جامع الزيتونة يفتح أروقته للمصلين والزائرين

الاثنين 2015/02/23
تخرج من جامعة الزيتونة ثلة من كبار الفقهاء التونسيين والعرب منهم ابن خلدون

تونس- لا يمكن للمار عبر أزقة المدينة العتيقة في تونس العاصمة ألا تطأ قدماه جامع الزّيتونة، الصّرح والمعلم التّاريخي والإسلامي الكبير الذي يتصدر مدخل المدينة من جهة منطقة القصبة، حيث قصر الحكومة.

يعد جامع الزّيتونة بتونس العاصمة، الذي يعود تاريخه إلى سنة 79 هجري (699 ميلادي)، القلب النّابض لمنطقة شمال أفريقيا، وإحدى مناراتها وأيقوناتها التاريخية، وهو موضع صراع حاليا بين السلطات التونسية وشيخ الجامع حول “التعليم الزيتوني”.

فبمجرد الوقوف أمام إحدى بواباته الضّخمة تجدها فاتحة ذراعيها مرحبة بزُوارها من المصلين وغير المصلين، ليستقبلهم صحن الجامع مترامي الأطراف، ومن الجانب الأيسر تنتصب الصومعة (مئذنة) كقمة شامخة، لم تزح الأيّام عنها غبار التاريخ.

والصومعة هي أحد أهم العناصر المكونة للجامع، وترجع أصولها إلى عام 1892 لتعويض المئذنة القديمة، وتتميز بنقوش ورسومات إسلامية. وفي المقابل، تجد قبتي الجامع بزخرفتهما وجماليتهما العابقتين بالتاريخ الإسلامي والعربي القديم.

ولا يكتمل المشهد في جامع الزيتونة دون إلقاء نظرة على الحمائم، التي اختارت من هذا المكان مستقرّا لها، حيث تنزل من أسطحه من حين إلى آخر لتقتات ببعض الحبوب التي تلقى لها في صحن الجامع الشّاسع، في مشهد يبعث على الطّمأنينة والانشراح والسلام لدى مرتادي الزّيتونة.

هندسة جامع الزيتونة استمدت جماليتها من المعمار الإسلامي

وتبلغ مساحة الجامع حوالي 5000 متر مربع، منها 1344 مترا مربعا مساحة مغطاة، ويوجد به 184 عمودا بتيجان أثرية.

وحسب مؤرخين فإن المكان الذي بني فيه الجامع كانت تحاذيه شجرة زيتون كبيرة، ومنها جاءت هذه التسمية، إضافة إلى الرمزية الدينية، فقد ذكرت شجرة الزيتون في القرآن الكريم الذي وصفها بالمباركة، كما ورد ذكر الزيتون فيه سبع مرات.

لكنها ليست الرواية الوحيدة، إذ يقول الباحث المختص في الآثار الإسلامية، عبدالعزيز الدّولاتلي، إن “الجامع استمد تسميته من قدّيسة مسيحية اسمها الزيتونة كانت مدفونة في المكان، حتى إن أحد ملوك آرغون (مملكة قديمة) في أسبانيا طلب من أحد ملوك الدولة الحفصية فيما بعد استعادة رفاة هذه القديسة”.

ووفقا للباحث التونسي، فإن “أهم العناصر المعمارية لـ ‘الزيتونة’، والتي استمدت جماليتها من الهندسة الإسلامية للجامع، هي بيت الصلاة الشّاسع، والذي يتوسطه محراب يعود إلى القرن الـ 17 الميلادي، ليجد الزائر خلفه المحراب الأغلبي الأصلي (نسبة إلى دولة الأغالبة) بحجمه الكبير، وقد كان مزخرفا على نمط محراب جامع عقبة بن نافع بمدينة القيروان، والأمر نفسه بالنسبة إلى المنبر الذي وقعت عليه بعض التحويرات”.

وقد جاء جامع الزيتونة، حسب الدّولاتلي، “كصورة مصغرة لجامع عقبة بن نافع في مدينة القيروان (أقدم جوامع تونس) من ناحية التخطيط المعماري والزخارف الرخامية والحائطية المميزة له”.

