جان دوست: هل ترسو سفينة القلق بي في ميناء الرواية

الجمعة 2014/08/08
دوست: أكاد أقول العربية لغتي الأم

إيسن- (ألمانيا)- جان دوست، الذي بدأ شاعرا موهوبا لافتا، ويكتب الدراسة الأدبية، وله عدد من الأعمال الأدبية التي ترجمها إلى العربية، هو من هؤلاء المبدعين المجتهدين الذين أبدعوا في أكثر من مجال، وعلى حد سواء، يؤهله لذلك عمق موهبته، وحساسيته، بل وثقافته الواسعة، وإتقانه لعدد من اللغات كالعربية والألمانية والفارسية والكردية. “العرب” التقت بجان دوست لتتحدث إليه حول مجمل تجربته، ومسوغات توزعه بين أكثر من مجال إبداعي، بالإضافة إلى مناولة خاصة بعمله الروائي الجديد، فكان هذا الحوار.

أثارت رواية “عشيق المترجم” للروائي جان دوست، التي صدرت مؤخرا عن “دار ورق” في دبي سنة 2014، وهي الرواية الأولى له باللغة العربية، بعد سلسلة من الروايات التي كتبها باللغة الكردية الأم، وإن كان يعتبر أن العربية، نفسها، لغته الأم، كما يصرح بذلك، وذلك لأنه ولد في بيت علم وثقافة ودين في بلدة “كوباني”، (عين العرب) التابعة لمحافظة حلب، عام 1965، وكانت قراءاته وكتاباته الأولى بهذه اللغة.


تسامح الديانات


تناولت روايته الجديدة “فضاءات جد حساسة”، وهي فكرة “تسامح الديانات”، بما يرتقي إلى مستوى أسئلة اللحظة المعيشة، لا سيما وأننا نلاحظ هذا المدّ العنفي الذي تتم محاولة تسويغه ضمن الفضاء الديني، لتكون للروائي إجاباته التي يمكن استشفافها بيسر، كظلال لرؤية شاملة، تسجل لصالح الرواية، من خلال تفاعل أبطاله في مختبره الروائي، وهم ينتمون إلى أكثر من ديانة، بسلاسة، ولربما أن لتربية الكاتب الأولى في كنف أسرة دينية معروفة العلاقة دورا في اختيار مناخات هذه الرواية، وعوالمها المتخيلة، كرواية تاريخية تحاكي الحاضر بامتياز.

إلى جانب هذه الرواية، صدر لجان دوست، والمقيم في مدينة بوخوم الألمانية، حتى الآن حوالي عشرين كتابا، لتكون المجموعة الشعرية إلى جانب القاموس اللغوي، إلى جانب الكتاب الموسوعي، إلى جانب الكتاب التاريخي أو الروائي، ومن بين هذه الإنتاجات “مم وزين” (1995)، و”أنشودة المطر- ترجمة مختارات من شعرالسياب” (1996) و”مهاباد إلى أولمبياد الله” (1996) و”شرح مم وزين باللغة الكردية” (2010) و”قاموس كردستاني باللغة الكردية” (2010) و”رماد الجن- مختارات من القصة الكردية القصيرة” (2013)، وقد نال عليها جائزة دمشق للفكر والإبداع.

روايات جان دوست تظهر ثقافته الواسعة، وتوغله في بحار التاريخ، في ما يتعلق بفضاء أي عمل جديد


العربية لغتي


صدرت روايته الأخيرة “عشيق المترجم” باللغة العربية، بعد أن بدأ مشروعه الروائي باللغة الكردية، فماذا أراد أن يقول عبر ذلك؟، يعلق دوست قائلا: «العربية لغتي، وأكاد أقول: “إنها لغتي الأم” فقد تعلمتها باكرا حتى قبل أن أذهب إلى المدرسة في سن السادسة، تعلمتها على يد والدي إمام المسجد الصغير في بلدة كوباني التابعة لحلب، لقد تراكم لدي معجم كبير من اللغة العربية ومفرداتها وتراكيبها الجميلة وازدحم بها خيالي، فكان لا بدّ من عمل إبداعي بهذه اللغة، شيء آخر أثر في كتابتي باللغة العربية، هو مجزرة عامودا فقد أخرستني وجعلتني أذهل عن لغتي فلجأت إلى التعبير بما اختزنته ذاكرتي منذ عشرات السنين».

