جانغ ييمو نقل الفيلم الصيني من دائرة الدعاية إلى مستوى الشعر

الأحد 2015/09/27
جانغ ييمو.. من التصوير إلى الإخراج.. رحلة نضج مدهشة

كشف المخرج الصيني الشهير جانغ ييمو، أخيرا، الستار عن مشروع فيلمه الجديد الذي بدأ في تصويره، والذي سيكون الأضخم إنتاجيا في تاريخ هذا المخرج الذي عرف بأفلامه التي لاقت إقبالا كبيرا في الغرب مثل “دار الخناجر الطائرة” و”البطل” و”إرفعوا المصابيح الحمراء” وغيرها.

الفيلم الجديد يحمل إسم “الجدار العظيم”، وهو يقوم على فكرة وضعها توماس لول، رئيس شركة “ليجينديري” الأمريكية التي ستتولى إنتاج الفيلم بالاشتراك مع طرف صيني، أي أن الفيلم الملحمي، سيكون أول عمل يخرجه المخرج الصيني الكبير من الإنتاج الأمريكي- الصيني المشترك، وقد رصدت له ميزانية تبلغ 150 مليون دولار. ويدور الفيلم في أجواء فانتازيا خيالية، فهو يصور كيف كان شيد الصينيون جدار الصين العظيم لمقاومة هجوم كائنات خرافية كانت تهدد الحضارة الإنسانية!

أسند جانغ ييمو دور البطولة إلى النجم الأمريكي مات دامون الذي يتمتع بشعبية كبيرة في الصين، مع النجم الصيني من هونغ كونغ أندي لو، والمغني الصيني لو هان، والنجمة الصينية الشهيرة ينغ تيان.

وسيكون الفيلم نقلة كبرى في مسيرة جانغ ييمو السينمائية التي بدأها منذ أكثر من 30 عاما. وسيمثل الفيلم تحديا كبيرا أمامه كمخرج يوجه طاقما في فيلم ناطق باللغة الانجليزية.

الجيل الخامس

ينتمي جانغ ييمو إلى ما يعرف بـ “الجيل الخامس″ من السينمائيين الصينيين، وهم أبناء الدفعة الخامسة التي تخرجت من معهد بكين السينمائي عام 1982. وقد تعرض أفراد هذه المجموعة من السينمائيين، للاعتقال في الستينات. واعتقل جانغ ييمو، المولود عام 1951، عام 1968 في ذروة الثورة الثقافية، وأرغم على قطع دراسته، والتوجه للعمل الإجباري في إحدى المزارع الجماعية لمدة ثلاث سنوات بموجب سياسة “إعادة التثقيف” على الطريقة الماوية. هذه التجربة القاسية ستلقى بظلالها بقوة على إنتاج مخرجي الجيل الخامس، وبالأخص تجربة جانغ ييمو.

لكن اللافت للاهتمام أن انشغاله بالتعبير عن رؤية سياسية خصوصا في أفلامه الأولى، جاء متخلصا تماما من أسلوب السينما الدعائية التي كانت سائدة قبل ظهور مخرجي “الجيل الخامس″، فقد كانت السينما الصينية عموما، تميل إلى ما يعرف بالـ “التوجه التعليمي” أو التلقيني الذي يهتم بابراز صورة “البطل الإيجابي” الثوري الذي لا يعرف المشاعر الإنسانية العادية، فهو رمز أكثر منه رجل، وهو يصور كمثال في التفاني والنقاء الثوري الأيديولوجي، يتفاعل مع الجماهير، ويقودها طبقا لسياسات الحزب الشيوعي.
انشغاله بالتعبير عن رؤية سياسية خصوصا في أفلامه الأولى، جاء متخلصا تماما من أسلوب السينما الدعائية التي كانت سائدة قبل ظهور مخرجي (الجيل الخامس)

جاء جانغ ييمو من التصوير الفوتوغرافي الذي كان مولعا به منذ شبابه المبكر، وكهاو للتصوير قام بالتقاط مئات الصور النادرة، وعندما افتتح معهد بكين السينمائي تقدم بطلب لدراسة التصوير السينمائي لكن طلبه رُفض بدعوى أن عمره يتجاوز وقتها سن القبول بالمعهد بخمس سنوات، لكنه أرسل خطابا إلى وزير الثقافة مرفقا بعدد من الصور الفوتوغرافية التي صورها، فتقرر قبوله في المعهد، وعمل بعد تخرجه عام 1982 مديرا للتصوير قبل أن يتجه للإخراج عام 1987 بفيلمه الشهير “الذرة الحمراء”.

