جامعة أكسفورد وكرسي الشعر

الثلاثاء 2014/09/02

الشعر ركيزة حضارية وكنز من كنوز الثروة الروحية وفي هذا الإطار نجد الجامعات الراقية تسند دراسته إلى كبار الشعراء أوّلا. إن جامعة أكسفورد، مثلا، لا تسند كرسي الشعر لأيّ كان، وإنما ينتخب فيها انتخابا بمشاركة الأساتذة والطلبة والرأي العام الأدبي ببريطانيا في الاقتراع الديمقراطي، ويعني هذا أن منصب أستاذ كرسي الشعر له ميزة خاصة واستثنائية، ويعتبر حالة متفردة في التقليد الثقافي الأكاديمي لجامعة أكسفورد وكذلك لجامعة كامبردج.

إن هذا التقليد الرائع مستمرّ حتى يومنا هذا مع العلم أنّ هذا المنصب يفوز به غالبا أحد الشعراء البارزين، ولا ينظر إلى ما يحمله من شهادات عليا ترشحه لنيله، وهو الأمر المعكوس بجامعاتنا حيث يسلم منصب أستاذ الشعر فيها لأي دارس تحصل على الدبلوم في الأدب وغالبا عن أطروحة فجَّة ومبتذلة.

منذ عدة سنوات خاض عدد من كبار شعراء الغرب حملة انتخابية لنيل منصب أستاذ كرسي الشعر بجامعة أكسفورد وشارك في تلك الحملة الشاعر الروسي الشهير يفغيني يفتوشنكو. في تلك الحملة الانتخابية تدخلت في النقاش أجهزة الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة مثل القناتين الرابعة، و”بي بي سي” وجريدة التايمز، وصحيفة لوموند الفرنسية إلى جانب تدخل نقاد كبار، وشعراء كبار، وحتى رئيس وزراء بريطانيا.

إن تدخل هؤلاء كان من أجل تلميع صورة هذا الشاعر المترشح أو ذلك، وإثبات جدارته كما هو الأمر في الانتخابات السياسية البرلمانية بالمملكة المتحدة البريطانية. إنّ الطريف في الموضوع هو ترشيح أسماء شعراء كبار من دول أجنبية أخرى وعدم حصر عملية الانتخاب في الشعراء البريطانيين فقط، ويعني هذا أن كرسي الشعر ليس مجرد وظيفة تعليمية وأكاديمية عادية، بل إنه منصب حضاري يخضع لمعيار عالمي وليس لمعيار وطني ضيق.

إن هذا التوجه يمثل تقديرا للشعر كقيمة ثقافية عليا تتجاوز حدود الدولة – الأمة. على أيّة حال، فإن يفتوشنكو لم يفز بالمنصب في تلك الانتخابات رغم كونه الشاعر المتمرد على المؤسسة الأيديولوجية السوفييتية والأكثر شعبية في المشهد الشعري الروسي – السوفييتي في ذلك الوقت.

بعد مدة قصيرة مرت على هذا الحدث أذكر أنني التقيت بالشاعر يفتوشنكو في مقر اتحاد كتاب روسيا بموسكو عام 1993، وتحدثنا مطولا عن هذا التقليد الجميل الذي تكرسه جامعة أكسفورد، وأثنى عليه معتبرا إياه عرسا ثقافيا وتعليميا في الحياة الجامعية البريطانية. فمتى يعاد الاعتبار للشعر في منظومتنا التعليمية الجامعية ومتى يسند تدريسه لأهل الاختصاص؟


كاتب من الجزائر

15