جامع الأمير "آق سنقر" أثر من السلاجقة في قاهرة المعز

الاثنين 2014/02/10
اعتنى السلاجقة بالمعمار والبناء وحافظوا على الطابع الإسلامي في العمارة

القاهرة - بعض البناءات المعمارية والمعابد والمساجد، تأخذ من القائم على بنائها شيئا من ذاته. فالسلطان وإن رجّح أمر البناء لأهل المعمار واحتكر أمر الرعية والسياسة، فإنه معنيّ أحيانا بما يشيّد في مملكته.

وهو ما حدث فعلا مع الأمير “آق سنقر الناصري”، الذي أشرف على بناء مسجده الذي حمل اسمه وعمل بناءا مع الناس في مدينة القاهرة، حتى أن غداءه ونومه التصقا بمواعيد أشغال البناء.

شرع الأمير سنقر في بناء مسجده في الـ16 من رمضان عام 748 للهجرة/1363 ميلادي، معتمدا على خبرته الذاتية في الإشراف على بناء القصور والمساجد السلطانية. ويقع المسجد قريبا من قلعة الجبل بين باب الوزير والتبانة، وقد بني فوق مقابر أهل القاهرة، حتى إذا بدأ الحفر لوضع الأسس وجد البناؤون هياكل للموتى المدفونين هناك.

وتقلد آق سنقر بعد ذلك عدة وظائف فكان من جملة “الأوشاقية” في أول أيام الناصر محمد بن قلاوون، وكانت مهمة “الأوشاقي” في عصر المماليك، تكمن في العناية بالخيل وركوبها للتسيير والرياضة، وأصبح آق سنقر فيما بعد “أمير أخور” وكان هذا الاسم يطلق على القائم على أعمال الدواب من خيل وبغال وإبل وغيرها في الإصطبلات السلطانية، ثم نقله الملك الناصر محمد بن قلاوون من تلك الوظيفة إلى أخرى أكثر رُقيّا “شاد العمائر السلطانية”، وبقي بهذه الوظيفة مدة طويلة فأثرى ثراء كبيرا وصل به إلى أن تزوج إحدى بنات السلطان ناصر.

ويشير محمد الششتاوي، أستاذ الآثار الإسلامية، إلى أن “شاد العمائر السلطانية”، هي إحدى الوظائف التي كان يشغلها عسكريون بحضرة السلطان المملوكي، حيث كان صاحب هذه الوظيفة قائما ومشرفا على العمائر التي يريد السلطان تجديدها وإنشائها من قصور ومنازل وأسوار ومساجد، وكان يعاون “شاد العمائر” موظف آخر يسمى “ناظر العمارة”، عند إنشاء الأماكن المهمة وكانت مهمته الإشراف على المهندسين والحجارين وغيرهم من عمال البناء.

وعن الوصف المعماري للمسجد يقول أبو محمد الفرغلي، أستاذ الآثار الإسلامية في جامعة القاهرة: “تقع الواجهة الرئيسية للجامع في الجهة الغربية بشارع باب الوزير، ويتوسط الواجهة المدخل الرئيسي الذي يدخل عن سمت جدران الواجهة بنحو مترين ويعلوه عقد محمول على أشرطة ويتوسط المدخل باب يعلوه عتب يحتوي على “صنجات معشقة” من رخام أخضر وأبيض وعلى يمين الباب يوجد صف من النوافذ حُليت أعتابها بصنجات معشقة من الرخام الأبيض والأخضر أيضا، ويحيط بها من أعلى “صنية” كبيرة مقعرة، أما على اليسار فيوجد صف آخر من النوافذ. ويوضح الفرغلي أن باب المدخل الرئيسي يؤدي إلى استطراق توجد على يساره قبة كانت قد أُنشئت قبل إنشاء الجامع، ليدفن فيها السلطان الملك علاء الدين كجك بن السلطان الناصر محمد بن قلاوون المتوفى في جمادي الأول سنة 746هـ، وهذه القبة مربعة الشكل فتحت فيها مجموعة من النوافذ ذات صنجات من الرخام الأبيض والأخضر تعلوها فتحات مستديرة يحيط بها إطار من الرخام.

