جاكرتا تغرق وأهلها يحاصرهم الخطر الداهم

على الرغم من الجهود المبذولة، تواجه الأحياء الفقيرة في مدينة جاكرتا الغرق بسبب مواسم الفيضانات حيث يوجد 20 بالمئة من أراضيها تحت مستوى البحر.
الثلاثاء 2019/12/10
الجدران العازلة لا تكفي

جاكرتا- تعيش إرما سوسانتي على بعد بضعة أمتار من جدار إسمنتي بالكاد يمنع مياه البحر من غمر حيها الفقير بالمياه في شمال العاصمة الإندونيسية.

كانت السلطات قد رفعت طول الجدار بنحو متر منذ أعوام قليلة، ليصل طوله إلى 2.3 متر. ولكن حتى هذا ليس كافيا في بعض الأحيان لمنع المياه ذات اللون البني الداكن والرائحة الكريهة من دخول منزلها خلال موسم الأمطار الغزيرة.

وعلى الجانب الآخر من الجدار هناك طبقة سميكة للغاية من القمامة تغطي المياه؛ إطارات، ونعال، وأكواب بلاستيكية مستعملة، وحقائب بلاستيكية وواقيات ذكرية.

وتجلس إرما على مقعد تحت الشمس الحارقة، وبين يديها ابنتها التي تبلغ من العمر عاما وبجانبها سيدة أكبر سنا.

وتقول الأم (30 عاما) التي لديها طفلان “علينا دائما أن نلتزم بالحذر من الفيضانات، لأن الجدار لا يستطيع دائما أن يصد المياه”. وتضيف أن أسوأ مواسم الفيضانات تكون في شهري يناير وفبراير، عندما تكون الأمطار متكررة الهطول أو عندما يكون المد عاليا. وتقول “زوجي يعمل صيادا، لذلك ليس لدينا خيار إلا البقاء”.

لا توجد دولة أخرى في العالم تغرق بصورة أسرع من جاكرتا
لا توجد دولة أخرى في العالم تغرق بصورة أسرع من جاكرتا

لا توجد دولة أخرى في العالم تغرق بصورة أسرع من جاكرتا، حيث أن نحو 20 في المئة من أراضيها تحت مستوى البحر، وهذه النسبة مرشحة للتضاعف تقريبا بحلول عام 2050، وذلك وفقا للباحثين في معهد بادونج للتكنولوجيا.

والوضع أكثر سوءا في الأحياء الواقعة شمال جاكرتا، التي يقول الباحثون إن مياه الفيضانات سوف تغمرها بالكامل خلال ثلاثة عقود.

وأعاد الحكام في عصر الاستعمار الهولندي تسمية المدينة، وأطلقوا عليها باتافيا، حيث كانوا يسعون لإنشاء أمستردام استوائية تتمتع بشبكة كثيفة من الشوارع والقنوات. والآن، تحمل جاكرتا شبها محدودا بالعاصمة الهولندية، في ظل وجود مئات الآلاف من السيارات التي تتهادى بحركة سير بطيئة وسط الازدحام المروري المستمر لساعات طويلة وقلة من المارة وحفنة فقط من المساحات الخضراء.

يعيش أكثر من 30 مليون مواطن في جاكرتا وأكبر مناطقها اليوم. وتقريبا جميع الأنهار الـ13 التي تخترق منطقة جاكرتا متسخة وذات رائحة كريهة. وترتفع المباني السكنية حاليا في نفس المكان الذي كانت تتواجد فيه أشجار المانجروف. وفي مكبات النفايات القريبة، يتم حرق البلاستيك.

وتغرق جاكرتا بسبب ارتفاع مستويات البحر، كما أن التخطيط العمراني الجاد للمدينة غائب منذ فترة طويلة. ويغطي الإسفلت والإسمنت معظم شوارع المدينة، مما يعني أنه ليس هناك مكان لتصريف المياه خلال هطول الأمطار الغزيرة. ولكن صلة غرق جاكرتا بما يحدث فوق الأرض أقل من صلته بما يحدث أسفلها.

يتصل نحو نصف سكان جاكرتا بشبكة أنابيب مياه خاصة، ولكن آخرين يضطرون إلى ضخ المياه من أسفل الأرض يدويا أو عبر مضخات كهربائية. واستمرار استخراج المياه من تحت الأرض يعني أن الأرض التي من فوق هذه المياه تغرق.

