جاكي يلبي تعطّش أطفال جنين للضحك

بعد أن تنتهي لعبة الأطفال في جنين بخروف العيد، يأتي موعد حفلة الشواء في الصباح ليضربوا موعدا بعد الظهر مع جاكي بائع القهوة طيلة السنة، لكنه يلتقي الأطفال في فصول من الضحك والكوميديا والحركات البهلوانية والخدع البصرية كل عيد.
السبت 2015/09/26
جاكي يمرح مع الأطفال الذين يشاركونه منوعاته

رام الله (فلسطين) - صباحات “جاكي” خلال أيام العيد في مدينة جنين، شمال الضفة الغربية، كما في مساءاته، مختلفة تماما عنها في أيامه العادية، حيث يعمل بائعا جائلا للقهوة، التي تُعتبر المشروب المفضل للشباب وكبار السن.

فأيام العيد فرصته الأثيرة للتواصل مع أطفال المدينة ومخيمها، الذين يبدون بحسب ما يقول “متعطشين للضحك”.

وجاكي هو لقب الفنان والمهرج الفلسطيني، الشاب الذي يحمل اسم أيمن حسنين (37 عاما)، والمفارقة أن الأطفال يعرفونه بلقبه، في ما الأهالي يعرفونه باسمه، حيث يمتهن صب القهوة لهم في نهارات المدينة.

وفي أيام العيد الثلاثة يكون الأطفال من عمر بين 6 و14 سنة على موعد مع جاكي وفرقته في صالة سينما جنين، وسط المدينة، التي تفتقد لأي مركز ترفيهي خاص أو حكومي.

أما مهنة صب القهوة التي يعتمد عليها جاكي لكسب قوت يومه منذ ما يزيد على 10 أعوام، فلم تمنع شغفه بالفنون عامة وتحديدا المسرح الذي بدأ من علاقته بالفنون قبل أكثر من 12 عاما في مسرحية “عرب آخر زمن”، ومنها انطلق مكتشفا في نفسه مساحة خاصة ومختلفة وربما مرفوضة من المجتمع المحيط به.

وعلى يد مهرجين إسبان، تيقن حسنين، من رغباته الدائمة في رسم الضحكات على وجوه الأطفال خاصة.

وفي عرض أول أيام عيد الأضحى المبارك، الخميس، ضجت قاعة السينما (تتسع لأكثر من 200 طفل) بأصوات الأطفال وضحكاتهم وصخبهم، وأغلبهم قادمون من المدينة ومخيمها وبعض القرى المحيطة، في ما أتقن جاكي وفرقته الدور لملاعبة الأطفال ورسم الضحكة على محياهم، وكأنه طفل صغير يشبههم.

وينقسم عرض جاكي الذي يساعده مهرّج آخر (عفيف أبو بكر)، وفني صوت لضبط المؤثرات الصوتية (أمجد عبدالعزيز) إلى أربعة أقسام، الأول عبارة عن فقرة ترحيبية للأطفال، حيث يدخل حاملا شمسية “مظلة”، وكأنه يوم ممطر، ليبدأ فيها بعملية إحماء للعلاقة بينه وبين الأطفال.

جاكي: اكتشاف شخصيات الأطفال وقدراتهم، أمر لا يجب أن نستهين به، فالأطفال أكثر جرأة مما نعتقد، وما يضحكهم أمر قد نستغربه في حالات معينة

أما القسم الثاني، فهو عبارة عن فقرة لعب الطابات التي يتخللها الضحك والكوميديا وتعليم الأرقام أيضا، في ما الثالث مخصص للخدع البصرية التي يتقن فيها المهرج جاكي أكثر من ست خدع مخصصة للصغار والكبار، وغالبا ما يختم عرضه الذي يمتد على مساحة ساعة كاملة من التفاعل والضحك، بفقرة رابعة يُخصصها للغناء واكتشاف المواهب وتبادل النكت.

وعن الفقرة الرابعة يقول جاكي إنها “الأكثر أهمية، كونها تكشف شخصيات الأطفال وقدراتهم، وهو أمر لا يجب أن نستهين به، فالأطفال أكثر جرأة مما نعتقد، وما يضحكهم أمر قد نستغربه في حالات معينة، كما أنها تعتبر فرصة للكشف عن مواهبهم”.

وبدا جليا، تفاعل الأطفال مع العرض الذي تكرر ثلاث مرات خلال أيام العيد، بقسيمة دخول تقدر بنحو (2.5 دولار) وفي ذات المكان (سينما جنين)، حيث تعتبر هذه الفعالية بمثابة فرصة فريدة يجدها الأطفال والأهالي للتخلص من الأعباء والترفيه عن أطفالهم في أحد أقدس المناسبات الدينية، وفق عائلات.

وتعتبر مهنة المهرج أو “التهريج”، أحد أنواع الفنون الأدائية، وغالبا ما تتعارض مع الثقافة السائدة في المجتمع، الأمر الذي جعل من الذين يمتهنونها أمرا نادرا، فلا وجود لمهرّجين محترفين في مناطق شمال الضفة الغربية، ما يجعل من الأطفال الأكثر شوقا لهذا النوع وسط تنامي انتشار مدن الألعاب الترفيهية التي تقدم لهم ولصغار الشباب ألعابا تزرع الخوف في نفوس مستخدميها.

