جامعة الدول العربية هيكل بلا صلاحيات

يرى المندوب السابق للجامعة العربية في الأمم المتحدة، الباحث والمفكر اللبناني كلوفيس مقصود أن التحديات التي تواجهها المنطقة العربية تستلزم آليات عمل عربي مشترك. وانتقد مقصود، المسيحي اللبناني الذي حمل لواء العروبة أينما حلّ في مختلف دول العالم، في حوار مع “العرب”، من واشنطن، ضعف أداء جامعة الدول العربية تجاه الصراعات في المنطقة ما أفقدها المناعة التي تحمي دولها من التفكك والخصام والتشرذم.
الجمعة 2015/11/27
القضية الفلسطينية لن تحل مادام هناك تفكك وخلافات بين ممثليها

واشنطن- انتقد كلوفيس مقصود، الخبير الأممي والمندوب السابق للجامعة العربية لدى الأمم المتحدة، تراجع جامعة الدول العربية وفشلها في لعب دورها، الذي تأسّست من أجله؛ وبدا هذا الفشل واضحا على خلفية الصراعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وفي الكثير من الملفات التي لم تتم معالجتها ولم تتحمل الجامعة العربية مسؤوليتها فيها.

ويرجع مقصود، الملقب بشيخ العروبة لإيمانه الشديد بها ودفاعه المستميت عنها، هذا الفشل إلى ضعف هيكلة الجامعة العربية، معبّرا، في حواره مع “العرب”، عن أمله في أن تسترجع الجامعة قوتها وتماسكها، قائلا إنه “لا أمل الآن إلا في المواطنة العربية الواحدة”، وهي بدورها لن تتم إلا من خلال تجاوز القبلية والطائفية والخلافات الدينية بمفهوم متجدد حضاري.

ويضيف مقصود، “القومية ارتكبت أخطاء كثيرة ولم تدرس كفاية عناصر المناعة التي تعطى للمجتمع السياسي في أي بلد، لذا فقدنا الوحدة وأضحت المسألة تعددية المصائر بدلا من مصير واحد”. ويضيف في حديثه عن أسباب تراجع دور جامعة الدول العربية، أنه كانت هناك دوما نزاعات ثانوية بين الدول العربية، واستعادة الجامعة لدورها يكون من خلال إعطائها صلاحيات تنفيذية حقيقية وليس مجرد حبر على ورق.

تواجه تحديات كبيرة العالم العربي تحول دون تقدمه أو عودته، على الأقل، إلى الوضع الذي كان عليه قبل اندلاع ما يسمى بـثورات الربيع العربي، ولتجاوز هذه التحدّيات، يرى كلوفيس مقصود، الذي يعمل حاليا أستاذا للقانون الدولي في كلية واشنطن للحقوق، أن البداية تكون بالاستجابة لكل حقوق المواطنة دون النظر لمسألة الطائفية أو الانتماء الديني والحزبي والعرقي، فغياب حقوق المواطنة يجعل البلد عاجزا عن توظيف قدرته العلمية والثقافية في البناء والتقدم والعمران.

ويفسر قائلا “لو نظرنا جيدا لوجدنا أن عددا من الدول العربية كأنّها أوطان بلا مواطنين، فهي تبدو منقسمة إلى جماعات وطوائف، كل واحدة تفرض حقوق “مواطنيها” وفق انتمائها الديني والعرقي والقبلي أو حتى الحزبي، ويؤدّي هذا إلى غياب المواطنة الموحدة لكل أفراد الوطن، بغض النظر عن الخصوصية الدينية والطائفية والقبلية. وهذا الغياب يساعد على تنمية النزاعات والمشاكل التي تتغذّى من انقسام الوطن وتشرذمه، ويستشهد المفكر اللبناني، الذي شارك على مدار سنوات في إعداد تقارير التنمية العربية، بنموذجي العراق ولبنان.

