جامعيون يديرون عربات الوجبات السريعة في القاهرة

انتشرت في مصر ظاهرة جديدة لمهرجانات تجمع عربات تبيع وجبات وأطعمة في الشارع يديرها شباب متعلم في القاهرة. ونالت الظاهرة إقبالا لافتا بين المصريين. ويرجع البعض انتشار العربات إلى رغبة الشباب في إيجاد عمل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وتراجع النشاط السياحي.
الثلاثاء 2017/08/29
فضاء للاستراحة (تصوير: محمد حسنين)

القاهرة – تزيّنت أحياء مصرية راقية مؤخرا بتجمعات لعربات تبيع أطعمة جاهزة أو مأكولات الشارع على الطراز الغربي.

وتحوّلت العربات، التي يديرها شباب جامعي، لظاهرة منذ أن بدأ البعض من الشباب في إنشاء عربات لبيع الفول وفلافل في أطباق فاخرة خلال شهر رمضان بعد أن فشلوا في نيل وظيفة أو فقدوا وظائفهم نتيجة لتراجع النشاط السياحي. ونالت إقبالا وترحيبا كبيرين حتى تطور الأمر إلى عربات شبه دائمة تملأ أحياء القاهرة وتبيع شتى المأكولات.

ولكن أثار ظهور تلك العربات حفيظة البعض بعد انتشارها عشوائيا واضعا العربات في صراع مع قوات الشرطة البلدية، وهو ما فتح الطريق أمام فكرة تجمعات للعربات التي انتشرت في الأحياء الكبيرة بالقاهرة لتكون في مكان واحد وتجذب المصريين المهتمين.

وبدت تلك التجمعات تشبه المهرجانات تشمل البعض من العروض البسيطة والموسيقى، فيكتظ “شارع مصر” بالباحثين على الوجبات السريعة في حي مصر الجديدة الراقي.

وجاءت فكرة إنشاء هذا التجمع عندما انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لرجال الشرطة البلدية وهم يزيلون عربة لطهي وبيع البرغر مملوكة لفتاتين فجّر غضبا عارما، فتدخل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وأصدر توجيهاته بإنشاء هذا التجمع.

وتشبه عربات الوجبات المنزل الصغير، وتتوافر بها جميع الخدمات والمرافق، إذ هناك المياه والكهرباء والمراوح الهوائية التي تهوّن على الزبائن ارتفاع حرارة الجو، فضلا عن مكان للطهي وإعداد الطعام، ومقاعد متجاورة للزبائن، حيث تخصص لكل عربة مجموعة من الطاولات.

وإذا قادتك الصدفة للتحدث إلى الشباب أصحاب العربات فقد تجد أحدهم خريجا من كلية الهندسة، وآخر حاملا لبكالوريوس الإعلام، أو تجارة، بل إن منهم من ترك وظيفته الحكومية التي التحق بها عقب تخرجه من الجامعة ولجأ إلى عربة الطعام لتكون هي البديل المناسب.

ولا يكترث هؤلاء الشباب كثيرا لنظرة المجتمع إليهم، سواء كانت إيجابية أو سلبية، فالمهم أن يحصدوا في نهاية كل يوم ثمار وقوفهم لساعات على العربة لطهي الطعام للإنفاق على أسرهم وأنفسهم.

والأمر اللافت في تلك الظاهرة، حسبما رصدت “العرب” عن قرب، أن بعضا من الشباب أصحاب عربات الوجبات السريعة في شارع مصر، ينتمون إلى أسر ميسورة الحال، ومنهم من يمتلك سيارته الخاصة التي يصل سعرها لعشرات الآلاف من الجنيهات، ولكنهم أكدوا أنهم “لا يريدون الاعتماد على أسرهم، ورأوا أن العمل في أي مجال ليس عيبا ما دام يدرّ عليهم ربحًا مناسبا”.

الفتيات صاحبات المبادرة (تصوير: محمد حسنين)

وتزداد أعداد عربات الأطعمة بشكل سريع وملفت بعد أن فاق الإقبال كل التوقعات وأصبحت تنافس المطاعم الكبرى في القاهرة.

