جامعة الأميرة نورة.. أول الجامعات السعودية الحكومية للطالبات

الثلاثاء 2014/01/07
جامعة الأميرة نورة تتطلع لتعزيز ثقافة الحقوق النسائية

الرياض - أن يكون لبلد منارة علم وثقافة ومنارة مستقبل وتغيير فذلك أكثر ما تفخر به بلدان العالم الثالث، المتلاطم بأمواج حروب الأدلجة وبعض أصوات الخطاب الديني، ولا يجرؤ على القيام بهذا الدور سوى الجامعات أو مراكز المعرفة أو صفحاتها إن تجرأت في الإعلام.

في السعودية، بوضعيتها المختلفة وأسلوب معيشتها الاستثنائي، ووسط العجز الفكري الفردي غير القادر على تغيير الواقع، كان لابد من وضع خطوات في سلم التغيير والقفز إلى المستقبل بقوة الأساس والطموح الغير محدود.

على سبيل الوجود، مرّ تعليم الفتاة في السعودية بمواقف كبرى حيث تم سجن من دعا إلى ذلك أمثال الأديب السعودي الراحل عبد الكريم الجهيمان، بعد مقالة منسوبة إليه في العام 1955 عبر جريدة “أخبار الظهران”، وتم اعتبارها مجتمعيا ورسميا من كبائر الدعوات التي تستوجب العقوبة، بينما لم يلبث إصدار قرار رسمي بتعليم الفتيات وفتح المدارس لهن بعد المقال بسوى أربعة أعوام، عبر إنشاء “الرئاسة العامة لتعليم البنات”، وتطور التعليم حتى تمت صياغة أسلوب تعليمي يتعامل بشعرة معاوية مع المجتمع السعودي والمؤسسة السياسية، ووصل إلى التعليم العالي عبر جامعات وكليات.

الجامعات السعودية اليوم، هي الأكثر قدرة على تنشئة جيل مختلف يسعى إلى فتح نوافذ المستقبل التي أغلقتها بعض العادات والخطابات المتوشحة بسوداوية عدد من رجال الدين، وغالب المجتمع المحافظ السعودي الخجول في تقبل التغيير.

جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، هي منارة تعليمية سعودية، أولى الجامعات السعودية الحكومية للطالبات حصرا، نالها في عامين فقط من الهجوم والنقد ما يملأ دولا غضبا وتحركا، لكن الجامعة آثرت الصمت، وفضلت التقدم خطوة مقابل كل كلمة سوء، وتركت لمن أراد لها التقهقر والتراجع فرصة مخاطبة نفسه فقط كزوبعة وسط صحراء لم تجرؤ المرور بين بنايات الحضارة والعلم.

جامعة الأميرة نورة تود التقدم بعيدا عن تقليدية الجامعات السعودية، وتطمح إلى تأسيس استراتيجية تعلم مقبلة لا تجعل تعليم الفتاة مقتصرا على كليات إعداد المعلمات اللائن ضاقت بهن المدارس نتيجة تركيبة مجتمعية حكرت وجود المرأة في بوتقة رضيها لها صانعو هذا الفضاء من رجال ونساء متحالفين فكرا على جعلها تحت الأنظار لا تمر إلا من ثقوب هم صانعوها.

بالإضافة إلى تميزها التصميمي والتخطيطي الخارجي تمتاز الجامعة بإشعاع تنويري داخلي لطالبات غالبهن طموحات نحو التميز والإبداع

تأسست في أكتوبر من العام 2008 وحملت إسم “جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن”، ونورة هي شقيقة مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبد العزيز، وآثر العاهل السعودي على اختيار اسمها بدلا من اسمه، معلنا انطلاقة البناء لإنشاء المدينة الجامعية التي افتتحت في العام 2011. جامعة نورة، كما يحكيها السعوديون، مدينة على بساط أصفر، تحفة المعمار من الخارج، هي أول ما يشاهده زائر العاصمة الرياض بعد صالة مطارها، وآخر ما تودعه، وكأن عاصمة المملكة توجه رسالة القدوم لزوارها أنها تعبر عن المستقبل بالعلم الذي هو حقا ما يُعبر به، وتشدد على تلك العلامة في رسالة الوداع، ليكون الحديث للداخلين والخارجين أن السعودية تتغير.

