جان بول سارتر عاصفة على الفكر العالمي

السبت 2014/08/09
سارتر فيلسوف الوجودية

"أوروبا الآن تتفلسف بضربات المطرقة" تلخّص هذه الكلمات التي كتبها الفيلسوف الألماني فرديريك نيتشه الحياة الفلسفية في القارة العجوز خلال القرن العشرين، ولعل أهم من كان يطرق مطرقة الفلسفة هذه وبشدة، هو الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر.

ولد جان بول سارتر في 15 مايو 1905 بمدينة باريس من أبوين فرنسيين، ربة المنزل “آن ماري شيفتزر” والضابط “جان بابتست سارتر”، توفي أبوه بعد عام من ولادته مما دفع الأم للعودة إلى بيت العائلة لينشأ سارتر ببيت جده العالم الفرنسي الشهير والموسيقي والمبشر المسيحي “ألبرت شيفتزر”. لم يكن وجود الجد في حياة الطفل سارتر عرضيا، بل أثر في وحدة سارتر الطفل وتعميق انعزاله عن المجتمع وهذا ما يورده سارتر في مقالته “الكلمات” فهو يعبر عن علاقته مع جده بقوله “كنت أبقى في المنزل بسبب أنانية جدي وموقفه الاستحواذي".

لم تنته عزلة سارتر الطفل بخروجه وأمه من بيت الجد إلى بيت زوج الأم المهندس “جوزيف مانسي” في مدينة “لاروشل”، لا بل تعمقت وتأصلت، فعلى الرغم من أن سارتر انتظم دوامه في المدرسة إلا أنه بقي بعيدا عن الطلاب “حاولت أن أشتري صداقتهم فقدمت لهم هدايا من نقود سرقتها من كيس والدتي”. في العام 1924 التحق سارتر بمدرسة المعلمين العليا، وهو أشهر معهد بفرنسا للتعليم العالي في دراسة الأدب والفلسفة، ومن يومها أصبح سارتر “ناقدا للمجتمع الفرنسي، ونظام الصفوة العالي الذي تعلمته”. تخرج سارتر من مدرسة المعلمين عام 1929 وكان ترتيبه الأول، أما صاحب المرتبة الثاني فهي “سيمون دي بوفوار” والتي ستبقى شريكة سارتر إلى النهاية.

سيق سارتر إلى الخدمة العسكرية أثناء الحرب العالمية الثانية على الرغم من أن عينه اليسرى كانت عمياء، واعتقلته القوات النازية في الحرب حاله كحال مليون ونصف مليون فرنسي، أفرج عنه فعاد إلى باريس عام 1940، ولعل تجربة الحرب العالمية هي من أهم التجارب التي أثرت في الفيلسوف الفرنسي. لم يؤطر سارتر نفسه في أي حزب من الأحزاب التي كانت منتشرة في فرنسا وعن ذلك يقول: “فوضوي ولذلك لم أنضمّ إلى أيّ حزب".


الغثيان


يمكننا القول أن أول كتاب لفت الأنظار لسارتر باعتباره فيلسوفا وأديبا يبني آراء فلسفية جديدة، ويطرق في العقل الأوروبي، هو روايته “الغثيان”، نشرها سارتر في العام 1938، ولقيت نجاحا باهرا. حمّل سارتر روايته الغثيان الكثير من مقولاته الفلسفية، فلم تكن مجرد رواية بل كانت بحق نصا فلسفيا مهّد من خلاله سارتر لفلسفته الوجودية. تدور أحداث “الغثيان” في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن العشرين في مدينة أسماها سارتر “بوفي”، وتتشابه بنية هذا المدينة مع بنية مدينة “الهافر” التي كان يدرس فيها سارتر الفلسفة بعيد تخرجه من مدرسة المعلمين العليا. “كان أهلها يبدون احتقارا للأغنياء وتعاطفا مع الفقراء ممزوجا بالسخرية” هكذا يصف سارتر بنية سكان “بوفي”. يبني سارتر روايته هذه على شكل يوميات دونتها الشخصية الرئيسية للرواية “أنطوان روكنتان”، وهو شاب أعزب يعيش في فندق، دخله ضئيل، يقوم على كتابة سيرة حياة شاب في القرن الثامن عشر هو السيد “دي دولبو”. يلازم الغثيان بطل الرواية “روكنتان” فهو لا يلمس شيئا خارج جسده إلا ويجعله يشعر بالغثيان.