كلوفيس مقصود: تاريخ ومؤلفات
محام وصحفي ومفكر ودبلوماسي لبناني

ممثل لجامعة الدول العربية في الهند بين عامي 1961 و1966

عين سنة 1979 مندوبا لجامعة الدول العربية في الولايات المتحدة وفي الأمم المتحدة

قدم في عام 1990 استقالته من جامعة الدول العربية بعد الغزو العراقي للكويت

كتب العديد من المقالات وساهم في إعداد تقارير التنمية العربية

صدرت له عدة كتب منها:

* معنى عدم الانحياز

* أزمة اليسار العربي

* أفكار حول الشؤون الأفروآسيوية

* صورة العرب

ويحذّر من استمرار الخلافات العربية العربية، خصوصا في ظلّ الوضع الراهن، حيث من شأن هذه الخلافات أن تضعف الدولة العربية وتفككها وهو ما ينعكس سلبا على مفهوم المواطنة، فاستمرار الخلافات يؤدي إلى زيادة التقوقع الطائفي والعرقي والقومي، لذلك وجب استباق هذا التهديد بالتأكيد على الوحدة الوطنية التي تستمدّ قوّتها من التنوع.

مفهوم الهوية العربية

بالرغم من هجرته وبعده عن أرض الوطن الأم لبنان والوطن العربي ككل لسنوات طويلة، إلا أن الغربة لم تنس كلوفيس مقصود عروبته التي يستميت في الدفاع عنها، في مختلف المحافل الدولية والاجتماعات الأممية، وتجلى هذا الحس العروبي واضحا في حديثه مع “العرب”، حيث ما فتئ يشدّد على أهمية الوحدة العربية، في تقييمه لوضع المنطقة في ظل الأوضاع الحالية المعقّدة.

وهو يرى أن ما يحدث الآن يظهر مدى التفكّك وعدم التنسيق وغياب الإدراك بضرورة وحدة المصير العربي المشترك. فالأوضاع في ليبيا متدهورة والطائفية تشتعل بين التيار السني والشيعي والحرب على أشدها في اليمن والصراع يدمر العراق وسوريا، بالإضافة إلى الحرب التي تخوضها مصر ضد الإرهاب في سيناء، وهذه كلها عوامل ساهمت في إحباط المواطن العربي وجعلت الأمور مختلطة ومعقدة وغير واضحة المعالم، ما يؤدي إلى انزواء مفهوم الهوية العربية الذي بدوره أصبح يحتاج إلى مراجعة.

وعبّر مقصود عن أسفه لصعوبة تشكيل قوة عربية مشتركة لمواجهة التهديدات الإرهابية والمخاطر المحدقة بالأمن القومي العربي، والتي دعا إليها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، موضّحا أن مصر والدول العربية لا تستطيع عمل جيش موحد لمواجهة الأخطار المحدقة لأنها كبّلت بمعاهدة السلام كامب ديفيد، التي تم توقيعها في عام 1979 والتي من شأنها أن تلغي فعالية تصحيح الأوضاع تجاه الأعداء والإرهابيين أو اسرائيل، وهو ما يظهر في الاستمرار في بناء المستوطنات في الضفة وتقليص القدس والاعتداء على الشعب الفلسطيني. لذا كان الواجب إلغاء معاهدة السلام، في وقتها، حتى يتسنى للعرب القدرة على التوحّد لمواجهة الأخطار المحدقة بهم”.

فلسطين هي البوصلة والقضية المركزية التي يجب أن يلتف حولها كل العرب بالرغم من خلافاتهم، هذا ما يؤكّده كلوفيس مقصود في قراءته للوضع الراهن في الأراضي المحتلة، مؤكدا أن الوضع الفلسطيني مليء بالأخطاء، فهناك سلطة فلسطينية وهناك حماس وهناك أيضا محاولة حكومة فلسطينية، ما يعني أنه حتى الآن لا توجد مرجعية موحدة للشعب الفلسطيني. في المقابل توجد اجتهادات فئوية مناضلة تستحق التكريم، وفي ظل هذا التفكك لن يحدث أيّ تقدّم في القضية الفلسطينية.

