جامعة القاهرة.. بؤرة حداثة وسط فضاء متشدد

يرى السلفيون المصريون في سعي مؤسسات الدولة لإلغاء “خانة الديانة” من بطاقات الهوية للمواطنين، خضوعا لمخططات وتدميرا لهوية مصر الإسلامية، بينما يرى المؤيدون أن حذفها بداية إقامة دولة المواطنة الصحيحة، الخالية من التمييز أو الإقصاء على أساس الدين، ويشير فريق ثالث إلى أن الإلغاء قد تترتب عليه نتائج قانونية مربكة، في الزواج والطلاق والمواريث وإثبات جريمة الزنا وغيرها.
الأربعاء 2016/10/19
التغيير يبدأ من هنا

القاهرة- دخل التحرك نحو حذف خانة الديانة من التعاملات الرسمية في مصر، مرحلة متقدمة. وجاءت الخطوة التي اتخذتها جامعة القاهرة، قبل أيام، بحذف خانة الديانة من جميع التعاملات الرسمية، لتزيح الستار عن جدية التحرك الرسمي، نحو توسيع نطاق تطبيق هذا الإجراء.

وتسبب تعامل أستاذ جامعي، بأحد معاهد الدراسات العليا بجامعة القاهرة، بنوع من التمييز مع أحد المتقدمين لمناقشة رسالة الماجستير لأنه مسيحي الديانة، في أن يتخذ جابر جاد نصار رئيس الجامعة، قرارا بإلغاء خانة الديانة من التعاملات الرسمية للجامعة، في خطوة تسببت في ما يمكن اعتباره معركة مع التيار السلفي في مصر. واتهم ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، جابر جاد نصار بأنه “ينفذ أجندة خارجية لعلمنة مصر”.

من النقاب إلى خانة الديانة

في تحرك حمل تأييدا لخطوة جامعة القاهرة ضد الهجوم السلفي عليها، قررت نقابة المهندسين أيضا، حذف خانة الديانة من تعاملاتها، وحظيت نفس الخطوة بتأييد من نقابة المحامين. ورأى مراقبون أن قرار جامعة القاهرة ونقابتي المهندسين والمحامين، يمهد الطريق أمام مجلس النواب لمناقشة مشروع القانون، المقدم من ائتلاف دعم مصر البرلماني، بحذف خانة الديانة من بطاقات إثبات الهوية، خاصة أن عددا كبيرا من نواب المجلس يؤيدون الخطوة، لكنه يحتاج إلى شجاعة المبادرة من جانب مؤسسة كبيرة مثل جامعة القاهرة.

جامعة القاهرة ونقابة المهندسين تحذفان الديانة من التعاملات الرسمية وتفسحان الطريق أمام البرلمان لتشريع القرار

وسبق أن دخلت جامعة القاهرة، بالتحديد، في مواجهة مع التيار السلفي، لا سيما بعد قرارها بمنع ارتداء المعلمات والطبيبات والممرضات للنقاب داخل المؤسسات التابعة لها. وقال جابر جاد نصار، رئيس جامعة القاهرة، إنه قرار لا يهدف سوى إلى منع كل أشكال التمييز ضد أي ديانة. وأضاف لـ”العرب”، أن الجماعة السلفية، لم يعد لها تأييد شعبي، وتستغل هذه الأحداث للعودة إلى الشارع مجددا.

وقال عمرو موسى، رئيس المؤسسة المصرية لحماية الدستور، في تصريحات صحافية، إن قرار جامعة القاهرة، ومن بعدها نقابة المهندسين، بحذف خانة الديانة من أوراق الطلاب، “مؤشر جيد على تطبيق مبادئ احترام الدستور، الذي نصّ على عدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين”. وجرى طرح مقترح حذف خانة الديانة من بطاقات الهوية قبل سنوات، ما تسبب في حالة من الانقسام الشديد، خاصة بين الرموز الإسلامية والقبطية في المجتمع، حيث كان من المفترض أن تنص مسودة الدستور، التي أعدت في العام 2013، على مادة تحذف خانة الديانة من البطاقة، لكن أعضاء اللجنة من الإسلاميين، خاصة حزب النور السلفي، وقفوا لها بالمرصاد.

