جاك ما.. علي بابا من دون الأربعين حرامي

السبت 2014/05/17
بيل غيتس الشرق الذي رفضته الجامعة مرتين

«كنت جالسا في إحدى مقاهي مدينة “سان فرانسيسكو” الأميركية، جاءت النادلة فسألتها: “ما الذي يخطر ببالك عند سماع كلمة علي بابا؟” فردت: “افتح يا سمسم”. فقلت: “نعم! هذا هو الاسم الذي أريده!”»

كانت تلك هي الفاتحة التي قادت رجل الأعمال الصيني “ما - يون” أو “جاك ما” ليكوّن اسما لشركة صينية عملاقة قد تحقق في 2014 أكبر طرح عام للأسهم في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية بقيمة تتجاوز الـ16 مليار دولار أميركي، الذي حققته شركة «فيسبوك» في طرح أسهمها الأول عام 2012.

وقد لا تكون أنشطة الشركة معروفة بشكل كبير للمستهلك العربي، لكن “علي بابا” ببساطة أكبر مجموعة شركات تعمل في مجال التجارة الألكترونية في العالم بأرباح سنوية تتجاوز عملاقي التجارة الألكترونية في الولايات المتحدة الأميركية “أمازون” و”إيباي”.


بدايات متواضعة


كانت ولادة جاك في شهر نوفمبر 1964، ولما بلغ عمره 12 عاما، أصرّ على تعلم الأنكليزية، لذا حرص على مدى ثماني سنوات تالية على أن يركب دراجته الصغيرة لمدة 40 دقيقة في صباح كل يوم، صحوا كان أو مطيرا، ويهرع بها إلى فندق قرب مدينة هانجـزو، التي تقع على بعد 100 ميل من جنوب مدينة شنجهاي. كان الفندق يعج بالسياح القادمين للتعرف على التنين الصيني الناهض من سباته، ولذا سعدوا بتلقي خدمات فتى صيني يعرف المنطقة جيدا، ويريد في المقابل أن يتعلم اللغة الأنكليزية، هذه السنوات الثماني كان لها عظيم الأثر على طريقة تفكير جاك فيما بعد.

هذه السنوات نتجت عنها صداقات كثيرة، أهمها مع عائلة أسترالية دعت جاك إلى زيارتها في أستراليا خلال صيف عام 1985، حيث أمضى جاك 31 يوما غيّرت مجرى حياته، إذ أنها كانت المرة الأولى التي يخرج فيها خارج بلده الصين، حيث تعلم في مدرسته أن الصين هي أغنى بلد في العالم، وأن أهلها أسعد شعوب الأرض؛ بالطبع، تغيّر كل هذا حين خرج من مطار الوصول، لتتغير طريقة تفكيره حتى اليوم.

في صيف العام 2013 قرر جاك ما التخلي عن منصب المدير العام والاحتفاظ بالرئاسة، وهي منصب فخري، معللا قراره بأن حلمه الحالي مجرد مدرسة صغيرة لتعليم رياضة تاي شيشوان بالمشاركة مع النجم العالمي جاكي شان

ورغم رسوبه في الاختبار المؤهل لدخول الجامعة مرتين، غير أنه في الثالثة تأهل لدخول أسوإ جامعة من حيث المستوى في مدينته “جامعة معلمي هانجـزو”، حيث درس ليصبح مدرسا لغة أنكليزية ثانوي. عند تخرجه عام 1988، وقع الاختيار على جاك من بين 500 خريج ليدرّس في الجامعة، وكان راتبه الشهري يتراوح ما بين 12 إلى 15 دولارا وقتها. كانت أمنية جاك أن يتخرج ويلتحق بالعمل في فندق أو ما شابهه، وقد تقدّم لوظائف عدة، لكن دون جدوى، حتى أنه تقدم ليعمل سكرتيرا للمدير العام لمحلات كنتاكي، دونما فائدة.

