جانيت يلين.. عجوز على تل الذهب الأميركي الغامض الهائج

الأحد 2014/01/19
يلين تتمتع بخبرة واسعة في مجال عملها

وافق مجلس الشيوخ الأميركي مؤخراً بأغلبية 56 صوتا مقابل 26 صوتاً على تعيين جانيت يلين على رأس الاحتياطي الفيدرالي. وستكون يلين أول امرأة ترأس البنك المركزي الأميركي، ويلين خبيرة اقتصادية مخضرمة تبلغ من العمر 67 عاما.

وكي يضفي أوباما بلاغته الخطابية على ترشيحه للسيدة يلين، فقد قال عن منصبها صيف العام 2013:” إن رئيس الاحتياطي الفيدرالي ليس من أهم القادة السياسيين في الولايات المتحدة فحسب بل هو من أهم القادة السياسيين في العالم”، ووصف يلين بأنها ” ساهمت في انتشال اقتصادنا من الركود ووضع البلاد على مسار النمو المستدام”.

وتحل يلين محل بن برنانكي الرئيس السابق لنظام الاحتياطي الفيدرالي، بعد مسيرة خبرة واسعة نقلتها من مسقط رأسها في بروكلين إلى أكثر المناصب حساسية في العالم، فقد ولدت يلين في حي الطبقة العاملة في نيويورك في العام 1946، لوالد طبيب يعالج أهالي قرب ريدج بوليفارد، ولوالدة تعمل مدرّسة أطفال، العائلة اليهودية غير المتدينة، ركّزت على تعليم طفليها، جانيت وشقيقها الأكبر، فذهبت جانيت إلى جامعة براون في رود آيلاند، لدراسة علوم الرياضيات، ولكنها سرعان ما غيّرت اتجاهها لدراسة الاقتصاد، وتخرجت بامتياز مع مرتبة الشرف، وبدأت منذ العام 1966بالعمل العام وهي في الجامعة، فشاركت في المظاهرات الطلابية، ثم فاجأت الجميع بظهورها مع جاكلين كينيدي أثناء مناقشة إصلاح القانون الاجتماعي في كلية بيمبروك، وبعد تخرجها التحقت بعدها بجامعة ييل لدراسة الدكتوراه تحت إشراف البروفيسور جيمس توبين الحاصل على جائزة نوبل.

درّست جانيت يلين في جامعة هارفارد، وعملت ضمن هيئة الاقتصاديين في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي أصبحت رئيسته اليوم، وتزوجت من باحث زائر يدعى جورج أكيرلوف، الذي سيحصل على جائزة نوبل في ما بعد، وانتقلت إلى لندن، للحياة والتدريس.

أراد مؤسسو الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ألا يكون الجهاز حكومياً كي يستقل عن القوانين الأميركية وأهمها قانون إتاحة المعلومات لعامة الشعب


العودة إلى أميركا


في العام 1980 عادت يلين إلى التعليم في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، فلمعت مع زوجها في مجال الأبحاث النظرية، وفي العام 1994، اتصل بها مسؤولو البيت الأبيض، ليتم التنسيق معها ولتتولى منصب محافظ في الاحتياطي الفيدرالي ثم رئيسة مجلس المستشارين الاقتصاديين في إدارة بيل كلنتون ثم رئيسة للبنك الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ولتصل إلى منصب نائبة رئيس مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي العام، وقد صوتت في بعض الأحيان في مجلس الإدارة ضد قرارات الرئيس النافذ السابق للاحتياطي ألان غرينسبان، وفي العام 1997 طلب منها كلينتون تولي رئاسة دائرة المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض حتى العام 1999، وفي هذا المنصب، خلفت جوزيف ستيغليتز الخبير الاقتصادي الذي ينتقد الإفراط في الليبرالية والذي تقاسم في سنة2001 جائزة نوبل للاقتصاد مع زوجها. وتعدّ جانيت يلين أول عضو ديمقراطي يعيّن في هذا المنصب الحسّاس، منذ بول فولكر في العام 1987، وسبق ليلين أن صوتت 27 مرة في التسعينات على زيادة معدلات الفائدة حين كان الاقتصاد الأميركي يسجل فورة نشاط، وتوجّه إليها انتقادات لكونها لم تتمكن في تلك الفترة من استباق انهيار فورة القطاع العقاري في منطقة تغطي كاليفورنيا ونيفادا وأريزونا، وهي الولايات التي أصبحت في صلب كارثة القروض غير القابلة للسداد، وكانت تحت إشرافها.


