جاك لاكان طبيب كشف لغة العقل الإنساني المعقدة

السبت 2014/10/18
لاكان المحلل النفسي الأكثر إثارة للجدل في العالم

لا يختلف اثنان أن جاك لاكان يُعد من أشهر المحللين النفسيين بعد فرويد، وبأنه قدم إنتاجاً غزيراً في حقل التحليل النفسي فعلاوةَ على مساهماته الجلية في التعريف بالتحليل النفسي الفرويدي، ولنصوصه المكتوبة، يعتبر العاملون في الحقل النفسي أن كُبرى إسهاماته كانت “سيمناره” وهو عبارة عن محاضرات شفهية بدأ يقدمها في جامعة باريس منذ العام 1953 طيلة ثلاثين عاماً دون توقف. في الحقيقة هذه المحاضرات الشفهية هي التي أكسبت لاكان شهرته الحقيقية كأبرز المحللين النفسيين. ولازال العمل جارياً حتى الآن لتدوين هذه المحاضرات ونشرها في كُتب نظراً لما تكتنفه من معلومات وحقائق تكشف عن انشغال لاكان بالهم الأكبر وهو إعادة التحليل النفسي للمسار الصحيح بعد أن حاد عنه كثيرون ممن خلفوا فرويد.


ابن البورجوازية


ولد جاك لاكان في باريس في العام 1901 من عائلة بورجوازية. وبدأ حياته المهنية كطبيب ثم اتجه إلى الطب النفسي، ثم انخرط في الجمعية الباريسية للتحليل النفسي في أربعينات القرن الماضي، وقدم بحثاً أمام الجمعية الدولية للتحليل النفسي حمل عنوان : “مرحلة المرآة في تطور الطفل” أوضح فيه مقدار الإساءة الحاصل في مفهوم الأنا حسب فرويد، واعتبر أن الخاصية المميزة للأنا هي جنون العظمة أو البارانويا. أدت هذه الأفكار التي عرضها أمام الجمعية إلى التصادم مع المدرسة الفرويدية ومع مدرسة سيكولوجية الأنا التي كانت على وشك الظهور حينئذ. كان جُل اهتمام لاكان ينصبّ على المرضى الذهانيين وهذا ما تخبرنا عنه كتاباته فقد كان “سيمنار” لاكان الممتد من عام 1955 حتى 1956 يتناول حصريا ًمسألة الذهانات. ويقول لاكان في الذهان: “إن الفهم المُسبق الذي يزعمه مختصو الأمراض العقلية بخصوص الذهان ما هو إلا مجرد سراب فلا الطب النفسي ولا حتى التحليل النفسي لن يفلحا في تقصي الظواهر الذُهانية فيما إذا بقي المختصون فيهما يضعون أنفسهم بمقام العارف بكل شيء”، وعُرف عن لاكان إلمامه بالرياضيات واللغويات والأدب وهذا ما يُفسر علاقته ببعض الفلاسفة مثل هيغل وهايدغر. كان يرتاد الأوساط السريالية ونشر بعض القصائد في المجلات السريالية، مما أتاح له فرصة التعرف على عدد من المفكرين والشعراء مثل بول أليوار وأندريه مالرو وجورج باتاي وجان لوي بارو.


لاكان المطرود


يختلف لاكان عن غيره من المحللين في أنه لا يؤمن بأن مهمة التحليل النفسي هي العلاج، إنما على العكس تماماً فمهمته كشفية بحتة، يمكن من خلاله التعرف على حقيقة الشخص أما العلاج فهو أمر ثانوي. هذه الرؤية تحديداً عرضته للصدام مع المشتغلين بالعلاج النفسي. حتى هؤلاء الذين ينتقدون لاكان يُدركون جيداً في قرارة أنفسهم أنه غيّر نظرة جزء يسير من المجتمع الفرنسي حيال التحليل النفسي الذي كان لا يحظى باحترام كثيرين.

