جاكلين دوهام.. تلميذة ماتيس التي حلقت بجناحيها

الفنانة جاكلين دوهام لم تكتف بوضع الرسوم التصويرية للكتب، بل وضعت بنفسها كتبا للأطفال والناشئة صوّرت فيها فظاعات الحرب، وعبرت فيها عن التزامها بقضايا المجتمع.
الاثنين 2019/06/03
مسار خاص في فن التلوين

جاكلين دوهام فنانة عصامية، تعلمت الرسم بمخالطة أهل الفن والثقافة، وأبدعت فيه، وإن ظل اسمها مقترنا برسوم أهم مؤلفي كتب الأطفال في القرن الماضي، يكتشفها الزائر، مع أعمالها الأخرى، في معرض يتواصل حتى منتصف شهر يوليو القادم، في رواق مكتبة فورناي بباريس.

لم تكن حياة جاكلين دوهام، البالغة اليوم واحدا وتسعين عاما، مفروشة بالورد، فقد ولدت من علاقة غرامية عارضة بين طالب يوناني وأم فرنسية التحقت به إلى اليونان ثم تركتها عند ذلك الأب فأهملها، ما اضطر الدولة الفرنسية إلى إعادتها إلى بلادها وهي في سن العاشرة، حيث عهد بها إلى مؤسسة الرعاية العامة لتعليمها وتربيتها، فكانت ترسم رسوما ساذجة شبيهة بأسلوب هنري روسو الملقب بالديواني روسو والمنمنمات الفارسية، وتستبدل بها قطع الحلوى في الفصل، ثم ابتسم لها الحظ يوم لفتت انتباه أحد منظمي مسابقة في الرسم، فألحقها بمدرسة الفنون الجميلة بمدينة كليرمون فيران، وعمرها لا يتجاوز الثالثة عشرة.

ولما عادت إلى باريس، اضطرت إلى العمل في مصنع لضمان عيشها وسكنها، في تلك الفترة تعرفت على الشاعر بول إيلوار خلال حفل توقيع، فنشأت بينهما صداقة حميمة رغم فارق السن، تولدت عنها قصة مشتركة للأطفال بعنوان “بذرة جناح”، من تأليفه ورسومها هي، ونشرت عام 1951 في مجلة ELLE (هي). ولما وضع إيلوار حدّا لتلك العلاقة، بعثت جاكلين دوهام رسالة إلى هنري ماتيس، فقبل بتشغيلها كمساعدة في ورشته بمدينة نيس، بعد أن طعن في السن ووهنت صحته.

هناك، ثم في بيته ببلدة فانس كانت تتبع تعليماته في نشر الورق الضخم الذي كان يقصه بحسبان، في أرجاء الحديقة، ليزين به لاحقا كنيسة فانس، وتتلمذت على يديه طيلة عامين وتعلمت أصول الفن وقواعده، من تنظيف الفرش إلى تقنيات التلوين، مرورا بكيفية ملء فضاء القماشة.. وقد روت تجربتها تلك في كتاب بعنوان “يد صغرى لدى ماتيس” صدر عام 2009، تقرّ من خلاله بفضل ماتيس عليها وفضل تلك الإقامة في صقل موهبتها.

الفنانة العجوز يتبدى فرحها الدائم في حشد الألوان الزاهية والنباتات المزهرة والطيور المحلقة، وكأن عمرها كان نعيما كله
الفنانة العجوز يتبدى فرحها الدائم في حشد الألوان الزاهية والنباتات المزهرة والطيور المحلقة

ولا يقتصر فضل ماتيس عليها في تعليمها أصول الرسم فقط، وإنما أيضا في تعريفها بنخبة من الأدباء والشعراء والفنانين، أمثال بابلو بيكاسو، ومان راي، وكوليت، ولويس أراغون، ومارك شاغال وخاصة جاك بريفير الذي ستنشر معه عام 1953 قصة شعرية بعنوان “أوبرا القمر”.

وكان لتلك اللقاءات ما أكسبها ثقة في النفس، فصارت تختار الكتّاب الذين تريد التعامل معهم وتطلب منهم نصوصا تقوم بوضع رسومها، وقد استجاب لها عدد لا يستهان بحجمه من الكتاب المعروفين أمثال كلود روا، وجان دورميسون، وجان برولر الشهير بفيركور، وبول إيلوار، وبليز سندرار. أو تقترح خدماتها لإنجاز أغلفة كتب بعض المشاهير كالروائي ريمون كينو “زازي في المترو” 1959 والفيلسوف جيل دولوز “طائر الفلسفة” 1997 والمحامي روبير باتندر الوزير الأسبق في عهد الرئيس ميتران كتاب “حقوق الإنسان” 2005.

ولم تكتف جاكلين دوهام بوضع الرسوم التصويرية للكتب، بل وضعت بنفسها كتبا للأطفال والناشئة صوّرت فيها فظاعات الحرب، وعبرت فيها عن التزامها بقضايا العدل والمساواة والتسامح مثل “لولوت وحكايات كلاب أخرى”، و”لين والآخرون”، و”إيرما وإيغور في الباخرة فرانس”.

ويتجلى التزامها حتى في الرسوم التي وضعتها لبعض المؤلفات، مثل “هوبي الكنغر اللطيف” لكلود روا، قصة كنغر يُقصى ظلما من فريق لكرة القدم، أو “أتوم، قرد القمر الصغير” لآن فيليب، عن مغامرات قرد ينشأ داخل مختبر، أو “الطفل الذي لا يريد أن يكبر” لبول إيلوار، حكاية طفلة تهرب من عالم يموت فيه الأطفال من شدة الجوع والبرد ونيران الحرب، فلم تتردد في رسم بنت عارية يلاحقها جنود بأقنعة واقية من الغازات، وبنادق ذات حِراب.

في الأثناء، كانت مجلة “إيل” قد احتضنتها وقبلت أن تعمل لديها رسامة، وهو ما قامت به طيلة عشرين عاما منذ 1950، فكانت تتولى إلى جانب رسم قصص الأطفال، تقديم رسوم توضيحية عن وصفات إعداد الأطعمة، ولكنها لم تقنع بذلك فابتكرت جنسا جديدا هو الريبورتاج المرسوم، فقد اقترحت على هيئة التحرير عام 1961 أن تروي بالصور زيارة جاكلين كينيدي إلى باريس، من خلال تخطيط بالقلم تزينه بالأكواريل مع تعاليق مختصرة أسفل كل صورة. وقد قوبلت تلك التجربة بالاستحسان والإعجاب، حتى أن جاكلين كينيدي نفسها دعتها إلى بيتها في كيب كود، ثم إلى مرافقتها إلى الهند.

وأمام النجاح الذي لقيته رسومها، صارت المجلة لا تتردد في إرسالها خارج فرنسا لتغطية الأحداث الهامة، كزيارة شارل ديغول إلى البيرو عام 1964، وزيارة البابا بولس السادس إلى الأراضي المقدسة في السنة نفسها، وقد ابتكرت طريقة جديدة لترويج أعمالها تلك، بإخراجها في شكل مطوية مجانية ساهمت في زيادة مبيعات المجلة، حتى صارت أحيانا تصدر طبعة ثانية وثالثة، نتيجة الإقبال الشديد على تلك الملحقات الفنية الجديدة.

والمعرض المقام حاليا في رواق مكتبة فورناي الباريسي يحتفي بذلك كله، ويبرز مسيرة هذه الفنانة العجوز، التي يتبدى فرحها الدائم في حشد الألوان الزاهية والنباتات المزهرة والطيور المحلقة، وكأن عمرها كان نعيما كله.

Thumbnail
16