جان جامبون "أم الشيطان" تهدد الكيانات السياسية في الاتحاد الأوروبي

السبت 2016/04/09
جان جامبون وزير الداخلية البلجيكي الذي يقف على أرض ملغومة

بروكسل- على بعد أمتار من الساحة التاريخية التي تُعرف باسم “جراند بالاس” في العاصمة البلجيكية بروكسل، أجلس الآن وأنا أرقُب المئات من المتضامنين من كل مكان قدموا ليعلنوا وقوفهم ضد الإرهاب الذي ضرب المدينة في الثاني والعشرين من مارس الماضي، فأن تمشي اليوم في شوارع العاصمة، يعني أن تسير، برغم كل التطمينات، محاصرا بالخوف الذي بات يتسلّل إلى كل الزوايا بعد أن استفاق قلب الاتحاد الأوروبي على انفجارات هزّت صالة المغادرة في مطار زافانتيم ومحطة “مالبيك” للقطار الداخلي.

مشهد يمكن القول عنه إنه منقول بسورياليّتِه من مدن الشرق الأوسط التي تنهار أو تشهد زلازل الانفجارات المتكررة والموت الذي بات يداهم كل أرجاء المكان هناك، ولأن الحدث في الشرق يلقى صداه في الغرب، بحسب قوانين الطبيعة، فإن الإرهاب المسكوت عنه دوليا في الشرق بدأ يأخذ ملامحه المشابهة لتلك التي بدا عليها في مدن سوريا والعراق واليمن وغيرها.

الفاعل المعروف

الأمر دُبّر بلَيل. رغم أنّ كل الفرضيات تتجه إلى أن التفجيرات جاءت ردا على اعتقال صلاح عبدالسلام المتهم في أحداث اعتداءات باريس، بالرغم من وضوح الفاعل إلا أن حالة من الذهول أصابت الشارع البلجيكي خصوصا والأوروبي على وجه العموم.

ولأن الحكومات الديمقراطية التي وصلت إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع تتحمل مسؤولياتها خلال الأزمات فقَد سارع وزير النقل ووزير الأمن والداخلية البلجيكيان إلى تقديم استقالتيهما فورا إلى رئيس الوزراء. تانك الاستقالتان قوبلتا بالرفض مع إصرار الأخير على قيام الوزيرين بكامل مهماتهما حتى انتهاء الأزمة التي لا تزال ارتدادات صدماتها يعيشها الشارع في مدن المملكة البلجيكية بأقاليمها المختلفة.

جامبون اعترف بالإهمال الأمني الذي أدى إلى نجاح الإرهابيين في اختراق أهداف حساسة وتنفيذ المخطط المرسوم بدقة بالغة. وزير الداخلية سارع فورا إلى تحمل مسؤولياته وتقدّم باستقالته مباشرة إلى رئيس الحكومة شارل ميشال، الذي أظهرت بعض البيانات الأخيرة الصادرة في الصحافة البلجيكية أنه كان على قائمة المستهدفين في قائمة الاغتيالات، حيث عثر المحققون في جهاز الحاسب الآلي الخاص بإبراهيم البكراوي وهو أحد منفذي الهجمات الأخيرة، على معلومات تفصيلية حول مقر رئيس الحكومة في شاره دي لا لوَا 16، فضلا عن رسومات للمنطقة التي يقع فيها منزله.

مسلمون يتضامنون مع ضحايا الهجمات الإرهابية التي ضربت بروكسل

جامبون ولد في السادس والعشرين من أبريل لعام 1960 في مدينة جنك الواقعة في الإقليم الفلاماني بالقرب من الحدود البلجيكية مع ألمانيا وهولندا. في تلك الخاصرة الخصبة من المملكة ذات الأقاليم والثقافات المتعددة، نشأ جامبون قبل أن ينتقل للدراسة في كلية سانت برخمانس حيث تخرج من كلية علوم الكمبيوتر وليكمل دراساته العليا في جامعة أنتويربن منهيا درجة الماجستير في إدارة الأعمال في العام 1981.

