جانلويجي بوفون حارس الصدفة الأغلى في التاريخ

السبت 2016/01/09
جانلويجي بوفون أخطبوط قضى عشرين عاما في خدمة الكالتشيو

برلين- “الأخطبوط الإيطالي” أو “العنكبوت” هو اللقب الذي يحب عشاق الحارس جانلويجي بوفون أن ينادوه به. عندما يواجه مهاجم الخصم، يشعر بوفون بأن يديه في كل مكان كالأخطبوط، أو أنه كالعنكبوت التي نسجت خيوطها على النافذة فلا مفر للفريسة من الوقوع في فخ يدي جانلويجي وحضنه الدافئ الذي يحضن الكرة كالمحبوبة. سعره يرتفع باستمرار رغم تقدمه في العمر ورغم أننا نعيش في زمن تهبط فيه أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها.

بين ثلاث خشبات

ولد جانلويجي بوفون أو كما يناديه عشاقه “جيجي” في الثامن والعشرين من شهر يناير من العام 1978، فضّل أن يكون الحارس الثاني في عائلة بوفون بعد عمه لورنزو حارس الميلان في الخمسينات من القرن الماضي. لم يتأثر بميول عائلته الرياضية المختلفة ابتداءً من والده أدريانو الذي مارس رياضة رفع الأثقال، ووالدته ماريا ستيلا لاعبة رمي القرص أو شقيقتيه لاعبتي كرة الطائرة فيرونيكا وجويندالينا.

لم يكن بوفون يرى الخشبات الثلاث وما بينها، منزلاً مناسباً لموهبته حين انضم أول مرة لناشئي نادي بارما عام 1993. بدأ كلاعب في خط الوسط ثم ارتأى المدرب أن يشغل بوفون مركز الليبرو، إلى أن حصل حدث طارئ حين أصيب الحارس الأساسي لناديه بارما فولجوني، واضطر المدرب للبحث عن حارس بديل فوجد في بوفون الشخص المناسب بناءً على طوله المميز وقوته الجسدية، وهي إحدى الصفات التي يجب أن يتمتع بها حارس المرمى إضافة إلى سرعة بديهته التي أظهرها في المراكز التي شغلها من قبل.

بعد تلك الحادثة أقنع أدريانو ابنه الصغير أن قدراته في مركز حراسة المرمى تبدو أكثر نضوجاً، واقتنع بوفون بالفكرة وخاصة أنه كان معجباً بشدة بالحارس الكاميروني توماس نكونو الذي قدم مستويات خرافية في كأس العالم التي أقيمت في إيطاليا عام 1990.

عرض السيدة العجوز "يوفنتوس" يرسم خارطة طريق لأحلام بوفون الكبيرة مع ناد اعتاد الصعود على منصات التتويج. انتقل إليه في صفقة قياسية بلغت 54.1 مليون يورو. هي بلا شك صفقة مجنونة لكن هناك من تنبأ في نادي السيدة العجوز بقيمة بوفون فأراد قطع الطريق أمام الجميع

موسم 94-95 طلب مدرب بارما نيفو ساكالا تسجيل بوفون رسمياً ضمن صفوف الفريق الأول ليخوض مباريات “السيري أ”. شاءت الصدف أن يمتحن بوفون في مباراة يخشاها أكبر الحراس أمام نجوم تلك الحقبة “باولو مالديني وألبرتيني وروبرتو دونادوني والكرواتي بوبان والفرنسي ديساييه”.

كانت جماهير بارما تنتظر أن يخرج بارما بأقل الخسائر وأن يتمكن ذلك الحارس الشاب من ملء الفراغ الذي شكله غياب الحارس الأساسي المصاب، لكن الحقيقة أنه لم يقف متفرجاً. تصدى للعديد من الكرات الخطيرة، وأنقذ مرماه في مناسبات كثيرة من أهداف محققة. تلقى بوفون تحية كبيرة من الجمهور عقب نهاية المباراة وحمله زملاؤه على الأكتاف تقديراً لجهوده.

سأل المحنك الإيطالي فابيو كابيلو مدرب الميلان آنذاك عن سبب الخروج بنتيجة سلبية لم يكن يتوقعها أشد المتشائمين فأجاب “لقد فاجأنا ذلك الحارس الشاب بأمور لم نكن نتوقعها”. ويذكر بوفون تلك اللحظات بعد مرور عشرين عاماً عليها بالقول “ربما كانت المباراة الأكثر أهمية في بدايتي قبل عشرين عاماً. كان ظهوري الأول في بطولة كبرى، إنها ذكرى لا تمحى لأنني وقتها تحليت بالثقة، وأن أنجح في ذلك كان أمراً سعيداً لي في مباراة هامة ضد فريق كميلان، أتذكر عندما طرق نيفو سكالا بابي وسألني عن مزاجي واستعدادي للاشتراك في هذه المباراة، قلت له: بالتأكيد، إذا كان لا فلماذا أنا هنا؟ كانت تجربة لا تنسى ولا أستطيع نسيانها، كنت أنا أصغر إخوتي وعندما ألعب مباراة كهذه بعمر الـ17 عاماً أمام ميلان فقد كان أمراً كبيراً، ورغم أن البعض كان يراني مجنوناً بعض الشيء لكن عندما وصلت بارما كانت نقلة مهمة لي فلاعبون مثل كريبا، نيستا، ميلي، مينوتا وسينسيني جعلوني أشعر بدعمهم لي”.

