جامع جامع.. محور تقاطع مخابرات الأسد والمالكي وحزب العمال الكردستاني

السبت 2013/10/19
دير الزور تتخلص من جامع جامع..

لنظام الأسد انتحاريون من طبيعة خاصة، قام بتوريطهم عبر سنوات خدمتهم الطويلة معه، في العديد من الملفات الخطرة، ولم يعد لديهم ما يستقبلون به أيامهم سوى بالالتصاق الشديد بالنظام الذي يحميهم ويسمح لهم بالمزيد من الغرق في الجرائم، من هؤلاء اللواء جامع جامع، الذي لقي مصرعه في عملية معقدة قام بها الجيش السوري الحر، وبعض كتائب جبهة النصرة في المنطقة الشرقية السورية، وفي مدينة دير الزور، حيث تعمّد النظام وضع أشرس أولئك الانتحاريين فيها ليكون على تماس مع خط جبهة من نوع آخر.

وتعدّ المنطقة الشرقية السورية، الخزان الاستراتيجي الحيوي والزراعي والنفطي والمائي لسوريا، وقد صّنفتها الإيكونوميست في مرات كثيرة ضمن أحد احتياطيات العالم الزراعية والمائية ولا تقل أهمية عن جنوب السودان، ومن الناحية الأمنية، كان نظام حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار الأسد قد كرّس إهمالاً إدارياً وتنموياً كبيراً لتلك المنطقة، مما دفع بأكثر من سبعمئة ألف سوري من سكان منطقة دير الزور إلى مغادرتها واللجوء إلى ريف دمشق وحلب خلال السنتين اللتين سبقتا انطلاق الثورة السورية في العام 2011، مما شكّل كارثة إنسانية كبرى عانت منها أكثر من منطقة سورية.


أحد المشتبه بهم في اغتيال الحريري


وجامع جامع الذي عاد إلى دمشق مع انسحاب الجيش السوري والمخابرات السورية من لبنان بعد القرار الأممي الذي طرد قوات الأسد منها، عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وكان المقدّم الركن جامع مسؤولاً عن مركز البوريفاج الأمني السوري في قلب العاصمة بيروت، تحت إمرة اللواء غازي كنعان ومساعده رستم غزالي الذي عرفته بيروت طويلاً باسم «أبو عبدو».

وقد اعترف تلفزيون النظام في خبر عاجل بأن «اللواء الركن جامع جامع استشهد في أثناء تأديته لمهامه الوطنية بالدفاع عن سوريا وشعبها وملاحقته للإرهابيين بدير الزور» وقد ولد جامع جامع البالغ من العمر ثمانية وخمسين عاماً والمتحدر من الطائفة العلوية، طائفة رئيس النظام بشار الأسد، في قرية «زاما» في قضاء جبلة، وسط جبال الساحل السوري وخدم في عدّة مواقع عسكرية في المخابرات السورية، فتولى قيادة فرع المخابرات السورية في بيروت حتى العام 2005.

وقبل ذلك تم تعيينه «ضابط أمن» مطار بيروت، قبل أن تتم إعادته إلى سوريا، بعد ورود اسمه في تقرير ديتليف ميليس رئيس لجنة المحققين الدولية التي تابعت قضية اغتيال الحريري، وتم التحقيق معه مراراً في أماكن مختلفة في القضية ذاتها، وقد كان ضمن مجموعة المشتبه بهم التي سافرت إلى فيينا باتفاقات أمنية عالية المستوى، بمرافقة المحامي الدكتور عبّود السرّاج عميد كلية الحقوق في دمشق وكبير محاميي ماهر الأسد وآصف شوكت ورستم غزالي وبقية المتهمين.

وبعد عشرين عاماً قضاها في بيروت، حيث وصلها لأول مرّة وكان برتبة نقيب فقط، تمت إعادته إلى دمشق، ثم قام النظام بترضية جامع جامع بترقيته وتكليفه برئاسة فرع المخابرات الجوية في مدينة حلب، قبل أن يتخذ القرار بإرساله رئيساً إلى فرع الأمن العسكري في دير الزور، لقمع المظاهرات التي كانت قد انطلقت سلمية في البداية في شوارع المدينة، وجرت ترقيته من جديد إلى رتبة لواء أثناء أداء مهامه في دير الزور، وقد تم إدراج اسمه في اللائحة الأميركية السوداء للاشتباه بدعمه الإرهاب وسعيه إلى زعزعة استقرار لبنان في فترة توليه منصبه في بيروت، وقد اشتهر مكتبه حينها بأنه مقرّ الصفقات وما يسمّيه اللبنانيون الابتزازات التي كانت تمارس على السياسيين ورجال الأعمال اللبنانيين.