الذرة الحمراء

يدور فيلم “الذرة الحمراء”- أول أفلام ييمو- في أوائل الثلاثينيات، في مقاطعة شاندونغ بشمال الصين، حيث تُرغم فتاة في الثامنة عشرة من عمرهاعلى الزواج من رجل يكبرها بثلاثين عاما، مصاب بمرض البرص، بسبب الفقر والحاجة، والرجل يمتلك معصرة للذرة الحمراء التي يستخرج منها النبيذ، ولا تستسلم المرأة لمصيرها فتقيم علاقة مع شاب يعمل حمالا، وبعد أن يموت زوجها العاجز في حادث، ترث هي المعصرة، وتسيطر على العاملين في حقول الذرة الحمراء، ويعود العشيق لكي يطالب بامتلاك المرأة لنفسه طمعا في المعصرة، لكنها ترفض بقوة، ثم تمر السنون وتكون المرأة قد أنجبت من علاقتها مع الحمال، واتسعت أعمال المزرعة، ثم تتعرض المنطقة لغزو قطاع الطرق ثم الغزو الياباني، وتتغير مصائر الشخصيات، وينتهي الأمر بكارثة تحدق بالجميع.

كانت تلك المرة الأولى التي يتناول فيها فيلم صيني موضوع الرغبة الجنسية والشهوة المدمرة، والتمرد على المألوف، فالزوجة الشابة تتمرد على قيم المجتمع البطريركي القمعي بأن تقرر الحصول على المتعة المحظورة لنفسها خارج إطار الزواج بعد أن أرغمت على معاشرة رجل مريض، قبيح، منفر، عاجز. وهي تتزوج من حمال الهود الذي نقلها الى القرية وهي عروس، ثم تحكم سيطرتها عليه وتحدد شروط علاقتها به، ثم تنهي تلك العلاقة عندما يتصور هو أنها أصبحت ملكا خالصا له.

يتميز فيلم “الذرة الحمراء” باستخدام الرمز والمجاز والألوان، لاكساب الفيلم دلالات معينة كما في تجسيد مخرجه للإيروتيكية التي كان يعبر عنها للمرة الأولى في فيلم صيني. هنا يلجأ إلى الإشارات الموحية بدءا من المشهد الأول الذي نرى فيه القرويون يهزون بخشونة الهودج الذي يحمل العروس الشابة، وهم يرددون كلمات أغنية تحمل معان جنسية فظة، ثم عندما يقبض الحمال الشاب على قدم المرأة بقوة وهي داخل الهودج، متظاهرا بتهدئة خواطرها بينما تكشف اللقطة عن اشتعال رغبته الجنسية، أو عندما نرى الحمال فيما بعد، وهو يمطرها بحبات الذرة الحمراء كما لو كان يرش عليها الماء، بينما تضحك هي وتتحرك في نشوة تعادل نشوة الإحساس بالمتعة الجنسية. إن الذرة الحمراء” أحد أجمل وأكثر الأفلام اكتمالا من بين كل الأفلام الصينية عبر العصور، وهو إحدى التحف الفنية الكبيرة التي ستبقى طويلا في الذاكرة.

"ارفعوا المصابيح الحمراء" براعة التكوين والتشكيل بالألوان والإضاءة

سيطرة المرأة

وفي فيلمه التالي “جو دو” (1990) هناك تنويعة أخرى على العلاقة المعقدة بين الرجل (كنموذج بطريركي) والمرأة القوية التي لا تستسلم، بل تستخدم الرجل لمواجهة الرجل الآخر الذي يسومها العذاب. إنها المرأة الجميلة (تقوم بالدور الممثلة غونغ لي) التي يتزوجها عجوز منفر لكي تنجب له وريثا، وهو هنا صاحب مصبغة ريفية للأقمشة، لكنه عاجز جنسيا، وبسبب عجزه يقوم بتعذيبها والاعتداء عليها كل ليلة. تقيم هي علاقة جنسية مع ابنه بالتبني ومساعده في المصبغة في الوقت نفسه، وتنجب منه طفلا، لكن الرجل يحتفل بالوليد باعتباره ابنه، ثم يقع حادث للزوج يصيبه بالشلل، وتستمر العلاقة بين المرأة وعشيقها أمام عيني الرجل المشلول إمعانا في اذلاله، ثم تستمر بعد موت الزوج غرقا، إلى أن يكبر الطفل الذي يراقب علاقة أمه بعشيقها ويصبح شابا، لينتقم من الاثنين شر انتقام لكي تغلق الدائرة.

هذه التراجيديا التي يصوغها جانغ ييمو في سياق سينمائي بديع، تركز على فكرة تمرد المرأة على واقعها، وكيف يمكنها أن تنتقم من الرجل الذي أذلها، ولكن توارث الفكر الذكوري البطريركي القائم جيلا بعد جيل، يؤدي الى تلك النهاية الدامية. ومرة أخرى يستخدم ييمو الألوان بأسلوبه الخاص الذي يمنح اللون قيمة درامية تعبيرية، فهو مثلا يستخدم الصبغة الحمراء للأقمشة في التمهيد لمشاهد الجنس، كما يستخدم الزويا الغريبة المرتفعة للكاميرا، ويوظف تفاصيل المكان توظيفا جيدا، وهو المصبغة البدائية في الريف من العشرينيات، بكل أركانها وتضاريسها وظلالها، ويستفيد من تفاصيلها لكي يتغلب على المجال الضيق للحركة، مستدرجا المشاهد داخل تلك الدراما التي تتخذ حينا أسلوب الفيلم العاطفي، وحينا آخر فيلم الجريمة، ويضفي أبعادا ميتافيزيقية على تلك النهاية التي تجعل الطفل- الذكر- البالغ، وكأنه يد القدر.