ويقول نيروانا جوجا، الذي يعمل مستشارا للتخطيط العمراني، “الأمر بمثابة جريمة قتل هادئة وبطيئة للغاية”، وأضاف “إلى درجة أنك لا ترى القاع يغرق في معظم الأحياء، وهذا يحدث ببطء شديد بحيث لا يدركه معظمنا”.

ويشار إلى أن الفنادق الكبيرة والمصانع والمراكز التجارية لديها أيضا أنظمة الضخ الخاصة بها. ويقول نيروانا “المشاكل من صنع الإنسان وليست من صنع الطبيعة”.

وبالنسبة إلى المنازل غير المتصلة بأنظمة إمداد مياه ولا تتمكن من الضخ، يجري إيصال المياه النظيفة إليها بواسطة الشاحنات. وهذا هو الحال بالنسبة إلى أسرة إرما، التي لديها خزانان سعتهما 250 لترا فوق جدار البحر الوقائي. تطهو إرما وتغسل وتستحم باستخدام هذه المياه. وتبلغ تكلفة مئة لتر حوالي دولار واحد، وهي تكلفة ليست مرتفعة بالنسبة إلى إرما أو جيرانها.

تقول إرما “لا يمتلك أي منا مضخة”، مضيفة “المياه هنا مقززة، وفلاتر تنقيتها لا تساعد أيضا”.

يبدو غرق جاكرتا واضحا في مناطق أخرى، ففي منطقة بينجارينجان شمال المدينة، أصبحت المنازل التي كانت تقع على مستوى الأرض الآن أسفل بمسافة متر. السكان الذين كانوا ينظرون للشارع من منازلهم، صاروا يعيشون أسفله الآن.

ويقول عبدالله موكتي، أحد سكان بينجارينجان، “آخر مرة وقع فيها فيضان هنا، غمرت مياه لمسافة 20 سنتيمترا المطبخ”.

المياه تنساب من تحت الأرض أمام منزل عبدالله موكتي (62 عاما) الملون، ولكنه يقول إنه لا يعتزم الانتقال إلى مكان آخر، ولا يعتقد أن المنطقة يمكن أن تغرق أكثر من ذلك. وأوضح “لست خائفا”. وأضاف “الفيضانات تقع خلال بضعة أيام سنويا، وفي باقي السنة يمكنني أن أعيش دون مشاكل”.

يتصل نحو نصف سكان جاكرتا بشبكة أنابيب مياه خاصة، ولكن آخرين يضطرون إلى ضخ المياه من أسفل الأرض يدويا أو عبر مضخات كهربائية

وفي حي إكواريم، جرى هدم العشرات من المنازل عام 2016 بسبب الفيضانات، ولكن بعض السكان بقوا، ومارسوا حياتهم في أماكن إيواء متنقلة.

وسبب الغرق المستمر ليس الافتقار إلى الأفكار الجريئة بين كبار مسؤولي المدينة؛ فبعد الفيضان الكبير الذي وقع عام 2007، كلفت المدينة شركة هولندية ببناء جدار بحر يبلغ طوله 57 كيلومترا على بعد عدة كيلومترات من الشاطئ، وجزر صناعية أطلق عليها اسم “كيتا” (نحن) و”ماجو” (التقدم) و”بيرساما” (معا). ولكن المنازل التي جرى بناؤها هناك خالية مثل الشوارع، وتعطل مشروع الجزر بسبب اتهامات بالفساد.

وربما تعد الخطة الأحدث لمواجهة مشكلة غرق جاكرتا هي الأكثر طموحا، وتقضي ببناء عاصمة جديدة كاملة خارج جاوة، على بعد حوالي 1200 كيلومتر من جاكرتا.

ووفقا للخطة المقترحة، سوف يتم بناء العاصمة الجديدة في غابات جزيرة بورنيو، التي تقع في منتصف الطريق بين مدينتي باليكبابان وساماريندا.

وتقدر تكلفة الانتقال إلى العاصمة الجديدة التي لم يطلق عليها أي اسم بأكثر من 30 مليار دولار. ومن المقرر أن تنتقل أول مجموعة من المسؤولين إلى المكاتب الجديدة مطلع عام 2024.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة، بالكاد يشعر أي مواطن يعيش في الأحياء الفقيرة على طول الجدران الوقائية بالقلق إزاء احتمالات الغرق.

20