وقد عاصر جامع جامع عهوداً لبنانية مختلفة، وأشير إليه بالبنان في حادثة اغتيال الرئيس اللبناني رينيه معوّض، وفي سلسلة الاغتيالات التي عصفت بلبنان فيما بعد، ويتمتع بعلاقات مميزة مع حلفاء النظام السوري في لبنان، وعلى رأسهم حزب الله وحركة أمل، ومن يعرف أجواء دمشق بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، يدرك كم كانت مجموعة الضباط المستعادين من هناك، في حالة ذعر شديد، من احتمال أن يقوم نظام الأسد بالتضحية بهم.

وكانت يوميات رستم غزالة وعزلته قبل أن تعاد الحياة إلى عروقه بتعيينه في أحد فروع المخابرات السورية في دمشق، تؤكد الهلع الذي أصاب هؤلاء الذين لم يبق لهم نظام بشار الأسد من خلاص سوى الاستمرار في السمع والطاعة.


مهمات جامع جامع في دير الزور


تم تعيين جامع جامع في دير الزور لهدفين رئيسيين، الأول ضمان خنق المدينة وذلك بالتنسيق مع حكومة المالكي التي تحشد قواتها على الطرف الآخر من حدود محافظة دير الزور، وكان لجامع جامع الدور الكبير في الطلب من العراقيين منع دخول اللاجئين السوريين الذين يفرون من القصف والتفجيرات والقمع الذي تتعرض له المنطقة الشرقية، الهدف الثاني في مهمة جامع جامع كان التنسيق مع الشمال السوري، حيث الملف الكردي، ودوره كان التنسيق الأمني مع القوات الكردية الموالية للنظام، وتطبيق ترحيل قسري للمواطنين السوريين من منطقة دير الزور، باتجاه محافظة الحسكة لإنهاك الشمال، فتدفقت أكثر من خمسين ألف أسرة مرة واحدة على مدينة الحسكة التي أعلنت حالة مجاعة قبل خمس سنوات ولم يكن هناك ثورة ولا اضطرابات، وأصيبت محافظة الجزيرة السورية ومدينتاها الكبيرتان الحسكة والقامشلي بالشلل في أساسيات الحياة لأكثر من ثلاثين شهراً مضت.

وبعد الانفلات الأمني الذي عرفته منطقة دير الزور في الأشهر الأخيرة من العام 2011، انتشرت أخبار عن مقتله بعد اشتباكات دارت مع عسكرين منشقين عن كتيبة مدرعات من اللواء 137 الذي يطوّق المدينة، ويعتبر جامع جامع المسؤول الأول عن ملف دير الزور، والذي كان قد قرّر التعامل بأسلوب العنف الذي لا رجعة فيه، فطبّق سياسات مرعبة، وقام بتدمير المدنية وإعطاء الأوامر بقصفها بالمدافع من الجبال المحيطة بها، وبالطائرات التي استمرت تغير من مطار دير الزور المدني والعسكري، إضافة إلى تقسيم المدينة إلى قطاعات أمنية وإقامة الحواجز التي تعتقل المارة في الشوارع، وضرب حصار اقتصادي وغذائي على المدينة، وقطع الموارد المالية ومنع المؤسسات من تسديد المرتبات الشهرية للعاملين في الدولة، حتى لو لم يكونوا من المعارضة!، وتسميم مياه نهر الفرات بضخ مياه محطات الصرف الصحي في النهر وتعطيل محطات التحلية، وإحراق المحاصيل الزراعية وآلاف الهكتارات من الأراضي المزروعة بالقمح والشعير والمحاصيل التي تعيش عليها المنطقة، مما أدى إلى كارثة كبرى أصابت الريف، وفي المدينة تسبّب القصف اليومي في اختفاء أحياء بأكملها، وتدمير عشرات المساجد التاريخية التي بني بعضها في العهد العثماني، وتدمير ونهب كنائس دير الزور التي تعيش فيها أقلية مسيحية من السريان والأرمن.

وتم قصف «الجسر المعلّق» الشهير في دير الزور وإسقاط سواريه، الجسر الذي يعدّ من المعالم السياحية للمدينة والذي شيّد في أولى سنوات الاحتلال الفرنسي لسوريا.

