جاهدة وهبة: الفن هو الجدار العربي الأخير

من ألقابها كاهنة المسرح، أو شاعرة الصوت، لما يمتزج من شعر وقداسة وموسيقى في صوتها وأغنياتها، تمزج في أسلوبها بين الطرب والمعاصرة، القدم والحداثة، وكل ذلك لم يأت مصادفة، بل عن اختيار وحرص عميقين لتقديم حالة فنية مختلفة ومغايرة شكلا ومضمونا، هي الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة، التي تكتب حينا وتلحن غالبا وتغني دائما، في جعبتها سبعة ألبومات غنائية، كتبت بعض كلمات أغانيها ولحنت الكثير منها، لا سيما الألبومات الثلاثة الأخيرة التي هي من ألحانها كاملة.
الأربعاء 2016/03/30
صوت يجمع بين القدامة والحداثة

تتحدث الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة عن بداياتها، لـ”العرب” فتقول “لم أولد وفي فمي نوتة من ذهب، كانت البداية بسيطة، عدا ذلك الشغف الذي كان يتملكني تجاه الأصوات الحريرية والقصائد الشاهقة والتي مازلت مريضة بها إلى اليوم”.

هي ابنة البقاع التي أخذت منه، حسب قولها “هذا التضاد الجامح بين الجبل والسهل، بين المنبسط والمترامي صعودا.. هذا التلوّن الذي ترتديه بساتين القمح مع المواسم”. هي التي لا تستطيع أن تقاوم إغواء قصيدة جميلة، إذا لم تدثرها بالموسيقى.

تتحدث عن والدها الذي كان يصحبها إلى دروس الموسيقى وهي فتاة صغيرة جدا، والدها المولع بالموسيقى والطرب الأصيل، والذي زرع فيها حب الشعر وإلقائه، تتذكره وتتذكر هداياه التي كانت كلها تتعلق بالموسيقى، ومن طفولتها تتذكر أيضا، إذ تقول “أذكر أني شاركت بأهم حفلات قام بها المعهد الموسيقي، ومازالت أصداء التصفيقات العالية على أدائي تتردد في أرجاء روحي.. كما يعاودني دوما، ذاك الخوف الكبير الذي كان ينتابني قبل صعودي إلى المسرح كل ليلة مع أول دور كبير لعبته منذ أول مسرحية، شاركت فيها ‘صخرة طانيوس”.

إنها الموهبة إذن، وعشق الفن الذي تقول عنه جاهدة ” الفن هو ضمائري المتّصلة والمنفصلة وأدواتي لاكتشاف نفسي وهتك العالم”.

بين الشعر والموسيقى

تأخذ جاهدة وهبي على عاتقها مسألة احترام الجمهور من خلال ما تقدمه أو ما تفكر في تقديمه للناس من فن لا بد أن يتسم بالرقي والاحترام، فالجمهور لا يرحم والتاريخ لا يرحم أيضا، لذلك تتأنى دائما في اختياراتها وتتعمق في التفكير بأعمالها الفنية سواء من خلال الكلمة أو اللحن، تقول “لا يمكنني أن أؤدي ما لا يقنعني، الجمهور لن يحترمني، ولا التاريخ كذلك.. ثم إن المسألة ليست قرارا، إنها ببساطة محاولة التماهي مع نفسي ومع ما يشبهني وما تعلّمته وخبرته ومع هويتي التي تنتمي إلى تراث عريق وأصيل”.

وتواصل موضحة “صحيح أنه لا يصل إلى كل الفئات، لكن الذنب ليس ذنبي ولا ذنب الجمهور، إنه ذنب فئات أخرى عملت على تشويه المجال الفني كما شوّهت المجال السياسي والثقافي، ومع ذلك أربّي الأمل على طريقة الكبير محمود درويش وأقول يا جاهدة اعملي جاهدة على إيصال هذا اللون إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور”.

وعن سؤالنا، لمن تغني جاهدة؟ تجيب عن ذلك بطريقتها، بنبرة صوتها الذي يختزن أحلام الناس وأوجاعهم، تتحدث حيال ذلك “أغني لنفسي بادئ ذي بدء، أتماهى مع ذاتي، مع ما أحب وأتحد مع كينونتي وأهدي موهبتي التي حباني بها الله إلى قلوب الناس الظمأى، أحاول أن أبتهل بصوتي، أذرفه، أعرف أني أقترن كلي مع هوائه، أحاول أن أغدقه شموسا ومرايا، أقلمه بمنديل يمسح الخطايا، أغمّسه بدمع الناس وهم في الانخطاف، أصرخه به في مخاض الأمهات، أدججه بأوجاع احترفت الاختباء، أكون معه، لا عليه وأكون فيه، في الناس، أكونهم، ألبس أوجاعهم، أورق على اسم احتمالات أحلامهم”.

