جاهزية المعرفة

حضور المرأة في حقل المعرفة والفكر وترسيخ ذلك الحضور بنتاجات قيمة يتطلب مواجهة قصوى مع التراث والتربية والوعي الجمعي الذكوري.
الأحد 2019/09/29
غياب تأسيس راسخ لمشروع المرأة العربية الفكري (لوحة الفنانة مايسة محمد)

في البدء علينا أن ننتبه إلى أن التفكير النقدي الحقيقي والأصيل، والذي يطرق مناطق حساسة في الوعي الإنساني، أو يتناول النص بأدوات جادة ومتجددة نحتا وتحليلا هو عملية شاقة، وخاصة ونادرة، وليست سهلة متدفقة كالفعل الإبداعي، ثم إن هذا الاشتغال المعرفي قليل جدا في عالمنا العربي بشكل عام، بل وربما هو نادر أيضا. وما هو موجود على الساحة النقدية العربية اليوم هو مجرد محاولات لدغدغة مفاصل النص، أو الوقوف على ضفاف المعنى، أو محاكاة لنظريات غربية قائمة أصبحت اليوم قديمة نسبيا، والقليل منها -أي تلك المحاولات- يصل مع الزمن والاجتهاد إلى مرحلة من النضج.

إذا كان هذا هو الحال لدى الجميع فليس غريبا ندرة وجود المرأة الناقدة، فالمرأة في عالمنا العربي أسيرة اللاوعي الجمعي بخصوصية الأدوار بين الذكور والإناث، وانحياز المرأة للشعر والسرد وقد أنتجت في ذلك نتاجات غزيرة لا ينكرها إلا حاقد أو جاهل، في حين اختص الرجل بالتفكير النقدي -طبعا مع الفعل الإبداعي شعرا سردا- واجتهد فيه ما وسعه الاجتهاد، وبرزت فيه بعض الأسماء القليلة بنتاجات مميزة.

إلا أن أمرا كهذا لا يمكن التعامل معه بشكل مطلق؛ فالاشتغال بمسائل الفكر والإبداع يعتمد في غالبيته على توافر الظروف الحاضنة للعملية الإبداعية كالمؤسسات البحثية والأكاديمية. ولذا تجد أغلب المشتغلين بالنقد والفكر هم من الأكاديميين والباحثين والمشتغلين بحقول المعرفة والإبداع. إلا أن هذا أيضا ليس معيارا نهائيا للظهور والبروز الفكري، لأن معظم هذه الاشتغالات تكون غالبا عادية وتنتج نتاجات سائدة، أما المائز والمختلف فيكون نتيجة المواهب الإبداعية بطفراتها التاريخية، فهذه هي التي تنتج التميز الثقافي وترسّخ بعض الأسماء في الذاكرة الإنسانية الخالدة، وهي -أي الطفرات الإبداعية- ليست مستمرة أو وفيرة من جهة، وليست حكرا على الذكور دون الإناث من جهة أخرى. ولكن تلك الطفرات -التي تكون ضمنها المرأة بطبيعة الحال- تحتاج أيضا للظروف المهيئة للفعل النقدي لأنه فعل يحتاج إعدادا طويلا وتراكما معرفيا غزيرا وتكريسا مستمرا للذات في خدمة الموضوع/المعرفة، وبالتالي يحتاج تفرغا تاما أو شبه تام للإلمام المعرفي والاستمرار فيه، وهذا ما يشكّل صعوبة على المرأة العربية المحاصرة بدوائر وأدوار لا تعد ولا تحصى ينبثق بعضها من بعض، وليس لديها الحرية الكاملة لاختيار طريقها الخاص وطريقتها الوجودية في الحياة.

المرأة في عالمنا العربي أسيرة اللاوعي الجمعي بخصوصية الأدوار بين الذكور والإناث، وانحياز المرأة للشعر والسرد وقد أنتجت في ذلك نتاجات غزيرة لا ينكرها إلا حاقد أو جاهل

فالمرأة التي مورس على وعيها الفرداني كل ضروب العنصرية والتمييز التاريخي أصبحت -إلا من رحم ربي- مقتنعة في اللاوعي بعدم قدرتها أو عدم صلاحيتها لبعض الأدوار، وحتى لو حدث أن خرجت إحداهن على ذاتها الأنثوية بصناعتها المجتمعية فسيتلقفها عدم الإيمان بما تفعل، من قبل الجمع الذكوري، وستهمّش نتاجاتها الفكرية فقط لأنها أنثى.

إن جبروت الوعي واللاوعي المجتمعي العربي الذكوري المنشأ والأصول لا يقبل بظهور مفكّرة تخالف سنة التكوين الجمعي والكينونة الفطرية وهي تفوق الذكور، فكيف يسمح لها بمشاركة صناع الفكر وفحولته منهم، ناهيك عن التفوق عليهم. ثم إن حدث ورفعت المرأة سيفها، وقررت دخول المعترك (الحرب الدونكيشوتية)، فكم تراها ستصمد أمام كل تلك الطواحين، وما هي النتاجات الفكرية التي سيمكنها أن تنتجها وهي مشغولة بخوض المعارك، وتبرير وجودها الفكري والإنساني، ومواجهة كل أولئك المعترضين، وتفنيد آرائهم ومناقشتهم، وغير ذلك مما يستنفد الوقت والجهد.