ويفسر البعض السبب في ذلك طبيعة المكان الهادئ، وحاجة الناس إلى تغيير نوعية المطاعم، فضلا عن رغبتهم في دعم هؤلاء الشباب، والأهم من ذلك هذا التنوع اللافت في نوعية الأطعمة والساندويتشات التي يبدع أصحاب العربات في تصنيعها بأكثر من شكل على الطريقة الأوروبية.

وتقول ياسمين رحيم صاحبة عربة البرغر، التي أنصفها السيسي وانتقد بسببها رجال الشرطة لإزالتهم عربتها قبل أشهر، “البعض يتعامل معنا على أننا أميون لم نتعلّم، وهذه أزمة، إذ لا يعرف الكثيرون أننا من أصحاب المؤهلات العليا، ولدينا طموح في صنع أنفسنا بأنفسنا حتى وإن كان ذلك من خلال الوقوف على عربة طعام”. وأشار خالد سمير، وهو يمتلك عربة لبيع القهوة بالشارع إلى”أن العمل ليس عيبا، وبإمكان أي شاب أن يربح إذا ما كانت لديه نية العمل، ونحن – متحدثًا عن أصحاب العربات – نكسب الكثير يوميا، والأهم من ذلك هو التعاطف المجتمعي معنا، فالكثير يأتي لدعم تجاربنا لأنه رأى فئة من الشباب تتحدى كل الظروف كي تثبت نفسها”.

وبلغت مساحة تجمع “شارع مصر” نحو ألف متر مربع، حيث يجد الجمهور معاملة استثنائية من أصحاب العربات، من حيث عبارات الترحيب الشديد، وتكوين صداقات منذ أول زيارة، فضلا عن تبادل الصورة التذكارية، ولا مانع من أن يطهو الشخص لنفسه وجبته إذا ما كانت لديه الرغبة في ذلك.

ولأن المكان يقع في منطقة راقية، فإن الزبائن يحتاجون إلى معاملة خاصة، وأصحاب العربات لديهم القدرة على تلبية ذلك، فتراهم يتحدثون بأكثر من لغة أجنبية إذا ما شعروا بأن الأسرة التي تودّ تناول الطعام على عرباتهم من مستوى اجتماعي مرموق أو أجنبي لا يتحدث العربية. وتتميز تلك التجمعات بأنها ليست مقتصرة على تناول الأطعمة فقط، إنما يمكن بعد تناول الطعام احتساء القهوة بأنواعها الأوروبية والتركية في عربة مجاورة، أو أن يتناول الزبون مشروبات مثلجة من عربة ثالثة، كما سيجد وهو في طريقه لمغادرة المكان عربة للمشغولات اليدوية.

تجمعات أكل الشارع تخضع لحماية من أفراد أمن يحرسونها على مدار الساعة، فضلا عن كاميرات مراقبة، ومن شروط استئجار المكان أن يكون الشاب غير عامل بأيّ وظيفة أخرى بخلاف العربة، وأن لا يديرها أحد غيره، وأن لا تكون عليه شبهات جنائية، وأن يتجاوز الكشوف الطبية حتى لا يكون مصابا بأحد الأمراض المُعدية، وأن يقرّ بمعاملة الجمهور بشكل راقٍ.

ويحتوي تجمع “شارع مصر” أماكن ترفيهية للحفلات والعروض الفنية والثقافية، فضلا عن مسرح كبير لإقامة الحفلات لجذب المواطنين، بالإضافة إلى تنظيم ندوات لتوعية الشباب ضد مخاطر التدخين والإرهاب والإدمان.

وقال مسؤولون حكوميون، “إن الشارع باكورة لاحتواء الشباب المكافحين بشكل حضاري ومنظم بعيدا عن العشوائية وخرق القانون، وهناك عدة مشروعات مماثلة، حيث سيتم افتتاح ‘شارع مصر 2” على ممشى كورنيش النيل بالقاهرة، فضلا عن تكرار نفس التجربة بباقي الأحياء في العاصمة في إطار توجّه الحكومة نحو إعادة مظاهرها الحضارية”.

20