الاقتصاد موازياً للانحسار السياسي


يشهد العالم انحساراَ سياسياً أميركياً، أو إعادة تموضع للنفوذ في أنحاء مختلفة من مناطق المصالح الأميركية، ويتوافق هذا مع مرور مئة عام على بدء الانتشار الأميركي في الشرق والشرق الأوسط، ومرور مئة عام على تأسيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نفس الوقت، بحيث ارتبط الاثنان، السياسة والاقتصاد الأميركيين، بموجات من الصعود والهبوط، جعلت من الصعب الفصل بين مساريهما، ومنذ تأسيس البنك المركزي في 23 من ديسمبر من العام 1913 فقد الدولار 98 % من قوته الشرائية، وبعد أقل من عشرين سنة على تأسيسه دخلت الولايات المتحدة في ما عرف بالكساد العظيم وهي أزمة مالية كبرى ضربت أكبر بلد رأسمالي في العالم.

وقد كتب الباحثون الكثير من الحقائق الغريبة عن ذلك الجهاز الذي يوصف بأنه حكومي في الولايات المتحدة، منها ما عرف بقضية جان لويس، التي أثيرت في العام 1979، حين تعرّض مواطن يدعى جان لويس إلى الدهس بسيارة تابعة للبنك المركزي الأميركي، مما دفع محامييه لرفع دعوى على الحكومة الأميركية للتعويض، ولكن القضية تم رفضها وقال القاضي “إن البنك المركزي الأميركي ليس جهة حكومية”، فكانت تلك الحقيقة صدمة للشعب الأميركي الذي يعتبر أن هذا الجهاز جزء من النظام السياسي والإداري وليس عالماً منفصلاً كلياً، ولكن ومع ذلك فإن تعيين رئيس لهذا الجهاز (غير الحكومي)، لا يتم إلا من خلال ترشيح مباشر يتقدّم به مجلس الاحتياط الفيدرالي إلى الرئيس الأميركي الذي بدوره يعرضه أمام الكونجرس للموافقة عليه.

وفي العام 1912 والعام 1913 تم تشكيل لجة تحقيق رسمية سمّيت بلجنة بوجو نسبة إلى رئيسها أرسين بوجو، للتحقيق في نوايا مجموعة “موني ترست” وهي مجموعة من المصرفيين فى الوول ستريت تمارس سيطرة قوية على الموارد المالية للولايات المتحدة، وكانت اللجنة تتهم مجموعة مونى ترست بأنها تقف خلف مشروع يدعو لقيام منظومة بنك الاحتياط الفيدرالي، وقال السيناتور الأميركي روبيرت أوينز من ولاية أوكلاهوما، وأحد المشاركين في سن قانون الاحتياطي الفيدرالي: ” إن المصرفيين قد تآمروا لخلق سلسلة من حالات الذعر المالي التي حدثت في العام 1907 من أجل إثارة الناس على طلب الإصلاحات التي تخدم مصالحهم”، وفيما بعد قضى السيناتور أوينز بقية حياته في محاربة نظام بنك الاحتياط الفيدرالي الذي ساعد على إنشائه.

وكانت مخاوف الحكومة الأميركية في محلها، فلم تكن هناك أية مشاكل مالية قبل تأسيس الاحتياطي المركزي الفيدرالي، وكان معدل التضخم قبل بداية العام 1900 0.5 بالمائة سنويا، لكن بعد إقرار نظام بنك الاحتياط الفيدرالي وصل معدل التضخم إلى 5.3 بالمائة سنوياً.

موّل الاحتياط الفيدرالي الأميركي العديد من أحداث العالم، ومن أكثرها غموضاً تمويله للثورة الشيوعية الروسية بمبالغ دفعت في ستوكهولم مرحلة ما بعد القيصر


أسرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي


أما لماذا لا يريد البنك المركزي الأميركي أن يكون مؤسسة حكومية، فلهذا أسباب كثيرة على رأسها، الخضوع للقوانين الأميركية، فهو يعدّ مثل معتقل غوانتانامو مؤسسة لا تقع على الأراضي الأميركية وبالتالي يمكن تطبيق سياسات خارج القانون الأميركي فيها، ومن أهم تلك القوانين التي لا يريد الاحتياطي الفيدرالي الخضوع لها، قانون حرية المعلومات الذي يعطي الشعب الأميركي الحق في الاطلاع على كل ما يتعلق بأعمال الجهات والمؤسسات التابعة للحكومة.

وقام الاحتياطي الفيدرالي بتقديم قروض سرية تقدّر بأكثر من 16 تريليون دولار للبنوك الكبرى مثل سيتي جروب ومورجن ستانلي، وبنك أوف أميركا، وجولدمان ساك وغيرها خلال الأزمة المالية، بينما يبلغ الدّين العام الأميركي إلى أكثر من 16 تريليون دولار.

