جاك لانغ: على العرب أن يكونوا فخورين بثقافتهم

أطفال عرب أفارقة وفرنسيون في عيد الموسيقى الباريسي، ومُشاركة مميزة للمطربة والمُلحنة وعازفة الغيثار فلسطينية الأصل الموسيقية رشا نحاس.
الخميس 2018/06/21
الموسيقى أهم ركائز الثقافة

منذ 35 عاما، وفي الحادي والعشرين من يونيو من كل عام مع انطلاق فصل الصيف، يحتفي الموسيقيون، الهواة والمحترفون، في متاحف وشوارع ومطاعم وساحات المُدن الفرنسية والعديد من مُدن العالم بعيد الموسيقى بعد أن أضحى ظاهرة ثقافية دولية وموعدا رسميا للاحتفال بالمحبة والفرح والسلام، وباتت تشارك فيه اليوم المئات من المُدن في مختلف القارات، وذلك بفضل جهود أطلقها وتابعها منذ العام 1982 جاك لانغ وزير الثقافة الفرنسي الأسبق رئيس معهد العالم العربي في باريس، والذي التقته “العرب” في حوار خاص للحديث عن هذا العيد وشؤون ثقافية أخرى.

بفضل جهود جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق رئيس معهد العالم العربي في باريس منذ ثمانينات القرن الماضي، بات لعيد الموسيقى الفرنسي بعد عالمي وشهرة واسعة، خولته أن يتحول إلى تظاهرة لا تقف عند حدود فرنسا بل تسافر إلى شتى أنحاء العالم في احتفاء بفنون الموسيقى وترسيخا للوظيفة الأولى للفن ألا وهي توحيد الإنسانية على الجمال والسلم.

الموسيقى تجمع

نبدأ حديثنا مع جاك لانغ من مبادرته الرائعة والمميزة تجاه تخصيص عيد للموسيقى، ونسأله كيف جاءت، ولماذا كان له الفضل في اختيار الموسيقى تحديدا، وليس المسرح مثلا؟ يقول لانغ “في الحقيقة هو سؤال رائع، فأنا كنت أبحث حينها عن حدث أو تظاهرة يُمكن أن تضم الجميع، من خلال فن سهل في مُتناول أيّ كان بأدوات وإمكانات بسيطة، وبما يسمح للمُشاركين بأن يكون لهم دور ومُساهمة في هذا الحدث، ووجدت أنّ الموسيقى هي الفن الذي يستهوي كل إنسان، فنّ لا يُفرّق بل يجمع، فالموسيقى هي التي تسمح بخلق مبادرات عديدة للتآلف والحوار، باعتبارها إحدى أهم ركائز الثقافة، حيث يمتاز عيدنا بجمع فنون موسيقية تقليدية، حضرية، سيمفونية، فضلا عن الغناء الفردي والجماعي، كما أنّ من بين المشاركين هواة بشكل دائم وليس فقط محترفين من مُمتهني الموسيقى.

بالتأكيد في البداية قد تكون هناك بعض أنواع الموسيقى من الصعب ممارستها من قبل كل من يرغب، لكنها تستهوي الجميع، فيما لا يُمكن أن نطلق ذلك على فنون ثقافية عريقة أخرى حتى وإن كان المسرح”.

Thumbnail

في برنامج هذا العام بمعهد العالم العربي بباريس، الذي يرأسه لانغ، أفكار عديدة مُبتكرة، وتتضمن المبادرة إشراك أبناء اللاجئين والمُهاجرين العرب، حيث يرى لانغ أن الموسيقى تعكس الاندماج الحضاري والثقافي بين المُجتمعات، وتسمح بإظهار أصوات ربما تكون مُضطهدة في بلدانها.

لافتا إلى أنه سيشارك في احتفالية عيد الموسيقى في معهد العالم العربي هذا العام أطفال من فلسطين والعراق وسوريا، من الذين عانوا في حياتهم البسيطة والصغيرة.

