جان جينيه منتقدا كافكا

الاثنين 2014/05/19
جينيه: حين تقرأ كافكا تشعر كم هو ذابل

في أكتوبر من عام 1960، أرسل الكاتب الفرنسي الكبير جان جينيه رسالة إلى مترجمه الأميركي بارنارد فريتشمان مضمّنا إيّاها رأيه في الكاتب التشيكي فرانز كافكا.

يقول جان جينيه في الرسالة: “يا للحزن! ليس بمقدوري أن أفعل شيئا مع كافكا هذا! وكلّما حاولت الاقتراب منه، ازداد ابتعادا عنّي. أنا أفهم جيّدا قلقه وفزعه، غير أني لا أحسّ بهما على الإطلاق. وإذ يبدو مهووسا بوجود كينونة لا يمكن إدراك سرّها، وسلطة قضائيّة نجهل نحن عنها كلّ شيء، فإنني على العكس، أشعر أني مسؤول عن كلّ ما أفعل، وحتى عن ذلك الذي يحدث لغيري. أنا لا أحسّ أبدا بأنني خاضع لقوى لامرئيّة، وغير محسوسة.

وحتى إذا ما حاولت أن أخترع تلك القوى، أو أن أبحث عنها، أو أن أكتشفها، فإن محاولاتي تفضي إلى فشل ذريع. وكلّ شيء يبرز ليؤكد لي بأني الوحيد المسؤول، والحَكَم المطلق. وهذه “الأنا” المسؤولة، وهذا الحَكَم المطلق ليسا خارج نفسي، بل هما ذاتي نفسها. سأحاول أن أقدّم تفسيرا لما سبق أن ذكرت بعد أن حوكمت من قبل محاكم قضائيّة حقيقيّة وليست متخيّله!. ولكي أتمكّن من مواصلة حياتي بالطريقة التي أشتهيها، كان عليّ أن أبتكر وجودي، وأن أولد بقرار نابع من سلطتي، ومن قوّتي. وكان هذا بمثابة فعل تحرّري كان عليه أن يتجدّد في كلّ لحظة”.

ويواصل جينيه: “أتحدث بالخصوص عن رواية لكافكا بعنوان”المحاكمة”. هناك احتمال أن يكون المتّهم والمحكمة موجوديْن داخل كافكا نفسه، أي أنهما متعايشان. واعتمادا على هذا يمكننا القول إن كافكا هو المتهم والمحكمة في نفس الوقت! أمّا أنا فقد كنت في هذا العالم متّهما حقيقيّا أمام محكمة حقيقية.

إنّ كلّ الثيمات في أعمال كافكا سواء كان ذلك في “المحاكمة”،أو في “المسخ”، أو “إصلاحيّة الأحداث” تبدو لي وكأنها تجسيد، وتعبير عن هذا الهوس. وإذا ما كان لأعمال كافكا وقْع في هذا العصر، وليس لها أيّ وقْع عليّ أنا، فلأني لا أنتسب إلى هذا العصر”.

ويتابع جينيه: “إن مأساتي الشخصيّة، والطبيعة الخاصة للمنفى الذي عشته، وأعيشه، واللعنة التي لاحقتني زمنا طويلا انتشلتني جميعها خارج العصر. غير أن هذا لا يمنع أن كافكا فنّان عظيم.

وما يغيظني حقّا هو أنني لم أستطع إلى حدّ هذه الساعة النفاذ إلى داخل أعمال كافكا التي قيل إنها جميلة، رغم تداخل الرموز، وتشابكها، والجفاف التحليلي الذي سرعان ما يتعبنا، ويرهقنا. وقد تكون التراجم مسؤولة عن هذا الأمر، غير أن ما يحدث لجوزيف كـ”بطل رواية المحاكمة” لا يعنيني لا من قريب ولا من بعيد، لأن هذا لا يحدث لـ”أحد” معيّن”.

ويختم جان جينيه الرسالة بقوله: “أريد ان أقول إن حساسيّة كافكا تأتي إليّ دون أن تكون محميّة بفنه. ومع ذلك فإن فنّ الكاتب هو وحده الجدير بالإعجاب. ويعني ذلك قدرته على السيطرة على حساسيته، وعلى استخدامها من أجل هدف كونيّ. ولكن حين نقرأ كافكا، نشعر كم هو ذابل، وكم هو بشع ذلك الأدب الذي ولد تحت تأثيره! أنا بانتظار ردّ فعل. كثيرون هم أولئك الذين ظنّوا أنهم ملاحقون. وتحت تأثير ذلك كتبوا أدبا لم يخلّف أيّ أثر!؟”

14