المصابيح الحمراء

كانت خاتمة ثلاثية المرأة في الصين الاقطاعية التي يستخدمها استخداما رمزيا، فيلم “إرفعوا المصابيح الحمراء” (1991). هنا أيضا فتاة شابة يرسلها أهلها الفقراء الى الشمال، الى ضيعة رجل اقطاعي مسن، كزوجة رابعة له، حيث تقيم كل واحدة منهن في منزل خاص. ومنذ وصولها تبدأ الزوجتان الثانية والثالثة الأكثر شبابا من الأولى، في حياكة المؤامرات ضدها، فتدعي أنها حامل لكي تكسب تعاطف الرجل، لكن أمرها يفتضح بعد أن يأتي الزوج بطبيب يفحصها فتحرم من المعاشرة الجنسية بانزال المصابيح الحمراء من على مدخل منزلها الى الأبد، فلا تجد سوى الانتقام بافشاء سر خيانة الزوجة الثانية للرجل فينتهي الأمر الى مأساة تنزل بالجميع!

البحث عن العدالة

واجه “جو دو” و”المصابيح الحمراء” المنع في الصين بسبب جرأة الموضوع وطريقة التناول التي لم تكن معتادة والتي وجد نقاد ييمو المؤدلجين أنها “شكلانية”. وربما يكون هذا هو ما دفع جانغ ييمو للانتقال الى موضوع آخر مختلف في فيلمه التالي “قصة كيو جو” Story of Qiu Ju- 1992، وهو من بطولة غونغ لي أيضا التي ستصبح القاسم المشترك في أفلامه إلى حين أن ينفصلا قبل أن يستأنفا علاقتهما الفنية في فيلم “العودة للبيت” (2014). إننا في الصين الحديثة هنا، أي في زمن الحكم الشيوعي. والفيلم يدور في الريف، وبطلته “كيو جو” قروية بسيطة متزوجة من عامل زراعي بسيط، يزرعان معا نبات الفلفل الأحمر الحلو (لاحظ ولع ييمو باللون الأحمر في كل أفلامه).

"قصة كيو دو" قصة امرأة تبحث عن العدالة

يتعرض زوجها ذات يوم لغضب عمدة القرية الذي يعاقب الرجل المسكين بالضرب المبرح، فيصيبه اصابات بالغة تقعده. تذهب الزوجة الى العمدة تحاول أن تعرف سبب الاعتداء، لكنه يراوغ دون أن يكشف لها السبب، فتذهب للشرطة، التي تتوصل الى تعويض مالي يدفعه العمدة لكنها ترفض قبوله، فهي تريد تفسيرا واعتذارا لا تعويضا ماليا، وترفع الأمر للقضاء، الذي يحكم لها بتعويض أكبر لكنها تعود لترفضه، وتمضي وهي حامل وبطنها منتفخة، مع شقيقة زوجها الى المدينة الكبيرة، بكين، لكي تشكو إلى أعلى السلطات.

إنها قصة أخلاقية عن ضرورة الحصول عن العدالة مهما كلف الأمر، يقدمها جانغ ييمو باستخدامه العبقري المميز لكل العناصر البصرية: الإضاءة والألوان والمناظر الطبيعية الهائلة في الريف الصيني، وتناقض الريف مع المدينة، واستخدام الموسيقى الشعبية الرائعة، وطبيعي أن رونق الفيلم وجماله لا يكتمل سوى بأداء غونغ لي البديع، وتقمصها المؤثر للدور كعادتها.

اعتبر كثيرون الفيلم محاولة من جانب ييمو للتوافق مع النظام في الصين، فهو ينتصر لفكرة تحقيق العدالة من خلال النظام. لكنه عاد في فيلم “العيش” (1994) لكي يوجه أعنف نقد للنظام الشيوعي ولو من خلال قصة تدور في الماضي، ولكنه الماضي القريب، في زمن الثورة الثقافية في الستينات، وكيف انعكست بقسوة على مصائر أفراد أسرة فقيرة. ويتضمن الفيلم هجاء شديدا للماوية، وسخرية من فكرة الزعيم – المعبود، ويعري الانتهازية السياسية، ويجعل بطله المتمسك بصندوق يحوي مجموعة من العرائس الخشبية، يدفع الثمن عندما يتهمونه بالانحراف والرجعية فيعتقل ويسجن ويتفرق شمل أسرته.

إنه أكثر أفلام ييمو شعبية من حيث قربه بميلودراميته الواضحة من مشاعر الناس، وقدرته المدهشة على استخدام التفاصيل ورواية قصة تمتد على عقود. وقد واجه الفيلم المنع رقابيا في الصين. ويظل هذا مصير الفن الرفيع هناك حتى وقتنا هذا، ولكن جانغ ييمو أصبح مدعوما بتمويل أمريكي كبير وهو يصور أحدث أفلامه حاليا، فهل ستكون التجربة الجديدة نقلة أخرى في مسار جانغ ييمو الفني؟

16