بدأ حياته العملية بخطوات واثقة في مجالات عديدة حتى العام 2002 حيث بدأ اسمه يتردد في المجتمع الفلاماني باعتباره مديرا للبطاقات الائتمانية بعد انتقاله إلى القطاع المالي. وفي هذه الفترة استطاع جامبون ترسيخ قاعدته الشعبية التي أهلته في ما بعد ليكون عضوا في البرلمان الفلاماني، بحسب الدستور البلجيكي.

سياسيا بدأ حياته بين صفوف شباب الاتحاد الشعبي وكانت له آراء صادمة للكثيرين حول التسامح مع الجنود الفلامانيين الذين قاتلوا إلى جانب ألمانيا النازية في الحرب العالمية، في عام 1988 غادر هذا الحزب ليؤسس الكشافة الوطنية ويرأسها سنوات عديدة حتى شغل منصب رئيس بلدية براسخات في مقاطعة أنتويربن، علاقاته مع المجتمع المحلي وإنجازاته الداخلية على صعيد البلدية دفعت به عبر التحالف الفلمنكي الجديد إلى الحكومة في عام 2014 كنائب لرئيس مجلس الوزراء ووزير للداخلية والأمن.

الاختراق الأمني

مناصبه المتنوعة وتاريخه السياسي وإنجازاته المتعددة وضعته في مواجهة صادمة مع الاختراق الأمني الذي حدث في بروكسل مما دفعه إلى اتخاذ قراره بالاستقالة، تلك الاستقالة قابلها الوزير الأول بالرفض مصرا على استكمال مهمة التصدي للإرهاب من قبل جان جامبون الذي سارع على الفور لاقتراح خطة عاجلة لتطوير أجهزة الأمن وأساليبها.

الكثير من الذين قابلتهم “العرب” في بروكسل في اليوم الأول للهجوم وصفوا العملية التي تمّت بدقة عالية بـ”أم الشيطان”، نظرا لقيام المنفذين باستخدام مواد رخيصة تعتمد في جوهرها على المسامير وبعض الحجارة، بالإضافة إلى خليط من مساحيق التجميل النسائية.

الكثير من الذين قابلتهم "العرب" في بروكسل في اليوم الأول للهجوم وصفوا العملية التي تمت بدقة عالية بـ"أم الشيطان"، نظرا لقيام المنفذين باستخدام مواد رخيصة تعتمد في جوهرها على المسامير وبعض الحجارة، بالإضافة إلى خليط من مساحيق التجميل النسائية

تلك الخلطة كانت حائلا دون اكتشاف أمر الشحنة المتفجرة في أجهزة فحص المطار، بعد أيام سيتوصل المحققون إلى أن المادة الرئيسة في التفجير كانت تعتمد على الـ” تي إي تي بي” وهي مادة تراي أسيتون تراي بيروكسيد المتفجرة سريعة التغير والتي تم استخدامها سابقا في تفجيرات لندن عام 2005 وهجمات باريس في الثالث عشر من نوفمبر من عام 2015.

في المقابل هناك تقارير منشورة حديثا تشير إلى أن هذه المادة البلورية القابلة للانفجار بمجرد تعرضها للهب ناري مهما كان صغيرا اعتمدها تنظيم داعش على نطاق واسع في معامل ميدانية متعددة تم اكتشاف بعضها بينما يجري البحث عن كل المكامن غير المعروفة بعد، وهنا لا بد من القول إن نجم العشراوي وهو أحد الشقيقين اللذين فجّرا نفسيهما في المطار قد تخرج من كلية الهندسة بدرجة متفوقة وربما هذا ما مكّنه من القيام بمهمة تصنيع المواد التي تحتاج إلى دراية ومعرفة بطريقة تركيب المكونات.

غير بعيد عن مكتب جامبون في شارع ريو دو لا لوا 2 في بروكسل كان الإرهابيون يتّخذون من الطابق الخامس في مبنى سكني خال ضمن أحد الشوارع الهادئة في حي شيربيك مقرا للتحضير للهجمات التي وقعت في صباح اليوم التالي لاعتقال صلاح عبدالسلام المتهم الرئيس في تنفيذ وإدارة عملية هجمات باريس الأخيرة.