وفي خريف العام 1949، قام الباحث أيوستيز مولينز، بالاستجابة لطلب الشاعر عزرا باوند، الذي كان يقضى فترة السجن في مستشفى إليزابيث للأمراض العقلية لمدة 13 عاماً ونصف العام بتهم سياسية دون محاكمة، بعد أن اتهم بالخيانة بسبب تساؤله في لقاء أجرته معه إذاعة روما عن مدى تورط الولايات المتحدة في ما كان يجري في العالم آنذاك، حين أخرج عزرا باوند ورقة من فئة 10 دولارات مكتوب عليها البنك الفيدرالي، ثم طلب من مولينز القيام بالبحث لمعرفة مدى تأثير النظام المصرفي الفيدرالي على السياسة الأميركية، وقضى مولينز سنتين في إعداد المادة، فكان كتاب “أسرار البنك الفيدرالي”، ويقول مولينز في تقديمه للكتاب: ” فوجئت برفض دور النشر والمطابع طباعة ونشر الكتاب، وبلغ عدد دور النشر التي رفضت التعامل معي 19 دار نشر، وقد صدرت منه 10000نسخة باللغة الألمانية في ألمانيا، تمت مصادرتها من قبل المخابرات الأميركية بقيادة الدكتور أتو جون، وقد أصدر قرار إحراقها القاضي إسرائيل كاتز من المحكمة البافارية، ولم تتدخل حكومة الولايات المتحدة لأن المندوب السامي الأميركي لألمانيا جيمس بي كونانت (رئيس جامعة هارفارد من 1933-1953) كان وراء أمر إحراق الكتاب”.

يقول مولينز:” أكّدت في الكتاب بأن نظام البنك الفيدرالي لَيسَ فيدرالياً، بل ليس فيه احتياطي على الإطلاق، وهو عبارة عن نقابة إجرامية بدأت تآمرها في نوفمبر من العام1910، عندما اجتمعوا في جزيرةِ جيكيل، التي اشتروها، وجعلوها ملتقى سياحياً خاصاً بهم لتدبير المكائد المصرفية والمالية التي كلفت الشعب ديوناً بلغت ثلاثة تريليون دولار”. ويسخر مولينز من أن تاريخ الولايات المتحدة في القرن العشرين “شهد إنجازات رائعة حققها نظام البنك الفيدرالي أولها اندلاع الحرب العالمية الأولى التي حدثت بفعل التمويل المتوفر من البنك، وثانيها الكساد الزراعي في عام 1920، وثالثها يوم الخميس الأسود الذي انهارت فيه بورصة وول ستريت في أكتوبر من العام 1929، ورابعها اندلاع الحرب العالمية الثانية، وخامسها تحول الأصول والمواطنين إلى أصول ورقية من العام 1945 إلى الوقت الحالي”.

أستاذة الاقتصاد جانيت يلين قادمة من بروكلين من بين أبناء الطبقة الوسطى لتكون على رأس أكبر المؤسسات المالية الأميركية المستقلة عن الشعب وطبقاته


كيف يعمل الاحتياطي الفيدرالي


أمّا آلية عمل البنك المركزي الأميركي، فتظهر أن نظام هذا البنك لا يضيف شيئاً لبنية رأس المال أو تكوينه لأنه مؤسس لإنتاج الدّين وخلق مَالٍ، لأموال الائتمان والمضاربات بدلاً من أن يقدم تمويلات رأس المال لتحسين التجارة والصناعة، بالتالي فإن الرّسملة Capitalization بهذا المفهوم تعني توفير أوراق نقدية معززة بمعدن نفيس أو سلعة أخرى، فأوراق البنك الفيدرالي النقدية عبارة عن أوراق نقدية غير مدعّمة ويتم إقراضها بفوائد. وفي بداية عشرينات القرن الماضي، ورغم الخلاف الإيديولوجي الكبير بين واشنطن وموسكو، إلا أن نظام البنك الفيدرالي الأميركي قام بإعادة إدخال روسيا في البنية العالمية المالية، ثم بدأ بشراء كميات كبيرة من الذهب الروسي، وحسب ما ورد في السيرة الذاتية للعقيد إيلي غاريسون والتقارير السرّية لسلاح البحرية الأميركي حول جول بول وربورنج الذي كان له الفضل في مفاوضات إعادة إدخال روسيا في المنظومة المالية العالمية آنذاك، فقد تمّ الكشف بأن الثورة الروسية تم تمويلها من قبل روتشيلدز وواربيرغس بأموال كان يتم تسليمها في ستوكهولم في العام 1918، كما أن تنظيم الصناديق الائتمانية في روسيا تحت غطاء الشيوعية سهّل من إمكانية استلام كميات كبيرة من المساعدات المالية والفنية من الولايات المتحدة، ومن ثم إزالة الأرستقراطية الروسية التي اعتبرت غير كافية لإدارة دولة صناعية حديثة.

تتسلم جانيت يلين هذه التركة، في الوقت الذي يقود الولايات المتحدة الرئيس الذي يلوّح بالانحسار شعاراً للتغيير، فمن الذي سوف يتقدم الآخر هذه المرة، الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أم الأمة الأميركية؟

9