جيجي يفاخر بأنه تمكن من حماية شباكه في الملاعب الإيطالية في 387 مباراة لعبها لم يدخل فيها مرماه هدف واحد

تابع بعدها جيجي تألقه وأصبح الحارس الأول لنادي بارما لكنه تأخر في الوصول إلى منصات التتويج حتى حقق معه لقب كأس إيطاليا لموسم 98-99 وكأس السوبر الإيطالي وكأس الاتحاد الأوروبي لذات الموسم.

تلقى بوفون بعد تألقه مع بارما عدة عروض من أبرز الأندية الأوروبية كمانشستر يونايتد وبرشلونة، إلا أن رغبته في البقاء في إيطاليا جعلته يبحث عن أفضل العروض المحلية وأكثر الأندية توافقاً مع أحلامه الكبيرة. لذلك وجد في عرض السيدة العجوز “يوفنتوس” خارطة طريق لأحلامه الكبيرة مع نادٍ اعتاد الصعود على منصات التتويج. لينتقل إليه في صفقة قياسية بلغت 54.1 مليون يورو وضعته على قائمة أغلى حراس العالم، هي بلا شك صفقة مجنونة لكن هناك من تنبأ في السيدة العجوز بقيمته فأراد قطع الطريق أمام الجميع وكسب ود جيجي. لم يتأخر جيجي بتقديم أوراق اعتماده وقدم مستويات مميزة أثبت أحقيته بهذا الرقم ولو وضعت الأموال في ميزان مع ما قدمه جيجي مع اليوفي لمالت كفة الميزان لمصلحته.

الأفضل في ربع قرن

حصد منذ موسمه الأول الألقاب ابتداءً بلقب الكالتشيو وكأس السوبر الأوروبي ووصولاً للَّقب الأثمن مع بداية مسيرته حين اختير كأفضل حارس في الكالتشيو الإيطالي، ثم كان الموسم الثاني الأكثر نجاحاً بعدما ساهم في وصول ناديه إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا وخسر أمام الميلان بركلات الترجيح. واختير بوفون تكريماً لعطائه كأفضل لاعب في دوري أبطال أوروبا وهذه من النوادر التي لا تحدث إلا بناءً على معجزات خارقة قدمها حارس مرمى، وذلك كان ممهداً لينال جائزة أفضل حارس في العالم ويحتفظ للسنة الثانية على التوالي بلقبه كأفضل حارس في إيطاليا بعدما قاد البيانكونيري إلى لقب الكالتشيو للعام الثاني على التوالي.

وإلى لحظة كتابة هذه السطور في سجلاته مع يوفنتوس ستة ألقاب كالتشيو وخمسة ألقاب في كأس السوبر الإيطالي ونال معه كأس إيطاليا وكأس السوبر الأوروبي مرة واحدة، وبقي حلم الصعود على منصة زعامة الأندية الأوروبية الحلم الوحيد الذي يراوده ولم يحققه كما قال.

أما على صعيد إنجازاته الفردية نال جائزة أفضل حارس مرمى في إيطاليا سبع مرات، وأفضل حارس في العالم أربع مرات ونال كذلك لقب جائزة أفضل لاعب للويفا.

وتوّج بلقب أفضل حارس مرمي في العالم خلال القرن الحادي والعشرين، بفارق نقطة واحدة عن حارس منتخب إسبانيا وريال مدريد إيكر كاسياس الذي نال 217 نقطة، بحسب الاتحاد الدولي لتأريخ وإحصاءات كرة القدم، متفوقاً على الحارس الألماني أوليفر كان والهولندي فاندير سار.

في سجلاته مع يوفنتوس تحتفط بستة ألقاب نالها بوفون، كالتشيو وخمسة ألقاب في كأس السوبر الإيطالي ونال معه كأس إيطاليا وكأس السوبر الأوروبي مرة واحدة

بوفون يتزعم العالم مع الآزوري

يوم 27 أكتوبر عام 1997 كان الظهور الأول لجيجي بقميص المنتخب الإيطالي أمام المنتخب الروسي في التصفيات المؤهلة لنهائيات مونديال فرنسا 98. مستغلاً إصابة الحارس الأساسي بيروتزي والحارس الاحتياطي تولدو.