الفنانة تأخذ على عاتقها مسألة احترام الجمهور من خلال ما تقدمه للناس من فن لا بد أن يتسم بالرقي والاحترام

الشعر بالنسبة إلى جاهدة، هو الملاذ والملجأ أمام قسوة الواقع، وهو التعويذة وفق كلامها ضد كل ما يحصل من همجية وقبح، وهو وقود الحلم، وفي هذا السياق تستطرد “أي قصيدة جميلة تحرّضني على غنائها وتستفزني لإعطائها بعدا موسيقيا بصوتي، أي نص يبحث في المختلف وينفتح على الراقي يدغدغ ذائقتي، ومن عادتي -ولا أعرف إن كانت حميدة أو سيئة- أن أمرض بالقصائد الجميلة ولا أشفى منها، إلاّ عندما أغنيها، لعلّ إحساس المسؤولية بالنص يتولّد من شغف الفنان ومن حرصه على إسباغ أبعاد جديدة للمفردات، أعامل اللغة كآخر مرغوب ومحبوب ومشتهى، كأنثى من نور ونار، أحاول إلبِاسها خاتم حواسّي مجتمعة”.

دكتاتورية القبح

تقول جاهدة “نحن أمم ضعيفة، إذا لم نع مخاطر العولمة جذبتنا رمالها المتحركة وخسرنا خصوصيتنا وهويتنا”. وتضيف “كم نحن بحاجة لدخول هذا العالم التكنولوجي من بابه العريض، وصولا إلى أرشفة موسيقانا وتشفيرها بشكل علمي يضمن بقاءها، ولا اندثارها أمام أهوال الرياح الكونية”.

وتتابع “نحن نعيش في حال من الهستيريا الجماعية الفنية، وتداخل كل الأفكار الثورية والرجعية والتحررية والسلفية، وكل الموضات العصرية واللاعصرية مع بعضها البعض”.

وتعتبر الفنانة أن هناك ما سمته موجة تسود العالم العربي منذ سنين، وهي موجة الغناء الاستهلاكي، حيث أصبح الغناء في أغلبه سلعة تحضّر وتعدّ للبيع والاتجار بتواطؤ كامل من شركات الإنتاج التي باتت تتحكم بالذائقة الفنية، خاصة تلك العنكبوتية، وتسعى إلى سحق الشركات الصغرى، والسيطرة على برامج أهم المهرجانات العربية والفضائيات العربية.

وتعتبر جاهدة وهبة أن من سيئات العصر، أنه ربط الأغنية بالصورة، وأصبحت المفردة أو المنظومة المشهدية لأي أغنية هي الأهم، أي أن المعادل الصوري بات العامل الأبرز في نجاح أغنية، ومن هنا تخلخل سلم المعايير.

جاهدة وهبي: الشعر هو الملاذ والملجأ أمام قسوة الواقع، وهو التعويذة ضد كل ما يحصل من همجية وقبح

وعن موجة التغيير التي اجتاحت العالم العربي منذ بضع سنوات، والتي مازال العالم يعيش في خضمها، تتحدث جاهدة “بغض النظر عن كل ما يقال حوله من تأويلات، وعما إذا كانت انطلاقة الناس عفوية أو أمرا دبر له، فإنه حدث إيجابي، حيث أنه لا يمكنك أن تتآمر مع شعوب بأكملها”.

وتضيف “الشعوب العربية بعد ما يسمى بالربيع العربي ليست هي قبله، إنها شعوب رافضة لدكتاتورية البشاعة والمبتذل في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفن، لقد بدأ الناس يعون بأن حياة نمضيها في الخوف وبعيدا عن الجمال والحرية والعدالة، لا تستحق أن تعاش، ومن المهم أن نثور بادئ ذي بدء على أنفسنا، وأن نعيد تقييم علاقتنا مع موروثاتنا ومعتقداتنا”.

وعن وطنها اللبناني، تقول “إننا ندفع ثمن ما اقترفناه بأيدينا، نحن الذين سمحنا بكل تلك الزبالة على جميع المستويات، ونحن من يجب أن يدفع ثمنا آخر لتغييرها، الشعب اللبناني يجني الآن في مستوعبات النفايات ما زرعه في صناديق الاقتراع”.

وتنهي حديثها لـ”العرب”، بقولها “الفن هو التحدي الأكبر وهو الجدار الأول والأخير أمام جميع أشكال الظلم والإرهاب، الفنان يجب أن يحمل صوته ويطلق أدواته وإبداعاته، ليس للدفاع عن رسالته فقط، بل للدفاع عن العالم.. مهمة الفنان هكذا أن يقاوم عصور القبح والملح”.

وتختم قائلة “ثمة فن أصيل يوجد في كل العصور، إنه ضمير الثقافة الحي والمعبر عن روح الأمم، قد يتراجع، لكنه لا يموت”.

16