتخابية القادمة.

الفوز التاريخي الجديد لأردرن ليس بلا مقدمات، فقد سعت عبر ما أظهرته من كفاءة عالية في إدارة حاسمة لأزمتين كبيرتين ألمّتا ببلدها؛ أزمة كورونا، وقبلها الهجوم الذي نفذ ضد مسجدين جنوب البلاد، موديا بحياة 51 مصليا.
الفوز التاريخي الجديد لأردرن ليس بلا مقدمات، فقد سعت عبر ما أظهرته من كفاءة عالية في إدارة حاسمة لأزمتين كبيرتين ألمّتا ببلدها؛ أزمة كورونا، وقبلها الهجوم الذي نفذ ضد مسجدين جنوب البلاد، موديا بحياة 51 مصليا.

وذكرت مصادر إعلامية أنه إلى جانب الانتخابات التشريعية، فقد صوت الناخبون في استفتاءين على قانونين، الأول يتناول الحق في اختيار إنهاء الحياة، أو ما بات يعرف في علم الصحة بـ”الموت الرحيم”، أما الثاني فيتعلق بالسماح بتداول حشيش القنب “المخدر” أمرا قانونيا.

وتجدر الإشارة إلى أن الانتخابات في هذا البلد البعيد عن العالم الذي قرّبته للقلوب أردرن، كل ثلاثة أعوام يتم خلالها اختيار البرلمان ومن ثم تشكيل الحكومة، والفوز بمقعد في البرلمان يحتاج إلى 5 في المئة من أصوات الناخبين، أما عن السكان الأصليين “الماوري” فيتم تخصيص مقاعد لصالح المرشحين من بينهم  في البرلمان .

وتسجّل لهذا البلد النسبة العالية من المتعلمين فيه جدا والتي قد تصل إلى 99 في المئة، ذلك أن أغلبية سكان نيوزيلندا من معتنقي الديانة المسيحية وهي الديانة الرسمية للبلاد، يضاف إلى ذلك فهناك عدد من الأقليات الدينية مثل الإسلامية والبوذية والهندوسية وأغلبية أتباع هؤلاء الأقليات يقطنون في المدن الكبرى، أوكلاند هي عاصمة نيوزيلندا، والمدن الأخرى مثل كرايستشيرش وهاملتون ويليتنغتون.

أما اقتصاد نيوزيلندا فهو من اقتصاديات الدول الحديثة المزدهرة والمتطورة بنسبة نمو عالية جدا إلى جانب مستوى الإنتاج المحلي ذي الجودة العالية أيضا، ومع ذلك تعتمد نيوزيلندا اعتمادا كبيرا على التجارة العالمية، ويعد القطاع الخدمي من أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد، إلى جانب الصناعات التحويلية والزراعة واستخراج المواد الخام، أما العملة الرسمية لنيوزيلندا، فهي “الدولار النيوزيلندي الكيوي”.

فلسفة التغيير

سياسة أردرن سياسة جديدة لم يعهدها شعبها، وعدت من خلالها بالبدء في "التغيير" معتمدة على جيل الشباب.
سياسة أردرن سياسة جديدة لم يعهدها شعبها، وعدت من خلالها بالبدء في "التغيير" معتمدة على جيل الشباب.

تبنت سياسية جديدة لم يعهدها شعبها، وعدت من خلالها بالبدء في “التغيير” معتمدة على جيل الشباب، الأمر الذي مكن حزبها من تحقيق فوز بأغلبية مقاعد البرلمان، ومع ذلك لم يمكنه من تشكيل الحكومة منفردا، كونه لم يحصل على العدد المطلوب وفق القانون المعمول به، لذا شكلت الحكومة حينها عبر ائتلاف مع حزب الخضر و”نيوزيلندا أولا”.

ما مكّن أردرن وحزبها من تحقيق هذا النجاح الكاسح الذي لم يسبق أن حققه أي حزب نيوزيلندي منذ إصلاح النظام الانتخابي في عام 1996، الأمر الذي يعني أن جميع رؤساء الحكومات الذين ترأسوا الحكومة آنذاك شكلوا حكوماتهم عبر اللجوء إلى ائتلاف مع أحزاب أخرى. هذه هي المرة الأولى منذ عام 1996، أي ما يقارب الـ24 سنة، التي يستطيع فيها حزب تقوده شابة الفوز بهذه النتيجة الساحقة منذ أن طبقت نيوزيلندا نظام التصويت النسبي.

تعود أسباب ذلك الفوز التاريخي إلى ما أظهرته أردرن من  كفاءة عالية وحكمة في إدارة حاسمة لأزمتين كبيرتين ألمتا ببلدها، الأولى وهي الهجوم الذي نفذ من قبل شخص موتور يؤمن بتفوق العرق الأبيض المسيحي على مسجدين في كرايستشيرش في جنوب البلاد موديا بحياة 51 مصليا.

وكان لرد أردرن السياسي على المجزرة الوقع الإيجابي في الداخل والخارج، والإعلان التاريخي عن فرض قيود منعت بموجبها بيع أنواع مختلفة السلاح وحمله في عموم البلاد. لكنها لم تكتف بذلك فحسب بل حثت على ضرورة أن تحظر مواقع التواصل الاجتماعي المحتوى الداعي إلى التطرف، يضاف إلى ذلك كله أنها كسبت قلوب الكثيرين من خلال إظهار تعاطفها مع الضحايا والتضامن معهم ومشاركتهم ألمهم، وهو الموقف الذي ساهم في زيادة شعبيتها ليس على المستوى الوطني، بل حظيت بسمعة دولية مرموقة.

وشتان بين ما تبنته من سياسة التسامح التي أظهرتها في تلك المحنة التي أصابت بلادها، وبين من أجّج الأوضاع في بلده صاحبة أول ثورة إنسانية في العالم بمبادئها الإنسانية المعروفة وهي الحرية والإخاء والمساواة والتي أدار لها الظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وطعن فيها، في وقت كانت ولا تزال تعد رمزا لجميع الثورات في العالم. فهل كان ماكرون بحاجة إلى أن يتعلم الدرس جيّدا من أردرن، بدلا من أخذ فرنسا إلى نفق مظلم لن يعرف أحد إلى أين سيقود بلاده عبره؟ وفي الوقت الذي واجهت فيه أردرن المجزرة الدموية التي عصفت ببلادها بكل جرأة واقتدار، لجأ ماكرون إلى خلق الأزمات ومهاجمة الإسلام الذي اعتقد واهما بأنه ملجأ للهروب من مشاكله الداخلية التي أثقلت كاهل الجمهورية الفرنسية.

8