جان كلود يونكر ابن عامل بسيط يواجه تقاليد القارة العجوز

السبت 2015/10/03
جان كلود يونكر ولحظة "الفرصة الأوروبية الأخيرة"

نقلت صورة الغرق الشهيرة للطفل السوري إيلان قضية المهجرين إلى أوروبا لتصبح خبراً عاجلاً، وتتصدر صورته الصفحات الرئيسة لكبريات الصحف العالمية، وأخذ النقاش حول موضوع “الهجرة” يحتل حيزاً كبيراً في نقاشات المسؤولين الأوروبيين، فتجاوز الأمر في بعض جوانبه تلك النواحي الاقتصادية والاتفاقيات الدولية ليصل إلى نواح أكثر تشعباً وخصوصية، وخاصة منذ أن قرع رئيس الوزراء المجري ناقوس خطر معلناً أن هؤلاء الوافدين والذين يشكل المسلمون النسبة الأكبر منهم يشكلون خطراً على هوية أوروبا المسيحية، لقد قال وبكل صراحة “هذه قضية مهمة لأن أوروبا والهوية الأوروبية لهما جذور مسيحية”. مشدداً على أنه إذا تم تجاهل ذلك الأمر فقد يجد الفكر الأوروبي ذاته أقلية في قارتنا”.

لقد نظر الكثيرون إلى هذا التصريح المباشر على أنه لا يخلو من العنصرية، وأن دول أوروبا لا يمكن أن تتعامل مع الموضوع بهذه الطريقة، إذ لا يمكن للدول التي تضع نفسها في مقدمة الدول المنادية بحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة أن تغلق أبوابها في وجه طالب لجوء أياً تكن ديانته وأياً يكن توجهه السياسي.

معتقدات اللاجئين وفلسفة أوروبا

لم تمر أيام على ما قاله رئيس الوزراء المجري حتى حسم رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر هذا الموضوع بشكل نهائي وهاجم وإن بشكل غير مباشر هذه النظرة من جانب واحد إلى قضية اللاجئين، وقال يونكر في خطابه الأول حول حالة الاتحاد الأوروبي “ليس هناك معتقد أو فلسفة حين يتعلق الأمر باللاجئين، إننا لا نميز”.

قال يونكر إن أوروبا التي يريد أن يعيش فيها هي تلك التي تصفق للاجئين في المحطات. وهي خباز جزيرة كوص اليونانية الذي يوزع الخبز على اللاجئين وليست أوروبا التي تطرد مراكب الموت البائسة وتُضرم النيران في مراكز استقبال اللاجئين وتدير ظهرها لـ”اليائسين”.

ليعلن بعده أن أوروبا مستعدة لاستقبال 160 ألف لاجئ، جان كلود يونكر القادم من حزب الشعب المسيحي في بلاده، اعتبر أن إقامة الجدران في وجوه اللاجئين أمر مرفوض ولا يمكن القبول به في أوروبا التي يرأس مفوضيتها، وقد تقاسمت الدول الأوروبية حصصها رغم اعتراض بعضها على نظام الحصص، بل ولجوء دول أخرى إلى المحكمة الأوروبية للاعتراض على ذلك.

أزمة اليونان تمثل واحدة من أكبر التحديات أمام صاحب حلم الوحدة الأوروبية الذي حذر وفي مرات عديدة من أن خروج اليونان من منطقة اليورو سيسبب مشكلات في أوروبا أكثر مما يساهم في حلها، قائلا إنه في اليوم الذي ستخرج فيه دولة من منطقة اليورو ستترسخ في الأذهان فكرة أن اليورو قابل للانتكاس

ولعل مسألة اللاجئين لم تكن أولى الملفات الصعبة التي يتصدى لها يونكر، وينجح في تخطيها، فقد عايش يونكر التحول الكبير للاتحاد وفشل المعاهدة التأسيسية في العام 2005 وبدء تطبيق “معاهدة لشبونة” بعد أربع سنوات واعتماد العملة الموحدة ثم أزمة الديون وإنقاذ اليورو وهي مهمة كرس لها جهوداً كبيراً على رأس مجموعة “يوروغروب”.