يقول لانغ “نحن نُريده حدثا سعيدا يبثّ الأمل ويُساند الجميع. ولذلك تفتتح فعاليات عيد الموسيقى في المعهد أوركسترا ديموس وجوقة الأطفال الفلسطينيين، فيما يُقدّم الفقرة الترحيبية للحفل الذي ترعاه مؤسسة آلات السلام في جنيف والمعهد الفرنسي للقدس، عشرة أطفال سوريين وعراقيين قادمين من مدينة ليون الفرنسية باللغتين الآرامية والفرنسية، وتُعتبر مُشاركتهم ثمرة ورشة عمل تعليمية مكثفة على مدى ستة أشهر، تهدف إلى تقديم نموذج عن إدماج فئة الناشئين والشباب من المهاجرين الناطقين بالعربية”.

الثقافة العربية جميلة وغنية في ذات الوقت، ورغم المعاناة فإن القائمين عليها يجب أن يتمسكوا بالأمل وأن يمضوا إلى الأمام

كما يتضمن الحفل كذلك، وفق ما ذكره لانغ، مشاركة غنية لنخبة من المُغنين والموسيقيين والفنانين موزعين ضمن مجموعات مختلفة من قارعي الطبول الأفريقية وطبول منطقة القبائل، إلى الموسيقى الشرقية وفرق راقصة والهيب هوب والراي..، والكثير من المواهب الفردية الصاعدة، وذلك كما في كل عام حيث تغمر فعاليات احتفالية عيد الموسيقى المُنتقاة أجواء ثقافية ساحرة تتفاعل وتمتزج مع الآخر.

نسأل لانغ عن نظرته إلى مشاركة الموسيقيين العرب في هذا العيد في باريس تحديدا، ليجيبنا “هناك أيضا الكثير من الأنشطة والاحتفاليات الموسيقية الأخرى في باريس وفي كل أنحاء فرنسا بهذه المناسبة، احتفالا بعيد الموسيقى، وليس فقط في المعهد، ونحن نُتيح الفرصة لكل الموسيقيين العرب للمُشاركة أينما ومتى رغبوا، هناك غناء متنوّع لفنانين عرب وفرنسيين من أصول عربية”.

ويذكر أنّه تتواصل بعد الافتتاح العربي لعيد الموسيقى فعاليات الاحتفالية بفقرة مميّزة للموزع الموسيقي المعروف نادبيل الذي يُشارك منذ ست سنوات في الحفلات المغاربية الشيّقة، وتتنوّع توزيعاته ما بين الراي والمغربي الشعبي، مرورا بالموسيقى الشرقية والألحان الأمازيغية، وكل ذلك ضمن الاتجاه الجديد للإيقاع.

وتتوالى بعد ذلك الفقرات الفنية الموسيقية الساحرة التي تجوب ساحة المعهد طوال ساعات المساء والليل، لكلّ من عيسى إلياس، قارع الطبول الأفريقية، قيس السعدي وحسني بن حساين (غناء وعود وطبل)، طبول منطقة القبائل مع سعيد أخلفي، الموسيقى العربية الأندلسية مع فرقة الموصلي، أوركسترا جابي وسحر موسيقى الشرق، مجموعة “Battle” لمعهد العالم العربي (رقص، هيب هوب..)، فوزي “رايلوفر” أغنية من موسيقى الراي. وأخيرا مسك ختام عيد الموسيقى مع مُشاركة مميزة للمطربة والمُلحنة وعازفة الغيثار فلسطينية الأصل الموسيقية رشا نحاس.

Thumbnail

عيد عالمي

العام الماضي لمسنا الاهتمام الكبير بهذا العيد من خلال دور المؤسسات الثقافية والتعليمية الفرنسية في بعض المُدن العربية، والتي أعدت برنامجا مميزا لذلك، لكن لم نلحظ الاهتمام العربي بشكل واضح أوسع من ذلك الدور الفرنسي.

