جان دوست يروي على طريقة الحكواتي والمستمع غلام يدون

الاثنين 2014/10/06
يتناول جان دوست التصوف كجامع للبشر وطريقا للوصول إلى الله

يتناول الروائيّ السوريّ الكرديّ جان دوست في روايته “عشيق المترجم”، الصادرة حديثا عن “دار ورق”، الإماراتية، جوانب من حوار الأديان والحضارات، يعود إلى القرن الثامن عشر الميلادي ليرصد تفاصيل رحلة بطله محمد عشيق الدين الأنطاكي المشهور باسم عشيق المترجم ابن التاجر رشدي الشركسي الأنطاكي، من أنطاكيا إلى روما صحبة أحد الرهبان وبضعة مبتعثين من عدّة أمصار تابعة للسلطنة العثمانية.

جان دوست الذي ألّف عدة روايات باللغة الكردية، وترجم بنفسه روايته “ميرنامة.. الشاعر والأمير” من الكردية إلى العربيّة، كتب روايته “عشيق المترجم” بالعربيّة، وتزامنت في الوقت نفسه مع نشر رواية أخرى له بالعربية بعنوان “دم على المئذنة”.

يثير عنوان الرواية -التي نشرتها دار ورق بدبي أخيرا- بعض الالتباس بداية، حيث يوحي أنّ للمترجم المفترض عشيقا ما، بحيث يخطر على البال جانب من علاقة شاذّة، في حين أنّ عشيق هو اسم بطل الرواية، ولفظ المترجم صفته، وإذ لا يخلو العنوان من إثارة في إيحائه، وتضمنه لجانب من إيهام باللبس، فلعل ذلك هادف للتحفيز على القراءة والاكتشاف.


تجسير الفجوات


“عشيق المترجم” هي جــزء أول من ثنائيـة، حسب ما يؤكّد الكاتب في بداية عمله، وينقسم العمل إلى سبعة فصول، يبدو كلّ فصل مخصوصا لليلة حسب ما يتبدّى في السرد، إذ أنّ حكي المترجم العجوز عشيق لغلامه يونس بن إيبش الألباني الذي يدوّن الحكايات على ضوء الشموع والسراج، فيه تسلسل لنقل قصص عدد من الأشخاص الذين يشكّلون تفاصيل لوحته التي يلوّنها بعدد من أطياف الشرق والغرب، سواء الدينية أو الإثنية.

يتحرك جان دوست في فلك مواطنه سليم بركات، ويبدو متأثرا ومتدثرا بـ"عباءته" الروائية

يؤكّد الكاتب جان دوست على أنّ الحبّ هو مخلّص البشريّة من العداء المستشري بالتقادم، وأنّه الوسيلة الوحيدة لتجسير الفجوات وردم الهوى المتكـــاثرة بين البشر الذين يتقوقع قسم منهم على نفسه، بحيث يتوهّم أنّه أصبح جزيرة منعزلة عن غيره، ويظنّ أنّه يستطيع العيـش بمعزل عن التأثيرات المتبـــادلة، أو أن يكتفي بما لديــه دون تلاقح وتعـــاون وتكاتف للانطلاق نحو المستقبـــل، متخفّفا من أحقاد الماضي ومن إرث العداء والأحكام المسبقة المتوارثة.

قصص الحبّ في الرواية، وإن كانت مبتورة، لكنّها تثني على جانب المحبّة وصفاء القلب والسريرة، فالحوذي الكردي بوزان يعشق فتاة عربية، ويكاد يصاب بالجنون جرّاء عشقه اللامحدود لها، وهي قصة يستعيدها من أيام شبابه ليخفف عن المترجم المستقبليّ أحزانه التي تثقل كاهله، حين يكون بصدد السفر لتعلّم اللغات في روما، ويهجر حبيبته إستير، التي تارة يقول إنّها أرمنية، وتارة أخرى يصفها بأنّها يهوديّة.