ربما هنا نلمس حقيقة صعوبة مهمة جان جامبون الحالية في فرض الحصار على المواد التي تم استخدامها في التفجيرات الأخيرة خاصة في ظل توافرها بكثرة في المدن الأوروبية، حيث أنها لا تحمل أي إشارات تشي بأنه يمكن استخدامها ضمن نطاقات عسكرية أو أعمال قتالية، كتلك التي عرفها الأوروبيون من خلال عمليات الجيش الجمهوري الأيرلندي مثلا.

على صعيد آخر تظهر عقبات تتعلق بإحكام الخناق على الأماكن التي يشتبه بها من خلال عمليات مداهمة منظمة لا تزال أجهزة الشرطة والأمن البلجيكية تقوم بها حتى اللحظة في أماكن متعددة من العاصمة، هذا ما يمكن لمسه فورا بمجرد رؤية سيارات الجيش في الأماكن الحساسة كمحطات القطارات الرئيسية أو ساحة شومان بالاس التي يقع في قلبها مبنى المفوضية الأوروبية والكثير من المنظمات الدولية.

الخطر القائم عند جامبون

بلجيكا تعيش حالة استنفار حولت البلاد إلى ساحة حرب بانتظار السيطرة على البؤر الإرهابية المجهولة

رغم أن جامبون ينتهج الحذر في خططه الأمنية المُعلنة قبل وبعد القبض على صلاح عبدالسلام إلا أنه يبدو مقتنعا من خلال إطلالاته التلفزيونية بأنَّ الخطر لا يزال قائما عبر خلايا نائمة، لذلك نرى اليوم تشديدا أمنيا يطول البلديات المنتشرة على قنال بروكسل العاصمة وصولا إلى اعتبار تلك الأماكن مناطق باردة، بحسب تحليل المخاطر، الرجل الذي يبدو دائما هادئ الحضور استطاع خلال الشهور القليلة الماضية أن يحظى بشعبية واسعة أضافت إلى حضوره مصداقية لدى المتلقي. مواقف باشرها بالاعتراف بالتقصير في عمل وحدات الأمن في العاصمة حيث عزا ذلك إلى نظام وآلية الحكم في البلاد، ففي بروكسل مثلا هناك ستة أقسام شرطة فقط تقوم بتغطية وتأمين تسع عشرة مقاطعة وتتكفّل بالتنسيق مع تسعة عشر رئيس بلدية في الوقت ذاته، وهذا أمر مرهق ويستنزف الجهد والوقت معا، بحسب جامبون.

الإرهاب في الغرب

مقابل التخطيط عالي المستوى الذي بدت عليه الهجمات الأخيرة التي ضربت بروكسل فإن وزير الداخلية البلجيكي جان جامبون يدرك أن مشاركة العديد من قطاعات المجتمع ذات الثقافات المختلفة ستنعكس إيجابا على سرعة عودة الحياة إلى شرايين المدينة الحيوية، وفي ذات الوقت يرى جامبون أن الخطر الأكبر يأتي مما يقارب 516 بلجيكيا يقاتلون بين صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

أمام هذه المعادلة يبرز المفصل الرئيس في القضية الشائكة بين الغرب والشرق، فالغرب الذي أغمض عينه مراراً عن الدكتاتوريات في الشرق بل وصل الحال به إلى دعمها في الكثير من المراحل والسنوات الغابرة، وقف على الحياد متفرجا أمام تعقيدات الملف السوري والعراقي، وهذا التقاعس هو بالضبط ما أدى إلى النتائج التي يجني ثمارها الأوروبيون اليوم.

الإرهابيون الذين يعرفون شوارع المدن الأوروبية ويحملون منها ذاكرة كاملة لم يأتوا من الشرق بل ضربوا جذورهم هنا قبل أن يتحولوا إلى أعداء للمكان الذي ضمّهم وهم صغار، معادلة لا يمكن فهمها إلا في منطق الإجرام الذي يجب على الجميع التكاتف والتعاضد في الغرب والشرق لإنهائه وتجفيف ينابيعه.

12