جان لوك غودار ينتصر للعالم العربي في كان بـ"كتاب الصورة"

المخرج الفرنسي جان لوك غودار يحول لغة الفيلم إلى لغة شعرية تمتلك إيقاعها الخاص من داخلها وليس من خلال الصدام الدرامي المصطنع.
الثلاثاء 2018/05/15
لقطة من فيلم غودار الشهير "الصينية"  (1967)

مضت سنوات، وأصبح جان لوك غودار أيقونة ثقافية فرنسية، وذهب لعرض أفلامه التي أثارت دائما الجدل، في مهرجان كان بعد أن كان قد نضج أو بدا أنه قد أصبح أقل تشددا. وقد أرسل فيلمه الجديد "كتاب الصورة" (2018) Le Livre d’image الذي يعرض في المسابقة لكن من دون حضوره شخصيا لمناقشة فيلمه مع الصحافيين والنقاد.

مرة أخرى بعد تجربته البصرية الغريبة في فيلمه السابق “وداعا للغة” الذي شاهدناه في مسابقة كان 2014، يصدم غودار مشاهديه، وهي صدمة تتجاوز بصريا كل ما سبق أن حقّقه في مجال التجريب السينمائي، نعم فكاتب هذا المقال يرى أن غودار هو أعظم التجريبيين في عصرنا، بل وربما في تاريخ السينما، دون حاجة إلى وصف أفلامه بـ”التجريبية”، فهي في الحقيقة تستعصي على أي تصنيف ممكن.

وربما لو كان “كتاب الصورة” يحمل توقيع مخرج آخر، لما كان ليثير كل ما يثيره من اهتمام، لكن لأنه “فيلم غودار” فلا بد من تناوله بما يستحقه من جدية واهتمام.

قبل 50 عاما، في مايو 1968، امتدت حركة الاحتجاج الكبرى التي بدأت بثورة السينمائيين، من باريس إلى مهرجان كان السينمائي، وكان المخرج الفرنسي جان لوك غودار، أحد رواد حركة الموجة الجديدة، في طليعة السينمائيين الذين عقدوا المؤتمرات وأصدروا بيانات الاحتجاج وأقاموا الدنيا كلها، ثم احتلوا قصر المهرجان ونجحوا في إلغاء الدورة في ذلك العام، لقد اعتبروا المهرجان أحد صروح الاحتفاء بالسينما التقليدية القديمة

لماذا؟ لأن غودار لا يمزح، ولا يعبث بالمادة البصرية والصوتية، بل إنه يستخرج منها دلالاتها الفلسفية التي تنسجم مع منهجه الراسخ وأسلوبه الخاص منذ أن كان يصنع “موجته الجديدة”، أي تحويله لغة الفيلم إلى لغة شعرية تمتلك إيقاعها الخاص من داخلها وليس من خلال الصدام الدرامي المصطنع.

صور بلا حدود

غودار هنا، لا يعتمد كعادته منذ أن هجر “السينما”، وأصبح يحلق في عالم الصور بلا حدود، على قصة أو سياق قصصي واضح ومفهوم مهما تداخلت الصور والمواقف والأفكار، لكنه يستخدم في “كتاب الصورة” شذرات من الصور ومقاطع من نشرات الأخبار التلفزيونية، ولقطات من بعض الأفلام القديمة سواء من أفلامه مثل “الجندي الصغير” (1963) عن الحرب في الجزائر الذي منعته الرقابة الفرنسية، أو من أفلام غيره مثل “النهر” لرينوار، و”الفيل” لجس فان سانت و”سالو” أو “120 يوما من حياة سادوم” لبازوليني، مع لوحات فنية ورسوم ولقطات مشوّهة ربما تكون مصوّرة بالهاتف المحمول، مع كتابة عبارات تظهر على الشاشة مثل “أن تكون أو لا توجد”.

كما يستغني غودار تماما عن الممثلين باعتبار أن التمثيل نوع من الكذب، تماما مثل الأحاديث، ليصوغ أفكاره من خلال التوليف المرهق لكل هذه اللقطات والصور ووضع الكثير منها في تعارض مع بعضها البعض، لكي تنتج معنى ثالثا حسب المونتاج الذهني أو مونتاج الصدمة ومرجعه إلى أيزنشتاين.