ويعلق لانغ حول ما ذكرناه قائلا “الرابطة الثقافية الفرنسية المُنتشرة في مُعظم دول العالم وغيرها من المؤسسات الثقافية الفرنسية العريقة لديها مُبادرات مميزة للاحتفاء بعيد الموسيقى في مختلف أنحاء العالم، وفي كل دولة أو مدينة هناك بوادر أولى نزرعها، ولكن بعد ذلك يتم استلام زمام المبادرة عن طريق مؤسسات وطنية مستقلة وأفراد شغوفين. في الصين مثلا كان القنصل الفرنسي قد أطلق هذه
المبادرة هناك منذ سنوات، لكن اليوم هناك منظمة صينية مستقلة مسؤولة عن عيد الموسيقى، وهناك فعاليات كثيرة لا تُحصى للموسيقى في شنغهاي وسائر أرجاء الصين”.

ويتابع “في برلين كذلك لم تكن هناك مثلا مبادرة فرنسية لإطلاق احتفالية عيد الموسيقى، بل بادرت سيدة ألمانية لتقديم تصوّر للفكرة بنفسها على النموذج الفرنسي برؤية ألمانية، واليوم نفخر بأنّ هناك عيد موسيقى في كل مكان في ألمانيا. أما في نيويورك فقد كان هناك شخص مُهتم اسمه هارون حاول تنظيم فعالية عيد الموسيقى، ولكن واجهته في البداية عقبة التصاريح اللازمة، ومن ثمّ تمّ حل ذلك من خلال التعاون، لتنجح الفعالية لاحقا بشكل كبير حتى تردّدت أصداء عيد الموسيقى في كل مكان في أميركا”.

في كل بلد عربي هناك أشياء ثقافية جميلة تلفت الانتباه ومعهد العالم العربي بباريس واجهة هامة لها
في كل بلد عربي هناك أشياء ثقافية جميلة تلفت الانتباه ومعهد العالم العربي بباريس واجهة هامة لها

ويؤكد لانغ أنه في كل مرّة هناك رابط أوّلي وصلة ضرورية مع فرنسا، ومن ثمّ يتفاجأون بحجم الاهتمام الكبير من قبل بعض الدول بهذه الاحتفالية التي أطلقوها، وبرأيه الشخصي هناك بدايات جيدة في بعض الدول العربية ولكنها تحتاج لمزيد من الوقت للإثمار.

ورغم أنه هو من أطلق المبادرة الأولى، وجاهد طويلا حتى تعم الاحتفالية في كل مكان في العالم، إلا أنّ الغالبية العُظمى اليوم من الفعاليات الموسيقية التي تحتفي بالعيد إنما تتم دون التنسيق معهم، وهذا أمر خارج نطاق صلاحياته ومسؤولياته، لكنّه فخور ومعتزّ به.

هناك دور ثقافي متصاعد لبعض الدول العربية، في مقابل الاضمحلال في المشهد الثقافي لدول عربية أخرى لأسباب مختلفة. ومن جهة أخرى، فإننا نتلمّس اليوم بوضوح النشاط الثقافي الضخم لمعهد العالم العربي في محاولة ربما لتعويض غياب أو تغييب بعض الدول العربية العريقة. وفي تقييمه للأمر يقول لانغ “في الحقيقة هذا الأمر ينطبق كذلك على أوروبا، إذ هناك دول أوروبية تصعد في المجال الثقافي على حساب دول أخرى عريقة على صعيد الفعل الثقافي، وذلك للعديد من الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما حصل في المنطقة العربية مؤخرا، فقد لمسنا بشكل ملحوظ تنامي وتصدّر الدور الثقافي بقوة لدولة الإمارات العربية المتحدة على مدى السنوات الأخيرة سواء في أبوظبي أو دبي أو الشارقة، كما أننا متفائلون اليوم بالمشاريع الثقافية التي أطلقتها أخيرا المملكة العربية السعودية بفضل رغبة كبرى من قيادة المملكة في هذا الصدد”.

لكنه يستدرك “عموما في كل بلد عربي هناك أشياء ثقافية جميلة تلفت الانتباه، في المغرب في الجزائر في تونس، وفي لبنان البلد الذي عرف مراحل سعيدة وأخرى حزينة، ورغم ذلك هناك إنجازات مُستمرة. بينما هناك بلدان عانت وتعاني كسوريا والعراق واليمن وليبيا، نتفهم لماذا لا توجد لديهم اليوم إنجازات ملحوظة لمشاريع ثقافية رغم الإمكانات الفردية، فإبداعات الإنسان العربي موجودة في كل مكان ولا تتوقف، فالناس هناك لديهم إمكانات للإنتاج والتميّز في وطنهم”.