المرتكز الأساسي في حديث سارتر ضمن كتابه عن الخيال، هو مسألة الحرية والتي سنراها لاحقا كإشكالية مطروقة في كل كتاباته، فانطلاقا من "أن السمة المحددة للخيال في قدرة الذهن البشري على أن يتخيل ما ليس قائما"، يؤكد سارتر أن الحرية هي صفة أصيلة في الموجود البشري


الوجودية مذهب إنساني


لم يقف سارتر عند حدود التعبير عن فلسفته بالأدب كما فعل في الغثيان، فألقى محاضرة “الوجودية مذهب إنساني” التي طبعت فيما بعد ككتاب مستقل. محاولا من خلال محاضرته هذه أن ينقل سمات فلسفته -التي كان أوردها في كتب أخرى كالوجود والعدم- وأفكاره بلغة بسيطة يفهمها القاصي والداني من جانب، ومن جانب آخر يعرف بالوجودية كمذهب إنساني لا كأيديولوجيا، فـ”الوجودية هي محاولة استخلاص النتائج المترتبة على الإلحاد الشامل”، إن فكرة انعدام وجود إله يحرك هذا الكون هي فكرة ملازمة لكتابات سارتر، وهي من الأسس التي بنى عليها فلسفته الوجودية.

سارتر لم ينضمّ إلى حزب البتة إلا أنه كان اشتراكي الهوى، فهو لا يفتأ التأكيد على “خسة النظام الرأسمالي” وهو يضع الاشتراكية كحل واضح وصريح للتنظيم الاقتصادي في العالم “النوع الوحيد من التنظيم الاقتصادي المرغوب فيه في العالم الحديث هو شكل ما من أشكال الاشتراكية”، بهذا الكلام ينأى سارتر بنفسه عن تحديد شكل محدد من أشكال الاشتراكية، بل يبقي الباب مفتوحا أمام أشكال متعددة ومتنوعة قد تثبت نفسها في المستقبل.


الخيال إشكال الفلسفة


لم تأخذ رواية “الغثيان” -على الرغم من نجاحها منقطع النظير- سارتر لكي يكون روائيا فحسب، بل تحوّل سارتر في ما بعد إلى نموذج الفيلسوف الأديب متنوع الكتابات، فهو صحافي وروائي ومسرحي وفيلسوف وسياسي، وأبرز دليل على ذلك التفات سارتر بعد “الغثيان” إلى أحدى أعمق إشكاليات الفلسفة ألا وهي الخيال. كتب سارتر كتابين عن الخيال الأول هو دراسة صغيرة بعنوان الخيال عام 1936، أما الكتاب الثاني أتى بعد “الغثيان” بعامين وهو “سيكولوجية الخيال”. إن المرتكز الأساسي في حديث سارتر في كتابه عن الخيال، هو مسألة الحرية والتي سنراها لاحقا كإشكالية مطروقة في كل كتاباته، فانطلاقا من “أن السمة المحددة للخيال في قدرة الذهن البشري على أن يتخيل ما ليس قائما”، يؤكد سارتر أن الحرية هي صفة أصيلة في الموجود البشري.

سيق سارتر إلى الخدمة العسكرية أثناء الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن عينه اليسرى كانت عمياء، واعتقلته القوات النازية في الحرب، حاله حال مليون ونصف مليون فرنسي

طالما أن الحرية هي شيء أساسي في الموجود البشري فكيف لا نلمسها أحيانا عند البعض، وكيف يمكن لنا أن نكون أحرارا؟ هذا ما يجيب عنه سارتر في كتابه “ما الأدب”، فلهذه الحرية كما يدعي سارتر ضوابط على الإنسان أن يلتزم بها حتى تتحقق حريته، أو بشكل أدق الجزء الناقص من حريته. يحاول سارتر في “ما الأدب” أن يؤكد على أن الإنسان يجب أن يكون حرا في سياق أكثر عمومية حتى تتحقق حريته، وغير ذلك سيبقى مقيدا. ويؤكد سارتر في حديثه عن الخيال أن قدرة الإنسان على تخيّل ما ليس كائنا هي التي تؤكد على أن الإنسان ليس خاضعا لنفس الحتمية التي تخضع لها باقي الموجودات كالحيوانات والنباتات “فليس لشجيرة البلوط أيّ خيار سوى أن تصبح شجرة بلوط، والجرو سوى أن يصبح كلبا” إن هذه الحتمية هي التي ينفيها سارتر عن الإنسان كأحد الموجودات في الوجود، وانتفاء هذه الحتمية هو الذي يؤكد أننا “محكومون بالحرية”، محكومون باختيار ما سنكون. فالناس “أحرار في أن تكون لهم صفات من نوع خاص اختاروا أن يتبنوها”، ويصل سارتر في تأكيده هذا على حرية الاختيار البشري إلى أن “الوجود يسبق الماهية” فأنا أكون من ثمّ أحدد ما أكون لا العكس. فقط عند الموجودات البشرية يسبق الوجود الماهية، “فنحن موجودون، ونحن أحرار قبل أن نكون أيّ شيء آخر".