وكما هي عادته في أفلامه الأخيرة منذ “التاريخ الحقيقي للسينما” و”فيلم الاشتراكية” و”وداعا للغة”، يستخدم غودار التعليق الصوتي من خارج الشاشة، والمستويات المتعدّدة للأصوات التي تأتي من مناطق مختلفة في عمق الصورة، ويستغني أحيانا عن ترجمتها إلى الإنكليزية، ويتضح صوت غودار نفسه مع أصوات معلقين آخرين، يردّدون بعض العبارات التي لا تشرح الصورة، بل ولا يكتمل الكثير منها، كما يقطع في التتابع بحيث يرهق أي متابع للفيلم ويرغمه على أن يخضع لـ”تعويذة” غودار الخاصة.. أي يصبح طرفا من ناحيته في الفيلم، في مساره ومغزاه.

يؤمن غودار بالوظيفة التعليمية للسينما، كوسيلة للتنوير، لتحقيق الصدمة، صدمة الوعي: إنه يعرض على سبيل المثال لقطة قديمة لمجموعة كبيرة من السجناء الشباب الفلسطينيين الذين أرغمتهم قوات الاحتلال على الزحف على الأرض، ثم يقطع إلى اللقطة الشهيرة من فيلم “سالو” لبازوليني، حيث نشاهد مجموعة من الشباب والفتيات العراة أرغمهم الفاشيون على الزحف على الأرض أمامهم.

إلاّ أن غودار يبدو هنا أكثر تشاؤما بمصير العالم الذي يرى أنه يقضي على نفسه بنفسه، وهو يقول إنه يؤمن بالفقراء لأنهم المهزومون إلاّ أنهم يدمرون ثرواتهم الطبيعية بأيديهم.

وعلى حين أنه ما زال كما يقول، يؤمن بالثورة إلاّ أنه يرى أنها تأخرت كثيرا عن الإطاحة بالعفن الموجود في العالم، فالعالم كما يراه غودار يتجه اليوم نحو الدمار بسبب بلاهة القوى المسيطرة على مقدرات الأمور فيه.

وفي حين يعتبر أن أوروبا أدخلت العالم في حلقة جهنمية منذ الحروب الكبرى خاصة الحرب العالمية الثانية التي يعود إليها كثيرا، لكن أميركا الآن هي التي تشن وتدعم الحروب، إنه يعود إلى الحرب الأهلية الإسبانية ويشير في أسى إلى المصير المأساوي الذي انتهت إليه، ويقول إن سبب دمار العالم يكمن في البنوك التي هي “سبب شر الرأسمالية”.

في الفيلم الكثير من اللقطات والأغاني التي لا تكتمل، حيث يقع قطعها قبل أن تحقق التأثير الدرامي الذي يولد المشاعر
في الفيلم الكثير من اللقطات والأغاني التي لا تكتمل، حيث يقع قطعها قبل أن تحقق التأثير الدرامي الذي يولد المشاعر

الدهر بأسره

يقسّم غودار فيلمه إلى فصول مختلفة يمنحها عناوين مثل “الأرشيف والأخلاق”، و”روح الروح” أو Spirit of Soul و”فكرة مركزية”.. إلخ، وتظهر على الشاشة عبارات “مع الشيوعيين سأمضي حتى الموت” (في سياق الحرب الأهلية الإسبانية)، لكن الموت لا يصنع النصر.

ويقول صوت غودار “إنني أحتاج إلى الدهر بأسره لكتابة قصة تدور في يوم واحد فقط”، وإن “الحرب ربانية” وإن “مالرو قال: يجب أن نجعل الأبوكاليبس يصبح جيشا وإلاّ سنموت”، و”نحن لم نحزن أبدا بما يكفي لأن يصبح العالم أفضل”، وتظهر على الشاشة لقطة صادمة لمجموعة من المشانق تتدلى منها العشرات من الجثث، تعقبها مباشرة لقطة أخرى لمجموعة من النساء يرتدين العباءات السوداء والبراقع، وهنّ يهرولن صوب قطار يقف في المحطة.