ورأى البعض من المراقبين، أنه لا يمكن أن يكون التوسع في تطبيق الفكرة داخل مصر منفصلا عن التوتر الطائفي الذي يقع بين الحين والآخر، إذ أن أحد التجليات الظاهرة لهذا التوتر، تمثل في الشعور المتنامي لدى الغالبية المسلمة، بصرف النظر عن صحة هذا الشعور، بأن كل خطوة تُتخذ لتقليل التمييز ضد المصريين من غير المسلمين، تعد خصما من حقوق المسلمين.

وقال كمال زاخر، المفكر القبطي، إن إلغاء خانة الديانة من تعاملات جامعة القاهرة خطوة شجاعة، لكنها في الوقت نفسه، “ليست سوى مقدمة”، ولا يمكن اعتبارها مطلبا مستقلا لمقاومة فكرة الفرز والتفرقة على أساس ديني، في العلاقات والتعاملات الرسمية، لأن إلغاءها وحدها لن يؤت ثماره، بقدر ما يحتاج الأمر إلى التوسع في فهم المواطنة بتوصيفاتها الشاملة. وأوضح زاخر لـ”العرب” أن مصر بحاجة إلى ثورة ثقافية وليس لثورة شعارات، مؤكدا أن القضية برمتها تحتاج إلى إرادة سياسية من كل الأطراف ذات الصلة، بحيث تكون هناك تحركات جادة في اختيار الدولة المدنية، بعيدا عن المفهوم المفخخ لما يسميه البعض “الخصوصية المصرية”.

جابر جاد نصار: السلفيون يهاجمون حذف خانة الديانة لإيهام الناس بأنهم أحرص الناس على الدين

تعقيدات تعيق القرار

في خضم هذا الشد والجذب، تطفو على السطح عدة معوقات أمام تنفيذ فكرة حذف خانة الديانة في العموم كقرار سياسي، أو كتشريع قانوني، حيث أشار المعارضون للإلغاء إلى أنه حتى لو كان هذا الإلغاء مجرد خطوة رمزية، إلا أنها سوف تترتب عليها تأثيرات مجتمعية، على الميراث والزواج وتنظيم الشعائر، لكلا الطرفين المسلم والمسيحي. كما أن إلغاء خانة الديانة، سوف تترتب عليه أوضاع قانونية عدة، مثل الشهادة في المحاكم، حيث لا تقبل المحاكم شهادة غير المسلم في المسائل الشرعية والأحوال الشخصية الخاصة بالمسلمين، مثل إثبات جريمة الزنا أو الطلاق.

وفي المقابل، يرى الطرف المؤيد، أن تعميم الفكرة سوف يكون حائط صد أمام مواجهة الفكر المتشدد، وجعل المواطنين سواسية دون التعصب لانتمائهم الديني، ما من شأنه تجفيف منابع التشدد والتطرف الديني، والفرز على أساس طائفي. وذهب ناجح إبراهيم، القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، إلى أن خانة الديانة ليست تمييزا، بقدر ما هي “تعريف” بالشخص، لأن التطرف موجود في العقول، وليس في بطاقات الهوية.

وأشار في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن التمييز لا يقف عند حد خانة الديانة، والأمر يتسع لأكبر من ذلك، في حال غابت ثقافة احتواء الآخر، واحترام حرية الرأي، وتركيز الإعلام والثقافة والتعليم، على الموروثات الحضارية، والابتعاد عن ميراث النبذ لكل من يختلفون عن الآخرين في أي شيء. ولا شك أن حذف خانة الديانة من بطاقة الرقم القومي مقترح إيجابي جدير بالتأييد، وفق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والتي ترى أن حذف خانة الديانة يعد خطوة رمزية تبعث برسالة هامة للمواطن مفادها حياد الدولة تجاه معتقده الديني في تعاملاته اليومية معها والتي لا تتطلب الكشف عن معتقده الديني.

كاتب من مصر

6