أثناء تدريسه في الجامعة على مرّ خمس سنوات، أسس جاك شركة ترجمة في هانجزو، وقضى عاما بأكمله في محاولة بيع أدوية للأطباء وللمستشفيات. لكن في عام 1995 سافر جاك إلى الولايات المتحدة الأميركية كمترجم لشركة صينية أرادت الدخول في شراكة مع شريك أميركي وكانت لها ديون مستحقة عليه، لكن حين ذهب جاك إلى هذا الأخير في مسكنه، حبسه الرجل هناك لمدة يومين تحت تهديد السلاح، ولم ينج جاك من هذا الفخ سوى عبر مجاراة رجل الأعمال هذا، والاتفاق معه على أن يصبح جاك شريكه الصيني في الصين، وأن يؤسس شركة أنترنت فور عودته إلى بلده، وبالطبع لم يتحقق أي من هذه الاتفاقات المعقودة تحت تهديد السلاح.

بعدما خرج جاك من هذه المحنة، سافر إلى سياتل حيث يعيش أصدقاء له، فحكى لهم عمّا حدث؛ وهناك تعرف على صديق من خلال شبكة الأنترنت، وجرب البحث في موقع ياهو لأول مرة في حياته، فلاحظ قلة أو ندرة المعلومات عن بلده الصين.

بالتعاون مع صديقه، جرب جاك تصميم موقع بسيط لشركة الترجمة الخاصة به، جاء التصميم قبيحا، لكن بعدما انتهى منه ورفعه في تمام الساعة التاسعة صباحا، وبحلول الخامسة مساء، كان جاك قد تلقى خمس رسائل بريدية بخصوص شركته. هذه السرعة نبهت جاك إلى هذا المنجم الخصب الذي ينتظر من يستغله.

بعد عودة جاك، استقال من وظيفته، واقترض من أقاربه ما قيمته ألفين من الدولارات لتأسيس شركة أنترنت لتصميم موقع يسدّ هذا النقص المعلوماتي الشديد، وسمى الموقع صفحات الصين أو China Pages في شهر أبريل من عام 1995. وقتها كان جاك جاهلا بكل ما له علاقة بالكمبيوتر أو البريد الألكتروني، وحتى ذلك الحين لم يكن قد لمس لوحة مفاتيح على الإطلاق، وهو يصف نفسه وقتها بالأعمى الذي يركب على ظهر نمر أعمى بدوره. بدأ جاك في تصميم مواقع أنترنت للشركات الصينية.

كان منافس جاك شركة الاتصالات الصينية الحكومية، وقد تنافس معها قرابة العام، حتى عرض مديرها العام استثمار مبلغ 185ألف دولار في الشركة مع جاك، وكان هذا الكم من المال أكبر ما وقعت عليه عينا جاك في حياته. لكن للأسف، فاق عدد أصوات الشريك الحكومي جاك، ما جعل العديد من أفكار جاك تلقى حتفها رفضا وبيروقراطية، حتى اضطرّ جاك للاستقالة في نهاية الأمر.


إطلاق موقع علي بابا


كان مقر عمل الشركة الناشئة في شقة جاك ما، ولم ينتقل منه إلا بعد حصوله على تمويل مالي قدره 5 ملايين دولار من مجموعة جولدمان ساشس الاستثمارية في نهاية العام 1999، وكان نظام العمل 12ساعة يوميا، 7 أيام في الأسبوع، بعيدا تماما عن وسائل الإعلام، ولمدة ستة أشهر متواصلة

عندها بدأ حلم جاك بأن يؤسس شركته الخاصة للتجارة الألكترونية، ولذا في شهر فبراير من عام 1999 دعا 18 عاملا من إدارته السابقة إلى شقته، وتحدث معهم لمدة ساعتين عن رؤيته لشركته هذه، ليضع جميع الحضور أموالهم على طاولة النقاش، جامعين قرابة 60 ألف دولار لتأسيس موقع علي بابا.

كان مقر عمل الشركة الناشئة في مسكن جاك، ولم ينتقلوا منه إلا بعد حصولهم على تمويل مالي قدره 5 ملايين دولار من مجموعة جولدمان ساشس الاستثمارية في نهاية عام 1999، ثم تلاه التوسع التالي بعد حصولهم على التمويل التالي (20 مليون دولار) في عام 2000. كان نظام العمل 12 ساعة يوميا، 7 أيام في الأسبوع، بعيدا تماما عن وسائل الإعلام، ولمدة ستة أشهر متواصلة.