ومن أهم المواد التي شيّد بها جامع الزيتونة هي “الحجارة، حيث كانت أكثر العناصر المستعملة سواء في تشييد التيجان أو الأقواس والأعمدة، فضلا عن الصحن الذي كان مغطى بألواح مرمريّة كبيرة مأخوذة من معابد رومانية تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وأيضا الأعمدة رومانية الأصل، في حين تعود التيجان إلى الحقبتين الأندلسية والحفصية، فيما بنيت الأقواس حدويّة الشكّل، أي مشابهة لحدوة الفرس.

جامع الزيتونة أمر ببنائه الخليفة المستعين بالله العباسي

ويشير الدّولاتلي إلى أن “جامع الزيتونة تأسس سنة 79 هجري على يد حسان بن النعمان، الذي فتح مدينة تونس، ولكن المعلم بشكله الحالي يعود بالتحديد إلى سنة 250 هجري، وهُناك كتابة بالخط الكوفي في قبة المحراب تدلنا على الخليفة الذي أمر ببناء الجامع، وهو الخليفة المستعين بالله العباسي”.

وهذا المعلم التّاريخي “من الطّراز الأغلبي ولكن دخلت عليه تغييرات عديدة، وعرف خلال 13 قرنا تحويرات ومحطات كثيرة، فكل دولة حكمت تونس أضفت عليه بصمتها، وهو ما يفسر كل الأنماط الهندسية والزخرفيّة على مدى قرابة ألف سنة”، حسب قول الدّولاتلي.

ويضيف قائلا إن “قبة البهو تعود إلى القرن الرابع الهجري، الموافق للقرن العاشر الميلادي، وبنيت وفق نمط جديد دخل إلى تونس في العهد الفاطمي، أما في عهد بني خراسان، أي الفترة من أواسط القرن 11 الميلادي إلى أواسط القرن 12 الميلادي، فأضيفت إليه بوابات كبيرة تفتح على الخارج، فضلا عن مقصورة الإمام”.

ويختم الدّولاتلي حديثه عن جامع الزيتونة بقوله إن “الدّولة الحفصية أدخلت إضافات مهمة أخرى مثل الرّواق الخارجي، الذي يطل على سوق الفكة الذي كان يطلق عليه حينها صحن الجنائز، وأعيد بناء هذا الرّواق سنة 1638 في العهد المرادي”.

وجامع الزيتونة، الذي يتسع لآلاف المصلين، هو أول جامعة إسلامية، ويدرس فيه حوالي سبعة آلاف طالب في 25 فرعا بمختلف محافظات تونس، بجانب الجامع الكبير، الذي يطلق عليه “الجامع المعمور”، فيما يتجاوز عدد الشيوخ الزيتونيين 600 شيخ.

وحاليا، يصارع “التعليم الزيتوني” من أجل البقاء، تحت وطأة الصراع بين السلطات التّونسية وإمام الجامع الشيخ حسين العبيدي الذي قرّرت الهيئة الوقتية للجامع عزله أواخر الشهر الماضي بعد توليه مسؤولية إدارة هذه المؤسسة لمدة 3 سنوات وارتكابه خلالها عديد التجاوزات القانونية والأخلاقية، حسب بيان الهيئة.

صرح تاريخي شاهد على 1300 سنة من المعمار والتعليم الإسلامي الزيتوني

وقال عضو الهيئة الوقتية لتسيير جامع الزيتونة عمر اليحياوي: سيتم تسيير الجامع من قبل 3 شيوخ إلى حين انتخاب هيئة علمية جديدة في غضون 15 يوما بسبب سوء تصرف الإمام العبيدي الذي تسبب في عداء العديد من العلماء والمؤسسات لهذه المؤسسة الدينية.

ويدرس التعليم الزيتوني أصول الدّين والفقه الإسلامي وعلوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلوم الطبيعية، فضلا عن الآداب العربية.

وتخرج من جامعة الزيتونة عدد من كبار الفقهاء التونسيين والعرب، منهم المؤرخ ابن خلدون، وابن عرفة، إمام تونس، ومحمد الطاهر بن عاشور، صاحب تفسير التحرير والتنوير، ومحمد الخضر حسين، شيخ الجامع الأزهر.

كما تخرج منه مصلحون وأدباء، منهم المصلح الزعيم عبدالعزيز الثعالبي، وشاعر تونس أبو القاسم الشابي، صاحب ديوان “أغاني الحياة”، ومن حلقاته العلمية برز المصلح الجزائري ابن باديس، والرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، وغيرهم كثير من النخب التونسية والمغاربية والعربية.

20