ويرجع أخطر ما في المنطقة الشرقية السورية، ومنطقة دير الزور تحديداً إلى مركّباتها السكانية التي يمثّل العرب نسبتها الكبرى، في تقسيمات قبلية ترجع إلى قبائل عربية كبرى منتشرة في المنطقة، فينفتح الفضاء العربي القبلي من وسط وجنوب العراق إلى الفرات الأعلى شمالاً ماراً بالموصل، ذات العلاقات العائلية مع دير الزور المدينة، عابراً مناطق راوة وعانه والبوكمال والميادين ورحبة مالك بن طوق، ليصعد خط التوتر القبلي الذي لعب عليه نظام الأسد، وبالأخص في فترة تولي اللواء جامع جامع قيادة المخابرات العسكرية في تلك المنطقة، نحو الرقة والحدود السورية التركية، وشمالاً إلى الشرق بالتوازي مع نهر الخابور باتجاه الجزيرة السورية حيث شمّر وعنزة والجبور ومعظم عشائر زبيد، التي انتشرت من حويجة عبيد العراقية، وكان للعبث بهذا التركيب السكاني وتأليب سكان الأرياف على المدن وسكان المدن على البوادي الأثر الكبير في الاستفراد بالمنطقة وعزلها عن مشهد الثورة السورية.

فكان للسياسة التي طبقها جامع جامع أثر بالغ الضرر في المنطقة الشرقية السورية، مما اضطر سكان المدن إلى العيش في ظروف إنسانية صعبة، بلا خدمات إدارية، وبعد فقدان سيطرة النظام على المئات من آبار النفط الكبيرة والصغيرة في بادية دير الزور، نشأت الاستثمارات البدائية التي طبقتها بضعة كتائب سلحت نفسها تسليحاً خفيفاً، وبدء الاستخراج العشوائي للبترول وتكريره وبيعه محلياً أو عبر الحدود باتجاه العراق وتركيا.

ويمكن وصف خسارة النظام لجامع جامع في هذا التوقيت الذي يحاول فيه بشار الأسد التقاط أنفاسه سياسياً، بأنه ضربة كبرى، ستجعل من فتح المناطق المحررة السورية على بعضها البعض في الرقة ودير الزور لتتصل الحدود العراقية بالحدود التركية ضمن مناخ العشائر والتبادل ما بين الحلفاء وأبناء العم، أمراً حتمياً.


تضارب أخبار موت جامع


تعدّدت الروايات التي تناقلتها وكالات الأنباء عن مقتل جامع جامع، فبينما قالت مصادر في المعارضة السورية إن جامع جامع قتل بعدة رصاصات أطلقت على رأسه مصدرها أحد القناصين في حي الرشدية في دير الزور عندما كان يقوم بجولة ميدانية، أشارت مصادر أخرى على صلة بالكتائب الإسلامية التي تقاتل ضد النظام إلى أن اللواء جامع قد اغتيل بانفجار عبوة ناسفة استهدفت موكبه بحي الجورة في دير الزور.

وقد تبنت كتائب تابعة إلى «الجيش السوري الحر»، بينها «كتائب البراء» و»كتيبة أنصار الصحابة» العملية التي فتكت بالحاكم العسكري لدير الزور، بينما نقلت قناة «الميادين» الموالية للنظام السوري أن جامع قتل برصاصة في الرأس.

وكانت كتائب تابعة لجبهة النصرة قد أعلنت عن عملية واسعة لتحرير دير الزور، ونقلت أخبارها تباعاً كلّما تقدّمت قواتها عبر أحياء المدينة ومشافيها التي كان جامع جامع يشغّلها كمعتقلات إضافية.

وكان اللافت هو خبر وسائل الأعلام الموالية للنظام، وليست تلك التابعة له، كقناة المنار والجديد والميادين وغيرها، التي أكدت مقتل جامع جامع برصاصة في الرأس، ولم تشر بالاتهام إلى أية جهة، مما يعطي الانطباع عن انقسام ما في الخلفية يقف وراء ذلك، فحين تصف المصادر الإيرانية موت جامع جامع بأنه ناجم عن رصاصة في الرأس، فهي تبدو وكأنها تشير إلى ما يذكّر بانتحار اللواء غازي كنعان وزير داخلية النظام، والمهندس محمود الزعبي رئيس الوزراء السوري الأسبق.

وفي هذا الخيط الدقيق من الاختلاف يمكن قراءة مسار التداعي البطيء للرعاية الإيرانية لنظام بشار الأسد في ظل التقارب ما بين واشنطن وطهران وبدء عصر الصفقات العلنية.

12