تغيير الاتجاه


حتى جاء انفجار فقاعة مواقع أنترنت في عامي 2000 و2001، والذي اضطرهم لتسريح بعض العاملين لديهم، حتى أنه في عام 2002 كان المال المتبقي في أرصدة الشركة يكفيها فقط لتستمر في العمل لمدة عام ونصف، وكان العديد من المشتركين في الموقع يستعملون خدماته مجانا دون مقابل مالي، ولم يعرف فريق العمل كيف يحصل على المال. ليس هذا فحسب، ففي عام 2003 ضرب وباء فيروس سارس الصين وهونج كونج، وأصاب قطاع الأعمال في مقتل. هذا الأمر دفع جاك للمجيء بمنتج يستطيع مصدرو الصين تقديمه بشكل يلبي احتياجات المشترين في أميركا، فكان موقع (taobao) للمزايدة الألكترونية، على غرار موقع إيباي، الذي كان يدخل السوق الصينية بهدوء وقتها. في نهاية عام 2002 كان ربح علي بابا السنوي هو دولار واحد، رغم ذلك، أدرك جاك أن عليه فعل شيء للحصول على المزيد من الزوار لموقع علي بابا، ولذا بدأ يبحث عن شريك قوي لديه محرك بحث يضمن له توليد عدد كبير من الزيارات. ولذا في منتصف 2005 دخلت ياهو في شراكة مع علي بابا، في صفقة قدرها 1 مليار دولار، وجعلت القيمة الإجمالية لشركة علي بابا 4 مليارات دولار. وجرى الاتفاق على حصول ياهو على 40 ” من أسهم علي بابا (مع نسبة أقل عند التصويت على القرارات)، في مقابل نقل ملكية النسخة الصينية من موقع ياهو إلى علي بابا، هذه الملكية قدرت قيمتها بــ 700 مليون دولار.


علي بابا اليوم


طالب جاك ما حين عمل مترجما في الولايات المتحدة شريكا أميركيا بديون مستحقة عليه، فحبسه الرجل في بيته لمدة يومين تحت تهديد السلاح

علي بابا أصبح اليوم من الشركات عالية الربحية، يقدم خدمة البريد الألكتروني، ونظام دفع ألكتروني (علي باي)، ونظام مزايدة (تاو باو)، وسوقا عالميا يجمع البائع والمشتري (علي بابا)، وموقعا لتبادل إعلانات مواقع أنترنت الصينية (علي ماما)، وغير ذلك الكثير من الخدمات.

يُطلق جاك على موقعه علي بابا موقع ألف غلطة وغلطة، فشركة علي بابا لم تنسخ نموذج إدارة أعمال من أميركا، مثلما فعل العديد من رجال الأعمال الصينيين المعتمدين على التجارة الألكترونية، بل ركزت على جودة الخدمة، وعلى تحقيق هدف بسيط، اضغط لتحصل على الخدمة، وإذا لم يتحقق ذلك الأمر، كان جاك يراه هباء وتجب المعالجة. رؤية جاك قائمة على تقديم خدمة جديدة مجانا لمدة ثلاث سنوات، يبدأ بعدها في تحصيل مقابل مالي لها، وخلال هذه الفترة، تفهم الشركة رغبات المستخدمين، وبالتالي تتقن تقديم الخدمة.


الأرقام تقول كل شيء


التعداد السكاني في الصين يقارب مليارا ونصف مليار نسمة، وأكثر من 600 مليون صيني يستخدمون الأنترنت، بينما أكثر من 500 مليون يستخدمون الأنترنت على الهواتف المحمولة، وأكثر من 300 مليون شخص يتسوقون على الأنترنت، و10 من الـ16 مليون شحنة التي يتم نقلها في الصين يوميا، هي صفقات يتم عقدها عبر أحد مواقع جاك ما.

وفي صيف العام 2013 قرر جاك ما التخلي عن منصب المدير العام والاحتفاظ بالرئاسة، وهي منصب فخري، معللا قراره بأن حلمه الحالي مجرّد مدرسة صغيرة لتعليم رياضة تاي شيشوان بالمشاركة مع النجم العالمي جاكي شان.

15