لوحظ على روايته أنها تطرح فكرة تسامح الأديان، فهل مازال يعول على الأدب والفن كي يلعبا دورهما رغم أننا نجد أنه في زمن الأسلحة المتطورة باتت لغة الجمال تنحسر تدريجيا، في هذا الشان يقول دوست: «بعيدا عن التعويل على الأدب والفن، فما يكتبه المبدع ليس سوى صرخة قد تصادف آذانا صاغية. لا يمكن أن نسكت عن التطرف والإرهاب، علينا أن نكافح ونناضل في سبيل إبراز قيم التسامح في كل دين. لغة الجمال لا تنحسر، إنما مساحة رؤيتها تضيق بسبب تراكم الأيديولوجيات العنفية التي تزخر بها منطقتنا للأسف ».

كتب جان دوست الشعر والرواية والمقال، وباللغتين العربية والكردية، ناهيك عن الاشتغال على ما هو معجمي والترجمة عن لغات عدة، أي كل هؤلاء هو جان دوست؟ يجيب قائلا: «أنا كل هؤلاء. أنا الباحث في الرواية، والشاعر في البحث، والروائي في الشعر، والمعجمي في كل من الرواية والشعر والبحث. هذا عالم واحد، أنا أنتقل بين هذه الأجناس كما ينتقل البستاني بين شجيراته».

ما يكتبه المبدع ليس سوى صرخة قد تصادف آذانا صاغية

هذا التنقل من جنس أدبي إلى آخر أليس نتاج قلق ما؟ وماذا عن المقال الذي تكتبه وينعته بعضهم بـ”الانفعالية”؟ يعقب دوست بقوله: «بالتأكيد لا بدّ من القلق، فالقلق حافز الإبداع الأول والأخير، وأرجو أن ترسو بي سفينة القلق أخيرا في ميناء الرواية. بالنسبة للانفعال أنا شخص انفعالي للأسف، أثور وأغضب وأدوّن ما أشعر به فورا». على صفحته الفيسبوكية يجد متابعه بعض المنشورات -البوستات المكثفة- أليس هذا تفسير لوجود مسافة بين لغة الرواية والنص المكثف؟ ثم ماذا عن الشعر؟ هل ترك كتابته بلا رجعة؟ عن هذه المسائل يجيب دوست قائلا: «الشعر لا يتركني، الشعر دخل خفية إلى رواياتي فلم أزجره، وجدته رفيقا لطيفا يغويني ويرشدني إلى عالم مكثف جميل أتكئ عليه في البناء الروائي كثيرا».


الأدب الكردي


هناك من يقلل من قيمة الإبداع المكتوب بغير لغته الأصلية، عن هذا الموضوع يقول دوست: «هؤلاء يقللون من قيمة كافكا وكونديرا وسيوران وأمين معلوف وشيركو فتاح وغيرهم كثير. الإبداع إبداع بأيّة لغة كان، لكن في الحالة الكردية هناك اتفاق على ضرورة الاهتمام باللغة الأم ورعايتها لكونها همشت كثيرا وتعرضت لمحاولات التدمير الممنهج».

فاز جان دوست بجوائز عديدة، وهو في إحدى لجان جوائز الإبداع، فكيف تقيّم مثل هذه الجوائز؟، يقول دوست: «الجوائز من ضرورات إنعاش الفضاء الإبداعي، ولا بدّ منها لكي تتبارى الأقلام وتحفز الآخرين على الاهتمام بما ينشر».

وعن مشاريعه المستقبلية وعن التفاعل بين الأدب الكردي وآداب الشعوب الأخرى، يتحدّث دوست: «أكتب الآن الجزء الثاني من رواية عشيق المترجم. وعن الأدب الكردي أعتقد أنه ليس هناك تفاعل جدي بينه وبين الآداب الأخرى، هناك غض نظر مقصود أو غير مقصود عن الأدب الكردي، لا بدّ من آليات تجعل الآداب الأخرى تنفتح على الأدب الكردي وهو الأقرب لآداب المنطقة من الأدب التشيلي مثلا».

ثمة من يرى أننا نعيش عصر الرواية وأن الشعر قد انحسر بل غاب ماذا تقول هنا؟، يعقّب قائلا: «هذا صحيح إلى درجة كبيرة، الشعر انزاح لكنه كما قلت استطاع التسلل إلى الرواية، ليست هناك رواية قوية دون أن يكون فيها كمٌ كبيرٌ من قبس الشعر».

15