ويدعو الخبير الأممي الفلسطينيين إلى أن يحسنوا استغلال صفة “دولة مراقب في الأمم المتحدة” وأن تتصرف السلطات بمسؤولية وتتعامل مع الموقف تعامل دولة أولوياتها وقف الاستيطان والتمدد والسعي للحصول على القدس الشرقية كعاصمة لدولة فلسطين، وذلك لن يحدث إلا في ظل وجود حكومة واحدة مؤلفة من جميع العناصر المقاتلة والمقاومة.

محاولات حثيثة وجهود كثيرة بذلت لرأب الصدع بين السلطة الفلسطينية وحماس كلها كان نصيبها الفشل وذهبت أدراج الرياح، فكل منهما يرى أن الطرف الآخر غير جاد في مسألة الصلح، وإصلاح هذا الأمر وتوحيد الطرفين يقع على عاتق المجلس الوطني الذي يجب أن يلتئم أولا إما في رام الله أو القدس أو حتى في بيروت، وعلى الجميع أن يدركوا أن مصير فلسطين معلق بوحدة الصف. والانقسام كاد أن يؤدي إلى نزيف في المصداقية الفلسطينية.

تركيا وروسيا وأميركا

الجامعة العربية فشلت في لعب دورها الذي تأسّست من أجله

لا يمكن الحديث عن أزمات المنطقة دون التطرق إلى الدورين التركي والروسي، وفي ما يتعلّق بتركيا ودورها في معادلة الحكم في الشرق الأوسط، يرى الدبلوماسي العربي أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي استمات من أجل فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، يتّجه نحو الاستئثار بالحكم، وهذا ستكون له تداعياته على الوضع في الشرق الأوسط، وخصوصا الملف السوري الذي سيشكله مستقبل السياسة الخارجية التركية وطبيعة دورها كقوة إقليمية مؤثرة.

وفي الملف السوري يرى مقصود أن التشعبات التي حدثت وتعقد الأمور وتشابكها والمغامرة التي قامت بها روسيا من خلال ضرب داعش وضرب السوريين أيضا بالطائرات وتشرذم المعارضة السورية، غيّرت المعادلة في سوريا. وفي اعتقاده أن ذلك سيؤثر على سوريا وسيولد فرصا جديدة لتحالفات الدول العربية في ما بينها، لكن ليس في المستقبل القريب.

وفي قراءته للموقف الروسي يقول كلوفيس مقصود إنه لا يمكن اعتبار أن الموقف الروسي في سوريا تدخلا وإنما هو تداخل نفوذ ومصالح، فالتدخّل هو مؤشر على فرض السيطرة، والتداخل هو نوع من ممارسة النفوذ والتعاون المشترك.

والتدخل الروسي تحت حجة محاربة تنظيم داعش هو في الأصل رسالة أرادت موسكو إيصالها للعالم والولايات المتحدة بأنها لازالت دولة قوية وهي لا تتخلى عن حلفائها وتدعمهم حتى وإن اضطرت للتدخل عسكريا كما أنها تريد توجيه رسالة إلى شعبها بأنها مازالت دولة عالمية قوية.

في المقابل يرى أن الولايات المتحدة ليست بحاجة لإثبات أنها قوة عظمى. ويكفي مجرد وجودها أو تدخلها للتأكيد على جدية الوضع العام،. وفي بدايات الثورة السورية ترددت الولايات المتحدة في التدخل بشكل مباشر فيما أعلنت رفضها للنظام السوري ووقوفها ضده ودعمها للمعارضة. ويرى أن من أسباب رفض واشنطن التدخل المباشر في سوريا رفض الشعب الأميركي في الداخل لهذا الأمر بعد تجربتي العراق وأفغانستان.

ويختم كلوفيس مقصود حواره مع “العرب” مؤكّدا أن الوقت لا يزال مبكرا للحديث عن شرق أوسط جديد، فمازال المخاض العربي ثائرا وهناك أحداث ساخنة وتوجهات جديدة كل يوم ما يجعل الصورة غير واضحة المعالم.

12