غودار مغرم بالقطارات وبالسفر وهو يخصّص فصلا يمنحه عنوان “نهاية الرحلات”، رحلة اليهود إلى المعسكرات.. إلى الهولوكوست، ورحلة رجال ونساء من الأفارقة لا نعرف إلى أين؟

وفي لقطة مذهلة نرى مقدّمة قاطرة تسير على القضبان وأمامها مباشرة تزحف مجموعة من الحمائم لا تريد أن تبتعد بينما تتقدّم القاطرة صوبها، لكن غودار يبدأ الكثير من اللقطات والأغاني، إلاّ أنه لا يكملها أبدا، بل يقطعها قبل أن تحقّق التأثير الدرامي الذي يولّد المشاعر، فهو لا يريد للمشاهد أن يتفاعل وجدانيا مع الصور، بل أن يتأمل في مغزاها، في مغزى تلك الفوضى البصرية الهائلة التي تمر أمامه كما لو كانت تصدر عن عرض من عروض “صندوق الدنيا”، بل ويمكن اعتبار الفيلم بأكمله أحد عروض صندوق الدنيا، فهو ليس أي فيلم سينمائي مألوف حتى في سينما غودار المركبة، بل إن “كتاب الصورة” سيتجوّل كعرض من عروض الصور في عدد من المدن العالمية مثل باريس ومدريد وسنغافورة ونيويورك.

 

العالم العربي

لعل الجزء الخاص بالعالم العربي في “كتاب الصورة” هو الأكثر بروزا وقوة، فغودار الذي صوّر عام 1970 فيلما لم يكمله قط، داخل معسكرات الفدائيين الفلسطينيين في الأردن، لم يتوقّف عن تأييده ودعمه للقضية الفلسطينية، ولا عن اهتمامه الكبير المستمر عبر أفلامه، بالشرق الأوسط، وهو يتهم هنا الغرب بعدم فهم تلك المنطقة من العالم “العالم العربي يوجد كعالم قائم بذاته.. الغرب لم يفهمه أبدا”، و”هل يمكن أن يتكلم العرب؟”.

ونشاهد لقطات من فيلم “باب الحديد” ومن الفيلم التونسي “الهائمون في الصحراء”، كما تظهر بعض لوحات رسامي الغرب لنساء العرب في صورة رومانسية ناعمة، وبعض اللقطات النمطية التي تخضع لما هو مستقر في العقلية الغربية عن العالم العربي ونساء العرب تحديدا (أو الحريم).

ويقول صوت غودار إن “الشرق أكثر تفلسفا من الغرب”، وتحت عنوان مقتبس من ألكسندر دوماس هو “جزيرة العرب المرحة” يروي قصة رجل يطلق عليه الشيخ بن كاظم حاكم إمارة “دوفا” في جزيرة العرب، ومشكلة المنطقة أنها لم تكن تمتلك نفطا لذلك لم يعرها الغرب اهتمامه، وقد أراد بن كاظم أن يضم إمارات العرب الغنية بالنفط إلى مملكته دوفا، وقد شكل “قوة تحرير الخليج” لكي يحقق “اليوتوبيا” التي حلم بتحقيقها، لكن حلمه لم يتحقّق أبدا.

جان لوك غودار: سبب دمار العالم يكمن في البنوك التي هي سبب شر الرأسمالية
جان لوك غودار: سبب دمار العالم يكمن في البنوك التي هي سبب شر الرأسمالية

ويختلف عالم اليوم عن عالم الماضي: فغودار يقول لنا إنه بينما “كان الجميع في الماضي يريدون أن يصبحوا ‘فاوست’، تأثرا بالنص الديني، أصبح الجميع اليوم يريدون أن يصبحوا ملوكا”، أي أنهم على استعداد لبيع كل شيء من أجل الملك، والثروة. لذلك فقد دُمّر حلم الشيخ بن كاظم.