عاد بوفون ليحجز مكانه كأساسي في التصفيات المؤهلة لنهائيات يورو 2000 قبل أن يتعرض لإصابة في يده أبعدته عن النهائيات. ثم عاد مجدداً ليكمل طريقه في الحصول على الذهب العالمي في مونديال كوريا واليابان 2002 وتوقفت أحلامه في الدور الثاني.

وفي ألمانيا كانت له اليد العليا في حصول الآزوري على اللقب العالمي بعد أن تغلب الطليان على الديك الفرنسي بركلات الترجيح، ولا يزال بوفون يحتفظ بمكانه بين خشبات المنتخب الإيطالي بثلاث نسخ مونديالية ومثلها قارية في بطولات اليورو من البرتغال 2004 إلى أوكرانيا وبولندا 2012.
وأصبح اللاعب الأول الذي شارك مع منتخبه في خمسين مباراة ضمن البطولات الأوروبية على مستوى المنتخبات وفقاً لإحصائيات الاتحاد الأوروبي، وأكمل بعد انتهاء التسعين دقيقة التي لعبها مع منتخب بلاده أمام المنتخب البلغاري سبتمبر الماضي 150 مباراةً دولية نال خلالها ثقة سبعة مدربين مروا على قيادة الدكة الفنية للمنتخب الإيطالي في 18 عاماً لجيجي مع الأزرق.

بعد أن عصفت بالكرة الإيطالية فضيحة التلاعب بالمباريات القضية المعروفة بالكالتشيو بولي، كان اليوفي المتضرر الأول في تلك القضية بتجريده من لقبين هما 2004-2005 و2005-2006، رحل عدد كبير من لاعبي اليوفي وقال الجميع يومها هي الفرصة المناسبة لبوفون للخروج دون تأنيب الضمير لكن جيجي تجاهل كل العروض الكبيرة وأعلن بقاءه في اليوفي في “السيري ب”، فعلها حقاً ونال لقب “السيري ب” مع العجوز وأعاده إلى مكانه الطبيعي بين الكبار.

جيجي أصبح اللاعب الأول الذي شارك مع منتخبه في خمسين مباراة ضمن البطولات الأوروبية على مستوى المنتخبات

جاء العرض الكبير الذي قدمه المان يونايتد والذي قدر بسبعين مليون يورو وظن عشاق اليوفي أنه الطلاق الأخير، إلا أن جيجي أعلن ارتباطه الأبدي بالعجوز، رغم أن العادات الأوروبية تقول إن البقاء مع الوالدين والأسرة لا يعتبر واجباً. فكان وفاء جيجي للعجوز أكبر من وفاء الابن لأسرته ووالديه. أي وفاء ذلك الذي يحمله جيجي أمام المال الذي ترضخ له أوفى القلوب؟

صناعة التاريخ

في التاسع عشر من شهر نوفمبر الماضي نشر الموقع الرسمي لنادي اليوفي بياناً يهنئ فيه بوفون بمرور عشرين عاماً على وضع قدمه في ملاعب الكرة الإيطالية جاء فيه “الجميع يبعث لك برسالة تهنئة كبيرة اليوم، ليس مشجعو البيانكونيري فقط، ولكن كل عشاق كرة القدم، لقد صنع جيجي بوفون تاريخاً في عالم كرة القدم خلال هذه السنوات بالفوز بكأس العالم (عام 2006) مسطراً صفحات من الإنجازات الإعجازية”.

وكتب كانافارو قائد الآزوري الذي حمل الكأس الذهبية برفقة جيجي عام 2006 “عشرون عاماً للرجل الخارق”، وامتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بتبريكات أصدقاء بوفون ومشجعيه، فهو الذي لم يتوان يوماً عن تهنئة زملائه في كل المناسبات. نتذكر جيداً رسالته إلى ملك روما فرانشيسكو توتي بمناسبة مرور عشرين عاماً له في الملاعب الإيطالية “لقد صنعت تاريخاً خلال 20 عاماً في الدوري الإيطالي، يا له من إنجاز. لا تزال صورة هدفك الأول في مخيلتي خلال مواجهة روما وفوجيا، لقد سجلت في شباكي 10 مرات ثم بعد صافرة النهاية تعود الابتسامات بيننا على غرار ركلة الجزاء التي أنقذتها وأحزنني أنك أنت من سددها”.

في سجلات جيجي خلال عشرين عاماً قضاها في الملاعب الإيطالية 934 مباراةً مع اليوفي وبارما والآزوري، و387 مباراةً لم يدخل فيها مرماه أي هدف، أما الرقم 82257 فهو عدد الدقائق التي لعبها خلال عشرين عاماً.

15