جان لوك ماريون: هل من الممكن أن أكون محبوبا من الخارج

البحث في الحب والظاهرة الإيروتيكيّة لا يخلو من المخاطرة، إذ لا بد من أن تتسلل التجربة الشخصية والشواهد الأدبيّة ضمن بنية البحث، وخصوصا إذا كان فلسفيا، ما يجعله يبتعد عن الفكرة أمام الشاهد، إلا أن الباحث الفرنسي جان لوك ماريون في كتابه “ظاهرة الحب: ستة تأملات” يستثني واحدة من هاتين القضيتين، إذ يعتمد على تجربته الشخصية في التحليل.
الجمعة 2015/05/15
ماريون يحاول إعادة الاعتبار للحب بوصفه قضية فلسفية عميقة وليست حكرا على الشعراء والكتاب والعاشقين

كتاب “ظاهرة الحب: ستة تأملات”، لجان لوك ماريون، صدر باللغة الفرنسية للمرة الأولى عام 2003، ثم بالإنكليزيّة عام 2007، وهذا العام صدر الكتاب باللغة العربية عن المنظمة العربيّة للترجمة، وقد قام بترجمته الباحث يوسف تيبس أستاذ المنطق والفلسفة بجامعة محمد بن عبدالله في فاس بالمغرب.

يعتمد ماريون في كتابه على الظاهراتية كمنهج للتحليل، ويبدأ بالحديث عن موقف الصمت الذي التزمته الفلسفة من الحب، وتجاهلها إياه كظاهرة، والاعتماد على القضايا الفردانيّة والميتافيزيقية للوصول إلى يقين الوجود، بوصف الحب مرتبطا بالـ”أنا” وعلاقتها بالآخر، والبحث عن يقين الـ”أنا” بوصفه أهمّ من يقين الآخر، إضافة إلى أن الفلسفة تخاطب العقل وتماسكه ولا تتطرق إلى مواضيع الحب النسبية.

كما يوجه ماريون انتقاده الأشدّ لديكارت الذي يغتال الحب، فالأخير يركز على ما هو فرداني، أما الحب والكراهية بالنسبة إليه فهما هامشيان ومرتبطان بالآخر، كما يعمل ماريون على تحوير الكوجيتو الذي يحكم الأنا وحضورها حسب ديكارت والمتمثل بـ”أنا أفكر، إذن أنا موجود”، حيث يقدم سلسلة من الحجج والمقاربات ليتحول الكوجيتو بعدها إلى تساؤل “هل أنا محبوب؟” بوصف الحب هو الذي يثبت الأنا.

كما يتحول الاختزال الذي يقدمه ديكارت لتحديد العناصر الجوهرية لوجود الذات، إلى اختزال غرامي، يحدد عناصر الذات عبر علاقتها مع الحب كظاهرة مرتبطة بالآخر، ليتحول الكوجيتو الذي أسس له ماريون إلى “هل أنا محبوب من الخارج؟”، فالـ”أنا” لا تستطيع أن تتيقن من حضورها/ حبّها إلّا من الخارج، هذا الخارج الغريب يدفع الذات إلى الانزياح عن مركزها، فلا تحضر بشكل ثابت، بل تستمرّ في الحضور كلما انزاح هذا المركز نحو الخارج الذي يحوي الحب.

ماريون يعتمد في كتابه على الظاهراتية كمنهج للتحليل، ويبدأ بالحديث عن موقف الصمت الذي التزمته الفلسفة من الحب

ما الجدوى

يحدد ماريون أهميّة سؤال هل أنا محبوب من الخارج؟ بوصفه جوهريا في القضاء على غرور السؤال الذي تطرحه الذات على نفسها إن تيقنت من حضورها، وهو “ما الجدوى؟”، السؤال الأخير قد يؤدّي إلى الانهيار، ويجعل البحث عن هذه الذات أو عن الحب أمرا عبثيا يعيق التقدم ضمن الزمان والمكان.

وتظهر مفاهيم الكراهية، وتطرح الأسئلة التي تشير إلى التناقضات التي يحملها المفهوم نفسه والمتعلقة بمحبة الآخر للـ”أنا”، فهل كراهية الذات التي يفترضها الاختزال الغرامي ستبادل بحب من قبل الآخر؟ كذلك يظهر مفهوم كراهية الأفراد بسبب كراهية الكل، فإذا كنت عاجزا عن حب نفسي بسبب نقص يدفعني لحاجة الآخر، هل هذا الآخر الذي يمتلك نفس النقص قادر على أن يحبني من الخارج؟ يجيب ماريون عن هذه التساؤلات عبر عدد من الأجوبة والأطروحات ليصل بعدها إلى مفهوم “اللحم” بوصفه الامتداد الفيزيائي للذات في المكان والزمان، فأنا لَحمي، وعبره أستشعر اللذة سواء من نفسي أو من الآخر. ثم يتطرق ماريون إلى مفاهيم الغلمة وأغلمة اللحم عبر العلاقة مع الآخر سواء العلاقة الجنسية أو ما يحل مكانها، بحيث يتحول اللحم/ أنا إلى منبع للذة.

الحب كظاهرة تمس الأنا والآخر

اللحم والجسم

يشير ماريون إلى الفرق بين اللحم والجسم، فالأول قابل للأغلمة، أما الثاني فوظيفي ولا يثير الشهوة، ويتشابه فيه الجميع، ويوضح مدى اختلاف اللحم وطبقاته وحيازتها على الجسم، فالجسم وداخله يظهر ضمن العمل التشريحي مثلا، في حين يمكن أن تظهر الطبقات بشكل “اللحم” عبر التقبيل، بوصف الفم مفتوحا دائما نحو الآخر في سبيل حيازة لحمه، أما حالة امتلاك اللحم (الجنس) فهي توحد بين الأنا والآخر للوصول إلى كتلة لحميّة مؤغلمة، إلا أنها مؤقتة، فالعشق خيار وجودي دائم مستمر، لا يتحقق في لحظة واحدة، ولا بحضور جوهري ميتافيزيقي ثابت الخواص.

كتاب “ظاهرة الحب: ستة تأملات” غني بالأفكار المتنوعة لكنه يتصف بلغة صعبة ومعقدة أحيانا إلى جانب المفاهيم المتداخلة، إلا أنه يقدم صورة جديدة عن مفاهيم الحب بعيدا عن الإغراق في الرومانسيّة، حيث يتناول الحب كموضوع فلسفي وكظاهرة تمس الأنا والآخر، بحيث تكون التأملات محاولة للإجابة عن السؤال الذي يطرحه ماريون في بــداية الكــتاب “هل أنا محبوب من الخارج؟”.

وكأن التأملات التي قدمها ماريون تحاول إعادة الاعتبار للحب بوصفه قضية فلسفية عميقة وليست حكرا على الشعراء والكتّاب والعاشقين، بل هو موضوع فلسفي ظاهراتي يستحق الخضوع للدراسة، وهو بصورة ما أصل الفلسفة على حدّ تعبير ماريون فـ”فيلو-سوفي” تعني حب الحكمة، الحب موجود في بنية الفلسفة، لكنها اختارت أن تنحيه على حساب الحكمة.

14