أحد أهم كتب سارتر على الإطلاق كاتبه المنشور عام 1943 وهو “الوجود والعدم”، يتخذ هذا الكتاب أهميته من كون سارتر استفرغ فيه عصارة فلسفته الوجودية، كذلك فقد وصل سارتر في “الوجود والعدم” إلى نتائج متطورة عن التي كان وصل إليها في بدايات تفكيره الفلسفي، ولعل أهمّ هذه المسائل هي مسألة الحرية، وأن الحرية سمة من سمات تجربتنا التي تمكننا من أن نلعب دورا فعالا في النشاط الإنساني، كالحوار والمجادلة والتفكير والقراءة، إلخ.. “ترتبط حريتنا بواقع أننا لا نستطيع أبدا أن نهرب من وعينا بأنفسنا” هذه الفكرة التي يؤكد فيها سارتر أنه لا مهرب من وعينا لذواتنا هي إحدى الأفكار الرئيسية التي يناقشها سارتر في كتابه “الوجود والعدم” فنحن حسب رأي سارتر “واعون دائما بأنفسنا، وقادرون على تخيل الموقف المغاير، لدينا الحرية في أن نتراجع عن موقفنا ونقيمه ثم نقرر ماذا نفعل” غير أن هذا الوعي ليس ميزة بل على العكس هو عيب في الموجود البشري كما يؤكد سارتر الذي استمدّ العديد من مصطلحاته من هايدغر كمصطلح “الآخر” ليبني عليه أفكارا جديدة يغني فيها “الوجودية” ويعطيها زخما أكبر.

سارتر لم ينضم إلى حزب البتة إلا أنه كان اشتراكي الهوى، فهو لا يفتأ التأكيد على "خسة النظام الرأسمالي" وهو يضع الاشتراكية كحل واضح وصريح للتنظيم الاقتصادي في العالم


رفض نوبل


أخذت حرية الاختيار سارتر ليرفض جائزة نوبل في الآداب التي منحت له في نوفمبر عام 1964، وكان تبريره الرسمي هو أن نوبل بالنسبة إليه تشكل “اعترافا بالجدارة الأدبية من مؤسسة رسمية ينصب اهتمامها الرئيسي على تدعيم وصيانة القيم البرجوازية”. وللحق، وجب القول أن جائزة نوبل هي التي خسرت سارتر لا العكس، فغياب سارتر عن قائمتها سيجعلها دائما جائزة منقوصة.

لم تكن علاقة جان بول سارتر مع المفكرة والأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار علاقة فيلسوف بأديبة فقط، فانطلاقا من تخرجهما من المدرسة العليا وارتباطهما دون زواج، مرورا بمعجم المصطلحات الذي يصف علاقتهما وانتهاء بتشكيلهما لعلاقة تتقاطع مع قناعة كل منهما بفكرة الحرية. تمكن جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار من تكوين علاقة نابعة مما اعتقدا به وكتبا عنه. على الرغم من أن الكثير من مجتمع النخبة الفرنسي انتقد هذه العلاقة وادّعى على سارتر أنه كان مثال الذكر المتملك، وأن كل ما أبدعته دي بوفوار كان منطلقا من عالم الرجال، وهذا ما حاربته دي بوفوار بقولها “لقد أنكر النساء حريتهن بأن كن باستمرار يعاملن كموضوعات في عالم الرجل".

توفي سارتر عام 1980 عن عمر يناهز الخمسة والسبعين عاما، وقد حفر اسمه في تاريخ العقل الإنساني كفيلسوف أصيل، وأديب بليغ، ومسرحي متمكن، وسياسي حاذق تمكن من تشريح أعقد حقب أوروبا التاريخية، فكان بحق عاصفة على الفكر.

14