Thumbnail

المعهد والثقافة العربية

يقول لانغ “نحن في معهد العالم العربي إنما نجحنا في أعمالنا ومشاريعنا من خلال الصبر والمحبة. أنا شخصيا إنسان أمتلك فكرا وحيوية وأسعى نحو الحركة الإيجابية لصالح الثقافة، وفي كل مرة يتم تكليفي فيها بمهمة ما آخذها بكل جد على عاتقي، وأبادر نحو إنجازات ومشاريع جديدة. في كل مرة يتم تكليفي بمسؤولية جديدة سواء كوزير أو كمدير مؤسسة ثقافية، أمضي إلى الأمام بلا هوادة. وعندما كلفت برئاسة معهد العالم العربي في باريس كانت حالته المادية متدهورة مع مشاكل داخلية، ولم تكن توجد هناك مشاريع ثقافية كبيرة، لكنّي قلت لهم سوف أغيّر كل شيء وأعطي الحيوية للمعهد لأنّ الثقافة العربية غنية جدا بالماضي وغنية في الحاضر، وعلينا أن نعطيها القيمة الأفضل التي تستحقها، والأحسن إشراقا”.

ويذكر لانغ أنه قد أعاد تجديد واجهة المعهد فورا، لأنه هو من شيّد هذا المبنى كوزير. كما أطلق العديد من المشاريع الدورية الضخمة، فضلا عن الأنشطة اليومية والأسبوعية، وتجديد المكتبة وإعطاء الاهتمام لتعليم اللغة العربية للجاليات العربية وللفرنسيين على حدّ سواء وفق معايير أكاديمية مُعترف بها عالميا. ويلفت إلى أنهم اليوم قد تمكّنوا من إعادة مهرجان السينما العربية في باريس بعد توقف طويل، لتنطلق دورة جديدة نهاية شهر يونيو الحالي.

جاك لانغ يؤكد على تنامي الدور الثقافي للإمارات العربية المتحدة على مدى السنوات الأخيرة سواء في أبوظبي أو دبي أو الشارقة

ويضيف “عملت مؤخرا في جنيف على تأسيس صندوق دولي وإطلاق مبادرة لدعم الدول العربية التي عانت وتُعاني من الحرب، وإطلاق مُساهمات دولية في هذا الصدد. وسوف نعمل في هذا الصدد على تنظيم معرض ومتحف في أكتوبر بالأبعاد الرباعية لمدن تدمر وحلب والموصل، لنُظهرها للزوار كيف كانت وأصبحت في ظلّ الحرب والدمار، وكيف ستصبح لاحقا بعد أعمال الترميم بفضل تكاتف الجهود المحلية والدولية”.

نختتم حوارنا مع جاك لانغ بسؤاله حول الكيفية التي يخاطبون بها الجمهور المتشوق لاحتفالية عيد الموسيقى في معهد العالم العربي، الجمهور العربي والفرنسي على حدّ سواء، ليجيبنا “نقول لهم إنهم يجب أن يكونوا فخورين بالثقافة العربية، هذه الثقافة الجميلة والغنية في ذات الوقت، ورغم المعاناة التي يتعرّض لها البعض داخل وخارج بلدانهم، إنما يجب أن يتمسكوا بالأمل وأن يمضوا إلى الأمام. في فرنسا تتلاقح الثقافات وتنجح المواهب، وهذا ما يُشكل غنى ثقافيا كبيرا جدا لنا. وأنا أشكر من وضعني في هذا المنصب وشجعني لتقديم الثقافة في أجمل صورها. نعم في كل مرّة يجب أن نبحث عن الدعم المادي لمشروع ما، وهذا ليس بالأمر السهل بالطبع، ولذلك فأنا أشكر بهذه المناسبة كل من يُساهم في هذا الشأن لصالح الثقافة العربية وحوار الثقافات بشكل عام”.

15