ولد يونكر عام 1954 في لوكسمبروغ، البلد الصغير بين فرنسا وألمانيا وإحدى الدول الست المؤسسة للاتحاد الأوروبي.

عاش في كنف عائلة بسيطة، فوالده كان نقابياً ويعمل في مصنع للفولاذ بلوكسمبورغ، فيما قضى شبابه في مدينة “بيلفو” حيث درس القانون وترعرع في عالم العمال البسطاء وتأثر كثيرا بهم حيث اكتشف معنى العدالة الاجتماعية ومعنى الكرامة والقيم الإنسانية حسب تعبيره.

حصل على درجة الماجستير في القانون من جامعة ستراسبورغ عام 1979، وأدى اليمين عام 1980. ومع ذلك، فإنه لم يمارس مهنة المحاماة على الإطلاق، انضم عام 1974 إلى حزب الشعب المسيحي الاجتماعي وأصبح بعد سنوات السكرتير البرلماني للحزب، ثم انتخب رئيساً للحزب بداية تسعينات القرن العشرين، وكان قد عيّن وزير دولة لشؤون العمل والضمان الاجتماعي، ووزيراً للعمل وبعد الانتخابات البرلمانية عام 1989، عيّن وزيراً للمالية.

مهندس اتفاقية ماستريخت

عام 1995 اختير جاك سانتير رئيس وزراء لوكسمبورغ رئيساً للجنة الأوروبية من قبل مجلس الاتحاد الأوروبي، فحلّ يونكر في منصب رئيس الوزراء محتفظاً بحقيبة المالية في عهدته.

شارك يونكر في مجلس الشؤون المالية والاقتصادية الأوروبي وكان أحد مهندسي اتفاقية ماستريخت. وشغل منصب رئيس مؤسسة يوروغورب الأوروبية التي تضم جميع وزراء المالية الأوروبيين، وساهم في إعداد وتطبيق سياسات التقشف التي نسبت لاحقاً إلى المفوضية الأوروبية.

بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 1999 والتي فاز فيها حزب الشعب المسيحي الاجتماعي، أعيد اختياره لرئاسة الحكومة الجديدة، وظل محتفظاً بحقيبتي المالية والاتصالات.

عام 2004 تم انتخاب جان كلود يونكر رئيساً لمجموعة اليورو، لمدة عامين ليصبح بذلك أول رئيس دائم. وأعيد تعيينه لاحقاً ثلاث مرات متتالية.

التحول الكبير للاتحاد الأوروبي وفشل المعاهدة التأسيسية يعايشه يونكر بحذافيره ويعرف مخاطر العلاقات الأوروبية-الأوروبية لا سيما مع بدء تطبيق "معاهدة لشبونة" واعتماد العملة الموحدة ثم أزمة الديون وإنقاذ اليورو وهي مهمة كرس لها جهودا كبيرة على رأس مجموعة "يوروغروب"

طيلة سنوات، كان يُعرف بحس الفكاهة اللاذع أحياناً وبصراحته المباشرة التي لم يتردد في استخدامها ضد دول كبرى، فرفض أن تملي فرنسا وألمانيا شروطهما على سائر دول الاتحاد، كما ذكّر باريس بضرورة الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه خزينة الاتحاد وطالب برلين بإبداء تضامن أكبر مع الدول التي تمرّ بأزمات.

وجه يونكر في يونيو عام 2005 انتقاداً لاذعاً لما وصفه بالمصالح الخسيسة والدنيئة التي تخفيها المعارضة البريطانية لمشروع إقامة دولة مهيمنة أوروبياً، وقد هاجمته الصحافة البريطانية بشدة واعتبرت خطابه أمام البرلمان الأوروبي هجوماً معادياً للمملكة المتحدة.

لكن يونكر الذي يتقن فنّ المراوغة ويعرف كيف يتهرب من أسئلة الصحفيين. ركز على تعزيز البناء الأوروبي مع رؤية وحدوية كانت وراء منحه في العام 2006 “جائزة شارلمان” للوحدة الأوروبية.

قبيل انتخابه رئيساً للمفوضية الأوروبية قال يونكر أمام البرلمان الأوروبي “إن هذه المفوضية ستكون مفوضية الفرصة الأخيرة”، مضيفاً “إما أن ننجح في تقريب المواطنين من أوروبا وتقليص مستوى البطالة بشكل كبير وإعادة إعطاء فرص للشبان، و إما أن نفشل”.