والمهرج هو فنان يؤدي أعمالا كوميدية، يتخذ فيها أشكالا غريبة قد تستدعي منه وضع مستحضرات التجميل، وارتداء الملابس الغريبة التي قد تكون ذات أحجام كبيرة جدا، وتتناسب مع أحذية غير عادية وأمور أخرى، وتستهدف رسم البهجة والسرور على شفاه الناس بشكل عام، والأطفال بشكل خاص.

ويتحدث جاكي عن حلمه، مشيرا إلى أن “سوق البالة أو الرابش (سوق شعبي يبيع الملابس المستعملة) أفاده أكثر من كل المؤسسات الفلسطينية المهتمة بالفنون”.

ويضيف “أنا مدين لسوق الرابش، فأغلب الأدوات التي استخدمها في عروضي اشتريتها من هناك، بدءا من الشنطة الخاصة بأغراضي، وصولا إلى البنلطون الخاص بالعرض، ومن ثمة الجاكيت الذي اشتريته بعد سنة من ذات السوق بسعر منخفض جدا لا يتجاوز الثمانية شواقل (2 دولارات تقريبا).

"فرقة المهرج جاكي" تبقى المساحة الأهم في العيد بالنسبة إلى أطفال مدينة جنين ومخيميها وقراها، حيث تقدم من عرض إلى عرضين شهريا لتجعل من ضحك الأطفال أولوية

ويتابع “صدفة وأثناء تجوالي بالسوق، وجدت بنطالا لمهرج يباع على بسطة شعبية، ومن ثمة أخذت أبحث عن الجاكيت الخاص به، لكني لم أجده، وبعد عام تقريبا وأثناء تجوالي بالسوق بحكم عملي، وجدت الجاكيت الأحمر الخاص به، وكم كانت فرحتي عندما وجدت أن الجاكيت خاص بذات البنطلون الذي اشتريته قبل عام”.

وأول بدلة خاصة بالعروض حصل عليها المهرج الشاب، كانت من فريق “مهرجون بلا حدود” الأسباني، وهي مؤسسة تعنى بزيارة مناطق الكوارث والأزمات والحروب، بهدف التخفيف من معاناة السكان.

وعن هذا الموضوع يتحدث حسنين “مهرجون بلا حدود، دربت أكثر من 26 شابا من مدينة جنين، ليعملوا مع الأطفال بعد مجزرة مخيم جنين (1 أبريل 2002 – 15 من الشهر نفسه 2002)، لكن جميع المشاركين لم يستمروا على الطريق، لأسباب انعدام الموهبة، أو خوفا من مواجهة رفض المجتمع لهذا النمط الفني.

ويحاول جاكي تجنب الوضع السياسي الذي تعيشه المدينة والمخيم الذي يشهد اقتحامات إسرائيلية بشكل متكرر، ويؤكد “أهدف إلى تخليص الأطفال من توتر يومهم والضغوط التي يتعرضون لها بفعل الحالة التي تعيشها المدينة أو حتى من ضغوط الدراسة ومتطلباتها”.

ويشير إلى أنه لا يحب “تسييس الضحك”، “قدمت عرضا مضحكا بريئا ومبدعا وشيقا، وغير مبتذل للأطفال، فأنا أخدمهم، وبذلك أقوم بعمل وطني، فالشعارات ليست دوما وطنية”.

لكنه يلفت إلى أن أحد أبرز مؤثراته الصوتية على سبيل المثال هو إطلاق الرصاص، وهو الصوت الذي شكّل دوما مصدر رعب لأطفال المدينة بفعل الاقتحامات المتكررة.

ويرى أن ما يقوم به يتجاوز أن يكون ترفيها بحتا، لكنه يحمل أغراضا تعليمية، وأخرى لها علاقة بتصالح الأطفال مع احتياجاتهم اليومية، كما أن الفقرة التفاعلية تُعد أبرز فقراته، وتهدف إلى الكشف عن مواهب الأطفال الذين يحضرون العرض، حيث يمنحهم صوتا أمام الآخرين.

وعن الصعوبات التي تعترض طريق انتشار هذا الفن الأدائي، يقول أيمن حسنين “الأهالي يريدون الترفيه لأطفالهم، وهذا أمر يزداد الطلب عليه، غير أن المشكلة هي أنهم مثلا لا يحترمون هذه المهنة، مما يجعل النظرة العامة للمهرج دونية”.

وتستخدم الفرقة وسائل تكنولوجية بدائية للحصول على المؤثرات الصوتية المناسبة، عبارة عن “لاب توب” شخصي، في حين أن الأمر يتطلب جهاز “مكسر” (خاص بالأصوات المختلفة)، لكن ارتفاع الثمن يمنع شراءه، وهو ما يجعل أعضاء الفرقة يبذلون جهدا كبيرا وانتباها منقطع النظير لضبط وتنسيق الحركات.

ومع ذلك تقوم الفرقة بعروض مجانية ودورية في قسم الأطفال بمستشفى خليل سليمان الحكومي في المدينة، في محاولة منها لزرع ابتسامة على وجوه الأطفال المرضى، ونشر ثقافة تدعم مهنتها التي تراها أنها أصبحت “محبطة” في ظل انعدام الدعم الحكومي أو الخاص.

وتبقى “فرقة المهرج جاكي”، المساحة الأهم في العيد بالنسبة إلى أطفال مدينة جنين ومخيميها وقراها، وتبلغ نسبة الأطفال دون سن الثامنة عشرة نحو 150 ألف طفل، بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني (حكومي)، حيث تقدم الفرقة من عرض إلى عرضين شهريا، لتجعل من ضحك الأطفال أولوية.

20