ويعزو غودار تسميم عالمنا إلى الحروب، فطوال الوقت هناك مقاطع من أفلام الحرب وأصوات إطلاق رصاص وانفجارات، وأيضا إلى النصوص الدينية، حيث دائما ما نشاهد مقاطع فيديو لأعمال العنف التي يرتكبها تنظيم داعش، وعبر الفيلم بأسره نشاهد مقاطع عدة من أغنيات أم كلثوم، لكن غودار كعادته، لا يترك أي جملة من الأغاني تكتمل لكي يحول بيننا وبين الاندماج أو التأثر.

وهناك أيضا لقطات من أفلام عربية مثل “جميلة” و”هي فوضى”، حيث نرى الممثل خالد صالح وهو يصرخ “هنا فيه قانون واحد بس”، ثم يقطعها غودار بسرعة، ونستمع أيضا إلى مقطع من قصيدة يلقيها محمود درويش. يقول غودار إن هناك تناقضا بين العنف الكامن في التجسيد وبين هدوء التجسيد نفسه، إذن فالتجسيد لا يصلح، كما أن اللغة انتهت بعد أن فقدت معناها، والعالم أصبح مشغولا بالصور، رغم عدم وضوح الكثير منها، ففي الفيلم العشرات من الصور التي تبدو غامضة أو تمت ملامستها، بحيث فقدت الكثير من درجة نقائها ووضوحها.

إن اللقطات التي نشاهدها من بعض الأفلام الرومانسية والتي تتكرّر فيها عبارات الغزل هي شواهد غودار على أن اللغة فقدت معناها، وأن الشعور بالحب أصبح مرتبطا أكثر بصناعة الخيال لا بالحقيقة.

عن فكرة الثورة

على الرغم من أن غودار يرى أن الفوضى التي تملأ العالم العربي اليوم تعود في جانب منها إلى إساءة الغرب فهم المنطقة، إلاّ أنه لا يرى أيضا أن الثورات العربية يمكن أن تحقّق شيئا، فهو يقول حرفيا “لا تبدو الثورة حتمية في تلك المنطقة.. دائما يبقى القصف”، إنه لم يكفر بفكرة الثورة، وهو يقول “إنني ما زلت أؤمن بالثورة وأرى أنها ربما تحقّق الحل، لكن شريطة أن تكون أولا ثورة”.

ويبدأ غودار فيلمه بلقطات ليد بشرية ولإصبع الإبهام يشير إشارة مبهمة، ويقول التعليق إن الإنسان يميل إلى التفكير بأصابعه، ثم ينهي فيلمه بلقطة مشابهة شاحبة لنفس اليد وهي تشير نحو جهة ما.. ربما إلى طريق النهاية، فقد أصبحت الإشارات هي البديل بعد أن يؤكد غودار في نهاية الفيلم أن “الكلمات لن تصبح أبدا لغة”، وينتهي واحد من أكثر الأفلام إشكالية وتعقيدا في مسيرة غودار منذ أن بدأ مسيرته السينمائية قبل ستين عاما.

يقول المخرج الفرنسي ميشيل هازانافيشوس صاحب فيلم “المهيب” The Undoubtable الذي عرض في مسابقة كان العام الماضي عن علاقة غودار بالثورة والسينما والحب، إن “غودار يتمتع بحماية أناس كثيرين، إنه مثل الطوطم عند قطاع من المجتمع الفرنسي وهو أمر سخيف، لكن أناسا كثيرين يكرهونه لأنهم لا يفهمونه، ولأنهم يخشونه، فهو دائما خصم عنيد ومعارض، إنه ‘ضد’ الكثير من الأشياء، والكثير من الناس يكرهونه لهذا السبب، ولأنهم يرون أنه مثقف وجزء من النخبة”.

في السابعة والثمانين من عمره يتمتع غودار بتقدير كبير من جانب مجتمع المثقفين داخل وخارج فرنسا، لكنه يثير أيضا حقد وغضب وكراهية البعض داخل بلاده، الأمر الذي يؤكد أن غودار قادر حتى بعد أن أصبح طاعنا في السن، على إثارة غضبهم والاعتداء القاسي على مقدساتهم، ونبذ وتعرية زيفهم وكذبهم، من خلال أفلامه، وهي التي ستبقى في نهاية المطاف فوق كل الأحقاد.

15