وقد مثلت أزمة اليونان واحدة من أكبر التحديات أمام صاحب حلم الوحدة الأوروبية الذي حذّر وفي مرات عديدة من أن خروج اليونان من منطقة اليورو سيسبب مشكلات في أوروبا أكثر مما يساهم في حلها.

وقال إنه في اليوم الذي ستخرج فيه دولة من منطقة اليورو ستترسخ في الأذهان فكرة أن اليورو قابل للانتكاس.

بوتين وكل ما يزعج أوروبا

عام 2013 أعلن جان كلود يونكر استقالة حكومته في أعقاب فضيحة بشأن الخدمات، وعلى الرغم من تمكن حزبه من الفوز بغالبية الأصوات في الانتخابات البرلمانية، لكن فضيحة الحكومة أثّرت عليه ففقد عدداً كبيراً من أصوات الناخبين وهذا ما جعله يغادر منصب رئيس الحكومة، ويرشّح نفسه لرئاسة المفوضية الأوروبية على الرغم من التحفظ البريطاني الكبير على هذا الترشيح المدعوم من قبل عدد كبير من القادة الأوروبيين.

يونكر يتذكر كيف أنه كان قد ولد في عائلة بسيطة، فوالده كان نقابيا ويعمل في مصنع للفولاذ بلوكسمبورغ، فيما قضى شبابه في مدينة "بيلفو" حيث درس القانون وترعرع في عالم العمال البسطاء وتأثر كثيرا بهم حيث اكتشف معنى العدالة الاجتماعية ومعنى الكرامة والقيم الإنسانية حسب تعبيره

وقد اختير خلفاً للبرتغالي مانويل باروزو الذي سجلت ولايته على مدى عشر سنوات على رأس المؤسسة توسيعاً للاتحاد الأوروبي ليرتفع عدد أعضائه من 15 الى 28، ثم أزمة اليورو وما يرافقها من سياسات تقشف وبطالة. وقد أتت حصيلة هذه الولاية الطويلة متباينة ومثيرة للجدل كما يتبين من تنامي قوة الرافضين لأوروبا أثناء الانتخابات الأوروبية.

على النقيض من مواقف أوروبية عديدة، ظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤيداً لترشيح يونكر رئيساً للمفوضية الأوروبية، وعبّر عن أمله في تطور العلاقات مع المفوضية الأوروبية رغم الصعوبات، وهنأ، حينها، يونكر بانتخابه رئيسا جديدا للمفوضية الأوروبية. وأعرب في برقية التهنئة عن أمله بتطور العلاقات بين روسيا والمفوضية بروح الشراكة الاستراتيجية على الرغم من الصعوبات التي تشهدها.

وأشار بوتين في البرقية إلى أن العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي تتعرض لـ”اختبار جدّيّ”، وأعرب عن ثقته بأن سمعة يونكر وخبرته الكبيرة ستساعدان العمل البنّاء للمفوضية الأوروبية وستساهمان في تعزيز الصلات بين روسيا والاتحاد.

إلا أن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون كان قد ندّد باختيار يونكر وشنّ حملة ضدّه معتبراً أنه رجل من الماضي، وهو شخص غير مناسب لتولي رئاسة المفوضية الأوروبية.

وقد حذت الصحف البريطانية حذو رئيس الوزراء كاميرون وقالت إن هذا المدخن الشره والذي يفرط في شرب الكحول لا يمكن أن يكون رئيساً للمفوضية الأوروبية.

يعرف يونكر ما يقول، حين يسمّيها مفوضية الفرصة الأخيرة، وهو الذي يدرك حقيقة المشاكل الكبرى التي تواجهها أوروبا، التي وصفها بوش الابن بأنها “العالم القديم” والتي تقع اليوم بين فكي روسيا والولايات المتحدة والشرق الأوسط الملتهب، فالأزمات التي يتسبب بها بوتين وحلفاؤه يدفعها أوباما إلى عمق أوروبا لتتحمّل تبعاتها، سواء كانت التهديدات الإرهابية أو سيول اللاجئين.

13