جان بوفيه الخصم اللدود للتفاخر الثقافي الخارج عن التصنيف

الاثنين 2014/08/18
آثاره الفنية تستدعي أن ينظر إليها من خلال تفردها

باريس - بعد نحو خمسة عشر عاما على المعرض الاستعادي الضخم الذي أقيم له في مركز بومبيدو بباريس ومعرض الفنون الزخرفية الذي استضافه منذ وقت قريب، تنظم مؤسسة هيلين وإدوار لوكلير للثقافة معرضا بمدينة لنديرنو غربي فرنسا، يضم تشكيلتين فريدتين لجان بوفيه، ويتواصل حتى مطلع نوفمبر القادم.

كان جان دوبوفيه (1901 /1985) متعدد المواهب، فهو فنان تشكيلي ونحات ورسام ونقاش وكاتب ومهندس ورجل مسرح وموسيقي.

ورغم ذلك ظل مترددا بين خلافة أبيه في تجارة الخمور وبين فنون الرسم، ولم يقرّ قراره باختيار الوجهة الفنية إلا عندما جاوز الأربعين. ولكنه نشأ مشاكسا، متمردا على السائد، مناهضا للمؤسسات الثقافية الرسمية، يرفض المتاحف، “أبراج الثقافة الأفندية” كما يقول.

لأن الإبداعات الفنية في رأيه تتطلب أن يُنظر إليها في تفردها، خارج إطار نتف المعروضات التي تجد المؤسسات الثقافية متعة في إضفائها عليها، وإقحامها في ميدان المواجهات والمقارنات والمباريات يفقدها معناها ويقلل من جدواها.

وكان لرفضه للمنظومة القائمة، أي لتلك الثقافة الخانقة التي أدانها طوال حياته، دور في تشكيل آثار متفردة، بديعة الصنع، غير خاضعة للتصنيفات وكل المصطلحات المنتهية بـ”إيّة” خلال القرن العشرين.

تمرّد منذ البداية على المواصفات الجمالية، وخلخل عالم الفن وأزال عنه هالته، بأسلوب مستحدث ومتحدّ للقيم السائدة في الوقت نفسه، ما جعل آثاره الفنية مقدّمة على سواها خلال النصف الثاني من القرن الماضي.

وإذا كان الجمهور الفرنسي قد قابل معارضه الأولى بالاستنكار والرفض، فإن هواة الفن في أميركا استقبلوها استقبالا حسنا، فيما أطرى نقادها على طاقة صاحبها الخلاقة. بعد أسابيع في الصحراء الكبرى توجها بلوحة “الجملان” استقر بنيويورك لمدة سنة، ثم عاد إلى فرنسا ليوزع وقته بين باريس وفانس على الساحل اللازوردي، سائرا على خطى ماتيس، حيث ركز اهتمامه على المواد الفقيرة واللامادية فأنجز بورتريهات يغلب عليها الغموض والالتباس سماها “دمى بشرية”.

كما اشتغل على “تجميع بصمات” بتوجيه عنايته للبرية المهملة المكسوة بالأتربة والحجارة، كما في لوحة “وادي البرية” وكذلك للأعشاب الطفيلية، كما في لوحة “الحمار التائه”.

تواصل بحثه في نطاق ما أطلق عليه ثيمة “اللحى”، حيث بدأت تظهر في أعماله خطوط معقدة يرسمها بالقلم أو الريشة، وأحيانا بقلم حبر جاف. ثم أقبل على الألوان الفاقعة ليعبر عن عالم معاصر محموم، يضل طريقه في متاهات المدينة وممرات محلاتها التجارية كما في لوحة “غاليري لافاييت”.

قبل أن ينصرف إلى الكتابة الآلية بابتكار رسوم يكشطها بمشارب حمراء وزرقاء، كانت بداية حلقة “عدسة الساعة” مثل لوحة “إبريق الشاي”. وكان لخصوماته العاصفة مع السلطة وقناعته الراسخة بأن آثار الفنان لا تفهم، إلا عبر رؤية شاملة ومعزولة، دور في التشكيلتين المعروضتين في معرض لنديرنو. فقد اختار في منتصف مسيرته أن يؤلف “وثائق مرجعية مكتملة لمن يريد دراسة تطور أشغاله”، كما عبر عن ذلك بنفسه.

فوهب عام 1967 متحف الفنون الزخرفية، وهي مؤسسة مستقلة بذاتها، مجموعة تتكون من 21 لوحة و7 منحوتات و144 رسما على الورق وعدة مطبوعات حجرية، نظرا لصداقته المتينة مع مديره فرانسوا ماتيه.

ثم بعث عام 1973 مؤسسته الخاصة لحفظ جملة من الأعمال يمكن للجمهور الاطلاع عليها، وجعلها خاضعة لتسلسل زمني يوازي تطور تجربته. وحتى وفاته عام 1985 ظل يعززها تباعا ببعض من أعماله كان ينتقيها بنفسه. هذا ووقع ترتيب المعرض وفق تسلسل زمني موزع على أربع مراحل.

الأولى، كما أسماها هو نفسه، تبدأ من مرحلة ما قبل التاريخ، وتمتد من 1918 إلى 1936، وهي مرحلة التحسس والبحث قبل القطيعة التي أحدثها، بتفضيله الانصراف إلى الفن وترك التجارة العائلية، وتنتهي إلى الخمسينات وأبرز أعماله فيها “الرجل العادي”، “بورتريهات” و”صحراء”.

والثانية، هي مرحلة الاحتفاء بالمادة، وتمتد من 1950 إلى 1961، وقد اختار العارضون منها لوحات “مشهد الذهن” و”الظواهر” و”علم النسيج” و”علم المواد”.

والثالثة هي التي أطلق عليها عدسة الساعة، من 1962 إلى 1975 وأهم ما فيها “منشآت” و”طائر البازار”.

أما الرابعة فتشمل أعوامه الأخيرة من 1975 إلى 1984 وأبرز معروضاته لهذه المرحلة لوحات “مسارح الذاكرة” و”مواقع النفس” و”أوحال ولا مكان”.

قال عنه مؤرخ الفن توماس ميسر: “كان دوبوفيه خصما لدودا للتفاخر الثقافي، ونصيرا متحمّسا لتعبير جادّ وطريف يتجاوز عالم الثقافة”.

16