تعتبر النظرية اللغوية للاكان من أهم النظريات في علم النفس كونها أظهرت العلاقة بين النفس واللغة بطريقة تدفعنا للغور في أعماق النفس الإنسانية، هناك فقط نجد جذور الكلمة وأسرار اللغة المخبأة في أعماق اللاشعور

في العام 1964 وهو العام الذي طُرِد فيه لاكان من الجمعية الدولية للتحليل النفسي، قام بتأسيس مدرسته الخاصة التي أسماها مدرسة باريس الفرويدية وكانت ترمي إلى العودة إلى قواعد التحليل النفسي الفرويدي. وقد كانت كتاباته قد أولت الأهمية القصوى للغة مما أضاف مفهوماً جديداً للنظرية الفرويدية أعُطيت فيها المكانة الأولى للبُعد الرمزي. وعلى الرغم من صعوبة كتاباته ورموزه الخاصة إلا أنها لاقت رواجاً كبيراً في الأوساط الثقافية تارة بوصفه شخصية لافتة ومميزة، وتارة أخرى بوصفه بأنه مجرد مُصاب بجنون العظمة يكتب ما لا يفهمه الآخرون.


هندسة السلاسل


تعُتبر النظرية اللغوية للاكان من أهم النظريات في علم النفس كونها أظهرت العلاقة بين النفس واللغة بطريقة تدفعنا للغور في أعماق النفس الإنسانية، هناك فقط نجد جذور الكلمة وأسرار اللغة المخبأة في أعماق اللاشعور، فجوهر اللغة يكمن في لاشعوريتها كما أن اللغة نفسها تشكل منطق اللاشعور وعليه فإن ما على التحليل النفسي اكتشافه هو بنية اللغة. ولهذا يركز لاكان على أهمية الكلمة في ميدان التحليل النفسي حيث تغدو هذه الأخيرة كمفتاح بيد المحلل يستخدمه للولوج إلى أعماق النفس. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأحلام فإذا عُدنا إلى دلالات الحُلم، فإن الحلم ينطوي على بنية رمزية وهذه البنية هي عبارة عن كلمات وإشارات ودلالات رمزية بمجملها تشكل نظاماً متكاملاً يجد التمثيل لوجوده من خلال الكلام واللغة.

ينبغي أن نشير أن لاكان نفسه كان يُشيد بنظريته ويصف عمله بأنه محاولة لابتداع هندسة جديدة أطلق عليها اسم هندسة السلاسل، وهنا يمكننا أن نفهم إصرار لاكان على اتّباع منهج البحث في العلوم الطبيعية لفهم الظواهر النفسية وقد أمضى في هذا سنواتٍ طويلةٍ لمحاولة الكشف عن الماثيمات التي يمكننا أن نرد إليها الوقائع السيكو تحليلية. فنجد على سبيل المثال على السبورة حيث يُلقي لاكان محاضراته صيغا رياضية ومعادلات خاصة بالانحرافات الجنسية وأخرى خاصة بالعقد المُركبة وأسهما ورموزا وإشارات غريبة ومبُهمة البعض يحاول بصعوبة التعرف على العلاقات الترابطية بينها، والبعض الآخر يصاب بالعجز الكامل.


الكيان اللغوي


اللاشعور عند لاكان هو كيان لغوي متكامل وبنيته لغوية بالدرجة الأولى. فمن ناحية التكثيف يرى لاكان بأنها تشبه المجاز الأدبي والذي من خلاله يمكننا تحويل دلالة خاصة غير مناسبة لاسم ما إلى دلالة أخرى، أما التحويل فهو يشبه الكناية تُؤخذ فيه النتيجة كسبب والسبب كنتيجة والحامل بصفته محمولا والاسم على أنه مكان والكناية تحدد موضوعها داخل المفهوم الذي يرتبط بدوره مع مفهوم آخر بعلاقة جديدة وهكذا تتشكل أول لبنات اللغة.