يتناول الروائي التصوّف كجامع للبشر وطريقا للوصول إلى الله، وذلك من خلال شخصية سراج الدرويش، ذاك الذي يبني فلسفة إنسانيّة بسيطة تعتمد على البحث عن الجواهر وعدم الالتفات إلى القشور، بحيث يكون التأطير تقييدا للعقول والبشر، وبالتالي ينتج نوعا من المتعادين الذين يضمرون العداء لبعضهم بعضا، في حين أنّ الدين يوجب نشر المحبّة والسلام بين الناس، ونشر دعوته المبنية على وجوب عدم زعم أيّ طرف احتكار الله، واحتكار الحقّ والعدالة والقيم الإنسانيّة كلّها.

يبني جان دوست روايته على طريقة الحكواتي

ينقل الكاتب صورا من الحياة السياسية والاقتصادية والسياسية في القرن الثامن عشر، إن كان من جانب الصراع المحتدم بين الإمبراطورية العثمانية والغرب، أو في ما بين الناس من مختلف الملل والنحل، وكذلك يثير جانبا من التداعيات الاجتماعية التي كانت تفرضها القرارات السياسية.

ويبرز كيف أن التواصل بين الشرق والغرب لم ينقطع، وكيف أن “فتيان اللغة” أولئك المبتعثين لتعلّم اللغات والترجمة، يصبحون سفراء، وذلك بالموازاة مع الحركة التجارية النشيطة عبر البحار والمحيطات، والتقارب الدائم بحثا عن صيغ للتفاهم، وتبديد الخلافات القائمة، أو الحدّ منها وتحجيمها، تلك الخلافات المتعاظمة بفعل الأطماع الاستعمارية ورغبات الهيمنة والتحكّم في الآخر.


عباءة بركات


يرسم جان دوست صورة تاريخية للمرحلة التي يتناولها، وهو الذي سبق أن اهتمّ بالتاريخ إلى حدّ بدا شغوفا به في أكثر من مؤلف من أعماله. سواء في روايته “مهاباد.. في بلاد الضباب” أو في روايته “ميرنامة”.

يحاول جان دوست أن ينسج تآلفا بين عدد من الانتماءات والمكوّنات، فيحضر لديه المسلم والمسيحي واليهودي، بالموازاة مع الحضور الإثني، الشركسي والكردي والأرمني والعربي والسرياني والإيطالي والأنكليزي والتركي والألباني، بحيث تتشعّب الصور وتتصادى الحكايات وتتلاقى الحضارات والثقافات لتنتج الإنسان المتصالح مع نفسه وقومه، المتقبّل للآخر المختلف عنه، الراغب في تشييد بنيان الحضارة مع غيره، بعيدا عن التعصّب والنبذ والتفريق والتهميش والتكفير.

في الجانب الفني، يبني جان دوست روايته على طريقة الحكواتي الذي يملي حكاياته على غلامه المطيع المعجب به، حيث يكون المترجم العجوز مركز الحكايات والفاصل الواصل بينها، يسردها فيتلقّفها الغلام ويدوّنها، ثمّ تراه أحيانا يلجأ إلى النهوض بدور السارد والكاتب معا، وذلك حين ينوي الاعتراف بما يبيّت نيّة عدم التصريح به. وسلسلة الحكايات تنهض على قصص قصيرة متتالية عن أناس فرضت الرؤية الفكرية للكاتب عليهم التواجد في طريق المترجم ليكونوا أدلّاءه إلى أقوامهم، أو يكون هو دليلهم إلى الآخرين مبدّدا الصور النمطية عنهم. يتحرّك جان دوست في فلك مواطنه سليم بركات، ويبدو متأثّرا ومتدثّرا بـ”عباءته” الروائيّة، ولا سيّما من خلال اللغة التي يحاول اعتماد جمل طويلة فيها، واستعمال كلمات متروكة، وكذلك استخدام الأسماء والصفات والنسب، والتركيز على التعريفات التي تجمع الغرابة إلى جانب المفارقة.

14