وبالإضافة إلى تميزها التصميمي والتخطيطي الخارجي، تمتاز الجامعة بإشعاع تنويري داخلي، لطالبات غالبهن طموحات نحو التميز والإبداع، في منابع علم عديدة بأربعة عشرة كلية، متمسكات بالحلم وساعيات للهدف، برفقة طاقم أكاديمي يغلب عليه اللون السعودي.

ومن منظور مجتمعي ضيق، لا تمثل جامعة الأميرة نورة سوى أداة تغريب، يصفق لذلك القول الكثيرون والكثيرات، ويؤمنون بصدقية ممارسات سينمائية صنعها بعض المنتسبين إلى الخطاب الديني بفرعه الظلامي، مكلفين بعض العناصر للحديث عنها بمواقع التواصل الاجتماعي ومهاجمة الجامعة وتمثيلها بدار دعارة لا دار علم وصناعة المعرفة.

تمتاز الجامعة بإشعاع تنويري داخلي للطالبات غالبهن طموحات نحو التميز والإبداع في منابع علم عديدة بأربعة عشر كلية متمسكات بالحلم

لا يقف الأمر عند ذلك، بل لحب الجمود الذي يعشقه طيف المحافظين والمحافظات، يمارس بضعة أعضاء من طاقم هيئة التدريس بجامعة الأميرة نورة دورا ظلاميا آخر بتأجيج نيران الخروج على الجامعة وأنظمتها وإدارتها، للتخلص من مديرتها القوية الدكتورة هدى العميل، الصامتة نطقا والناطقة فعلا، والساعية إلى تغيير إطارات العمل التقليدي في التعليم الجامعي.

هدى العميل، الحائزة على درجة الماجستير في “القيادة التربوية” تقود بنجاح حتى اليوم جامعتها لتتجاوز عقبات عديدة في بحر من الاعتراضات، وقودها في ذلك طالبات يحببنها ويتقربن من أدائها وخطواتها للوصول إلى ميناء النور السعودي خاصة للإناث اللاتي يسجلن داخليا وخارجيا التقدير والطموح العالي والشهادات المتفوقة بين مثيلاتهن من دول إقليمية وعالمية.

ولم يقف الأمر على حدود ذلك، بل سعى عدد من المنجرفين خلف تيارات كلامية تسعى إلى النيل من نهج الجامعة المميز، إلى بث رسائل عديدة لأولياء أمور الطالبات بإخراج بناتهم منها بل وتعدى ذلك إلى الهجوم الشخصي والرمي بأسوأ الأقوال والأفعال على منسوبات وطالبات جامعة الأميرة نورة.

لكن جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن من الداخل تسير وفق خطط هادئة تملؤها التطلعات المشرقة لتعزيز ثقافة الحقوق النسائية، الأمر الذي شكّل لمتلحفي الخطاب الأوحد هزة قوية أيقظتهم من انفتاح معرفي تتبناه الجامعة في أقسامها.

تسعى الجامعة إلى تكثيف الصفوف النسائية العاملة داخلها وفي جميع مرافقها، حيث سجلت أولويات عديدة بعاصفة الهدوء الأنثوية، لتقود داخلها المرأة قطارا ينقل الطالبات بين صروح المعرفة تاركة صراعات قيادة السيارة بين الأفواه الرجالية منطلقة إلى عالمها الذي خُلقت لأجله. تحظى الجامعة ونشاطاتها بدعم سياسي كبير من قبل العاهل السعودي، الذي أمر بإنشائها، في خطوة لاحقة بعد إنشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، الجاذبة للعقول من الشرق والغرب. تظهر الجامعتان كعلاماتين للتغيير لجيل سعودي شاب، يتساوى فيه عدد الإناث مع الذكور، كقوة ضاربة في المستقبل المتغير رقما وعتادا وأحداثا.

17