جامعة الموصل ترزح تحت رحمة داعش، لكن إلى متى

الثلاثاء 2014/12/09
تنظيم \"داعش\" فرض على الطالبات ارتداء النقاب بعد أن فصل الإناث عن الذكور

لندن- رغم مرور ستة أشهر على إغلاق واحدة من أكبر الجامعات في الشرق الأوسط، لا يبدو أن جامعة الموصل في طريقها إلى إعادة فتح أبوابها مرة أخرى أمام الطلاب قريبا، حيث يشير موقع الجامعة وصفحتها على شبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك” إلى أنّ الدروس مازالت لم تستأنف بعد.

مع غياب الأمل في إجراء أي امتحانات، بالإضافة إلى إلغاء بعض الأقسام وفرار الأساتذة، يطرح إغلاق الجامعة علامات استفهام كبيرة بشأن مستقبل التعليم الجامعي في ظل الفوضى الأمنية والسياسية المهيمنة على العراق.

وجامعة الموصل، التي كانت تضم 4 آلاف و200 من أعضاء هيئة التدريس، إلى جانب أكثر من 30 ألف طالب، هي ثاني أكبر جامعة في العراق بعد جامعة بغداد.

وقد تأسست اللّبنة الأولى للجامعة في عام 1959 عندما بدأت أول كلية في تدريس الطب بالمدينة، لكن قرارا رسميا بإنشاء جامعة الموصل لم يتخذ قبل الأول من أبريل عام 1967، وهو ما اعتبر رسميا مولد الجامعة وبداية الطريق نحو توسّعها.

وبعد نجاح تنظيم “داعش” في السيطرة على الموصل، لجأ معظم الطلاب الجامعيين في المدينة إلى الفرار إلى إقليم كردستان، حيث يقول جنيور باتل، الباحث في مركز “كراون” لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة برانديز الأميركية في بوسطن: “الحياة التعليمية برمتها توقفت في الموصل، ونحن بانتظار استئنافها مرة أخرى”.

وقبل السيطرة على الموصل، كان العراق في منتصف الطريق نحو إعادة بناء منظومته التعليمية التي تفككت بفعل الغزو الأميركي عام 2003.

وفي هذا السياق، تقول سارة ويلكوكس، مديرة الصندوق الدولي لدعم أساتذة الجامعات: “بدأ الأساتذة العراقيون، الذين فروا من البلاد خوفا من الصراعات التي عقبت الغزو، يعودون مرة أخرى، وشرعت الحكومة في تنفيذ برنامج طموح لزيادة الإنفاق على المؤسسات التعليمية”. وتضيف “الآن أضحت فصول الدراسة مغلقة، ولا يستطيع الطلاب دخول الامتحانات، وبالتالي لن يتمكنوا من الانتقال من مرحلة تعليمية إلى أخرى”.

تعرض الأساتذة إلى قمع مادي ومعنوي، وعمد "داعش" إلى طرد الأساتذة الشيعة والنساء من الجامعة

من جهة أخرى، تعرّض الأساتذة أيضا إلى قمع مادي ومعنوي، ولجأ “داعش” إلى طرد الأساتذة الشيعة أو النساء من الجامعة، وخاصة الذين لهم صلة ما بالـولايات المتـحدة الأميركية.

ويقول باتل إن “الخطوة الأولى التي قام بها داعش في الجامعة هي تجميع ملفات الأساتذة لمعرفة من منهم درس في الولايات المتحدة من قبل حتّى يتم التخلص منه”، ويوضّح أن “الكثير منهم (الأساتذة) هرب من الموصل خشية أن يجدوا أسماءهم في النهاية على قوائم الاغتيال”.

وقد دفع ذلك معظم الطلاب والمدرسين إلى اللجوء إلى إقليم كردستان، وتقول لوري ماسون، مديرة برنامج “ايريكس” لربط الجامعات في العراق، “الأمر في كردستان مختلف تماما”.

لكن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الإقليم لم تقف مكتوفة الأيدي، وعملت على مساعدة الطلاب النازحين، ونظمت محاضرات ليلية لكثير منهم في جامعة دهوك.

لكن جامعات كردستان لا تمتلك على ما يبدو الموارد الكافية لاستيعاب جميع الطلاب. وتقول ماسون إن أكثر من 15 ألف طالب تقدموا بطلبات للدراسة في كردستان، ولم يتم قبول سوى 3 آلاف منهم فقط، وتؤكّد أن “الافتراض السائر في كردستان هو أن الأمور ستعود إلى نصابها في العام المقبل”.

يذكر أنّ تنظيم “داعش”، الذي يطلق على نفسه اسم “الدولة الإسلامية”، كان قد سيطر على مدينة الموصل في شهر يونيو الماضي بعد انهيار عناصر الجيش العراقي الذين كانوا مكلّفين بتأمين المدينة.

قرر قادة التنظيم إلغاء كافة المحاضرات عن الديمقراطية والثقافات غير الإسلامية وحقوق الإنسان

ومنذ ذلك الحين، تتعرّض الطالبات، اللواتي قررن البقاء في الجامعة إلى حين انتهاء الامتحانات التي كان مقررا إجراؤها في شهر نوفمبر الماضي، للتّمييز من قبل عناصر “داعش” المسؤولين عن الجامعة، حيثُ أُجبرن على تغطية وجوههنّ. كما تعرّض كثير منهن للعقاب لاختلاطهن بالرجال أو حديثهنّ معهم.

وتعيد أزمة جامعة الموصل تجارب سابقة تعرضت لها المؤسسات التعليمية والبحثية في عدة دول بمنطقة الشرق الأوسط. فبعد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979، تعرّضت الجماعات الإيرانية إلى الإغلاق في ثمانينات القرن المنصرم على يد النظام الجديد، فيما عرف وقتها بـ”الثورة الثقافية”. كما لجأت السلطات الإيرانية أيضا إلى إغلاق الجامعات في أوقات متفرقة خشية اندلاع أعمال عنف اعتراضا على “أسلمة” التعليم بشكل عام والقيود الصارمة التي فرضها الإمام الخميني على الطالبات.

وتكررت تجربة الإغلاق في العراق لاحقا، لكن هذه المرة كانت بسبب مقتل أكثر من 500 أستاذ جامعي في أعقاب الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، حسب الائتلاف العالمي لحماية التعليم.

ولا تختلف تجربة “داعش” في الموصل عن تجربة الخميني في إيران. وإذا ما تمكن التنظيم من الحفاظ على سيطرته على المدينة، فمن المحتمل أن يواجه طلاب جامعة الموصل تغييرات واسعة في المناهج الدراسية.

وفي أكتوبر الماضي، أقدم التنظيم المتشدد على إغلاق أقسام دراسية بعينها كانت على رأسها أقسام الآثار والحقوق والعلوم السياسية. كما قرر قادة التنظيم إلغاء كافة المحاضرات عن الديمقراطية والثقافات غير الإسلامية وحقوق الإنسان والدراما والجغرافيا والعلوم المدنية.

ويقول طلاب محليون إنّ “داعش” قرّر إيقاف تدريس جميع الأحداث التاريخية التي لا تتفق مع أجندته، وأضافوا أنه لا أمل في حدوث أي موجات احتجاج من قبل سكان المدينة اعتراضا على هذه التغييرات الشاملة في مناهج الدراسة خشية الانتقام الوحشي.

17