يستدل لاكان على أن اللاشعور لغوي البنية من خلال مشاهداته للأعراض النفسية ذات الطابع اللاشعوري وكذلك الأمر ينطبق على ذكريات الطفولة الأولى. وفي الحقيقة لاكان أراد أن يبرهن أن اللاشعور يعمل على الدلالات وليس المدلولات التي ترمز إليها المصطلحات وهذا ما يفسر صعوبة اللغة التي يستخدمها لاكان والبنائيون الفرنسيون على العموم فاللغة في نظرهم أعمق بكثير مما نعتقد وما اعتقادنا بإمكانية امتلاك اللغة إلا وهم. وبالتالي يصبح الغموض والإبهام في خطاب لاكان محُرّضا ودافعا للبحث والاستقصاء.

عرف عن لاكان إلمامه بالرياضيات واللغويات والأدب وهذا ما يفسر علاقته ببعض الفلاسفة مثل هايدغر، كما أنه نشر بعض القصائد في المجلات السريالية، ما أتاح له فرصة التعرف على عدد من المفكرين والشعراء مثل بول أليوار وأندريه مالرو وجورج باتاي وجان لوي بارو


لاكان وفوكو ودولوز


بالإضافة إلى جملة الاتهامات التي طالت شخصية لاكان كطبيب مغرور ومادي طال النقد شيئاً فشيئاً صميم عمله المهني فمن بين ماريؤُخذ عليه هو التفاوت الزمني في جلساته العلاجية التي تصل في بعض الحالات إلى دقائق رآها بعض النقُاد دليل على حبه للمال أكثر من أي شيء آخر. كما طال النقد كتاباته وحلقات السيمنار، وقد انتقدها فلاسفة مشهورون في حينها مثل دولوز وليوتار وعلى الرغم من ذلك لم تمنع تلك الانتقادات الشكلية في جوهرها من ازدياد عدد المتابعين للاكان وقراءته بعمق وخاصة من قبل المختصين في مجال اللغات والأدب وعلوم اللغات. انتهت هذه الانتقادات التي تعاظمت آنذاك إلى اتخاذ لاكان لقرار حل مدرسة باريس الفرويدية بوصفها تعاني من مشاكل كثيرة وبأنه يُزمع إنشاء مدرسة جديدة.

وهنا مجدداً تعالت أصوات العاملين والمختصين في الحقل النفسي لتصف لاكان بجنون العظمة والغرور ولكن إن بحثنا في أعماق هذه الانتقادات للمسنا أن كثيراً من الحزن يلف كلمات منتقدي قرار حل المدرسة وهم من الطلاب والأساتذة والمختصين ويبدو أن لاكان نفسه كان حزيناً على هذا القرار فقد انزوى في تلك السنة وترك مهامه لأتباعه مما دفع البعض للاعتقاد بأنه يشعر باقتراب موته وفضل الابتعاد عن الناس حتى أنه توقف عن الندوة التي كان يعقدها كل أسبوعين منذ عام 1953 والتي يرى فيها بعض المفكرين في باريس بأنها معلم من معالم الحياة الثقافية في باريس وكانت محطات للقاء كبار الشخصيات الثقافية والأدبية بالإضافة إلى نخبة من المحللين النفسيين. وعُرِف من رُواد ندواته ميشيل فوكو، جيل دولوز، فليكس جاتاري، جان بيير فاي، كلود ليفي ستروس وكلارا مالرو وآخرون. وبالفعل فإن توقعات منتقدي لاكان كانت في محلها حيث مات في العام 1980 وهو العام الذي انطوى فيه لاكان على نفسه.

ولأنّه لاكان المحلل النفسي الأكثر إثارة للجدل فقد اشتد الخلاف حول مفاهيمه وحول تقييم أعماله بعد موته. ففي حين يراه البعض أحد أهم أعمدة التحليل النفسي البنائي يراه البعض الآخر مصاباً بجنون العظمة يرُضي غروره بابتداع كلمات جديدة عصية على الفهم ليخدع مستمعيه في حين أنه ليس سوى مهُرج يلعب بالكلمة.

15