ويضيف محمد مرسي، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، أن الجامع من الداخل يتكون من صحن مكشوف تحيط به الأروقة من جميع الجهات أكبرها رواق القبلة الشرقي الذي يحتوي على ثلاث بوائك مكونة من دعائم حجرية مثمنة الشكل باللون الأبيض والأحمر. ويعلو البوائك عقود مدببة تحيط بها صنجات باللونين الأبيض والأحمر، وهذه البوائك تقسم إيوان القبلة إلى ثلاثة أروقة تعلوها قباب ضحلة. أما الجوانب الثلاثة الأخرى فتحتوي كل منها على رواق واحد. أما إيوان القبلة فيحتوي على مجموعة كبيرة من القاشاتي الملون التي صنعت خصيصا لهذا الجامع، ولذا فإن أطرافها كاملة ونقوشها متماثلة فبعضها يمثل محرابا يعلوه قنديل كتب فيه “الله محمد” ويكتنفه عمود سرو وبداخله زهرية تفرعت منها فروع نباتية تحمل زهورا. كما يوجد بالرواق الشرقي منبر من الرخام الملون زخرفت جوانبه برسوم بارزة من عناقيد العنب والأزهار المورقة، وهو أقدم منبر رخامي باق في مصر حتى الآن.

نبذة عن تاريخ السلاجقة
◄ 1038ـ 1157م هي الفترة التي حكم فيها السلاجقة الرقعة الجغرافية التي

امتدت من أفغانستان إلى مصر.

◄ السلاجقة هم سلالة من عشيرة «قنق» المنتمية إلى قبائل «لغز» التركية.

◄ 1092م انقسمت المملكة السلجوقية إلى ممالك صغيرة نتيجة الصراع على

السلطة.

ويتصدر الإيوان الشرقي – كما يصف مرسي – محراب مكسي بأشرطة دقيقة من الرخام والصدف، تتخلّله محاريب صغيرة محمولة على عمد، وتعلو المحراب طاقية مكسيّة بفسيفساء رخامية وتتقدمه قبة كبيرة تقوم على مقرنص واحد في منطقة الانتقال، أما مئذنة الجامع فتوجد في الواجهة الغربية وهي مئذنة رشيقة مبنية من الحجر وتتكون من ثلاثة طوابق: الأول: إسطواني يقوم على نافذة مربعة تخلو من الزخارف وتفصل بينه وبين الطابق الثاني شرفة تقوم على مثلثات من الدلايات الجميلة المنسقة. أما الطابق الثاني: فيتكون من ستة عشر فصا مستطيلا يمتد بارتفاع الطابق، وتفصل بينه وبين الطابق الثالث شرفة مماثلة لشرفة الطابق الأول. وبالنسبة إلى الطابق الثالث، يتكون من ستة أعمدة تعلوها خوذة خشبية مغلفة بالرصاص، وذلك لتخفيف الضغط على الأعمدة. ويستكمل الفرغلي وصفه مشيرا إلى أن للجامع واجهة جنوبية يتوسطها باب كتب عليه النص التالي: “بسم الله الرحن الرحيم، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر” وأمر بإنشاء هذا الجامع العبد الفقير إلى الله آق سنقر الناصري تغمده الله برحمته، وكان ابتداء عمارته السادس عشر من رمضان المعظم سنة سبع وأربعين وسبعمئة وكانت الصلاة فيه يوم الجمعة في الثالث من ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وسبعمائة وتوفي إلى رحمة الله تعالى في التاسع عشر من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبعمائة”. ويجاور الباب الجنوبي مربع بسيط من البناء بداخله قبر بسيط به لوحة كتب عليها “هذا قبر المرحوم آق سنقر الناصري المعروف بجامع النور وكان ابتدائه في السادس من رمضان سنة 747هـ والفراغ سنة 748هـ”.

12