ومن المؤسف والصادم حقا أنه حتى اليوم لا يوجد تأسيس راسخ تبني عليه المرأة العربية المفكرة والناقدة الجديدة مشروعها الفكري، ولذا عليها أن تبدأ دائما من الصفر لتشكّل حلقة من البدايات المستمرة وغير المتصلة، وبالتالي فالتراكم المعرفي التأسيسي للمرأة العربية المفكّرة والناقدة هو تراكم هش وضئيل، ولا يعوّل عليه في إكمال البناء وصناعة الصورة المكتملة.

إن مشروع المرأة العربية الفكري ما أن يظهر حتى تُوّجه إليه السنان والرماح من كل سلطة في عالمنا الآسن بدءا من سلطة الدين الذي ما فتئ يحيّد دورها الفكري، ويحصرها بين علامتي تنصيص فطرية أنثوية حيوانية جدا، ومرورا بالسلطة السياسية والاجتماعية الذكوريتين اللتين استفادتا من نظرة السلطة الأولى للمرأة، ودورها في ترسيخ ذكوريتها عبر تكريس دور المرأة كما قررته سلطة الدين الذكورية.

بل إن الأمر وللأسف في تراجع وانهيار مستمرين فما بنته المرأة عبر حقب وحروب ومعارك ضارية وما حصدته من إنجازات ونجاحات واستحقاقات إنسانية وفكرية كالمساواة والحرية في بعض البلدان نجده اليوم في تراجع مستمر وتراخ يشمل كل شيء، كما نجد تراجع الحراك المدني والسلطة الثقافية ورموزهما من الناشطين والحقوقيين والكتاب والمثقفين عن دعم المرأة والدفع بها للأمام، وتأييدها في مشاريعها الفكرية والتنويرية كما كان يحدث قبل زمن قريب. والأدهى والأكثر وجعا أن بعض الرموز الثقافية والفكرية تقف منها موقف الخصم، تحركهم التربية الذكورية الاجتماعية في نظرتهم القاصرة للمرأة تحجيما وتقليلا. وبعد كل هذا فلا عجب أن تراجع مشروعها الفكري والإبداعي خاصة ضمن ما خلّفته الثورات العربية من تراجع صورة المرأة العربية إنسانيا وحقوقيا، ولا عجب أن تقل نتاجاتها الفكرية (القليلة أصلا أو المحكومة بمشاريع محددة جدا) مع الوقت والزمن الذي كان يفترض أن تزداد فيه وتتعمق.

إن تفكيك مشكلة المرأة العربية الناقدة والمفكرة ليس بالأمر الهين، فلا يمكننا أن نلقي التهم جزافا.

وأن نرجع تراجع الاشتغال النسوي بالنقد الثقافي والفكري لأسباب محددة وواضحة، ولا أن نعزو قلة نتاجات المرأة النقدية الفكرية لجهة واحدة، أو نسقطها على الرجل فقط، فالأمر معقد ومتداخل ومرتبك ومربك في نفس الوقت، وهو جمعي وفرداني، ونسوي وذكوري في ذات الآن.

فحضور المرأة في حقل المعرفة والفكر وترسيخ ذلك الحضور بنتاجات قيمة يتطلب مواجهة قصوى مع التراث والتربية والوعي الجمعي الذكوري، مواجهة تحتاج شجاعة كبرى -تفتقدها الكثير من النساء العربيات أو هن غير جاهزات لدفع أثمانها الباهظة- لتحدي ذلك التفكير الجمعي، ومواجهته والتصدي له بأعمال رصينة وجادة تحفر في عمقه، وتنفضه من داخل منظومته التاريخية بجهد فكري صادق وصادم كما فعلت فاطمة المرنيسي ونوال السعداوي وغيرهما، ثم مواجهة كل الاحتمالات الناتجة عن ردود الفعل الناجمة عن عقلية جمعية راسخة، ورافضة لأي تغيير، فرغم ما حظيتا به (أي السعداوي والمرنيسي) من تقدير إلا أنهما لقيتا من النقد والشهير والتسفيه والمقاومة ما تعجز عن تحمله الكثير من نساء المنطقة، وربما تتساءل المرأة في داخلها قبل ولوج هذا المجال الشائك؛ هل يستحق الأمر هذه التضحية والمواجهة العاصفة فعلا؟

أخيرا يدرك الجميع اليوم أن المنجز الثقافي الفكري والنقدي الجاد والعميق والفارق بشكل عام والنسوي بشكل خاص في تراجع حاد للأسف مقارنة بالمنجز السردي مثلا، فالكثير من هذه النتاجات ما هو إلا “إعادة تدوير” للأسف، وربما يعود الأمر في شقه العام للرأسمالية التي سلّعت كل شيء، وللقرية الكونية التي سهلت المعرفة وأسبغت عليها صفة الجاهزية في مقابل فكرة العمق والتحدي المفترضة في هذا النوع من الاشتغال، حيث تحضر هناك فكرة “موت النقد” أو “موت الناقد”، أما في الشق الخاص بنا فالأمر يعود لتراجع كل شيء في كل السياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية، مما يشمل الجانب المعرفي والنقدي بالضرورة وذكوريا ونسويا أيضا، وليس لنا من عزاء سوى الأمل في طفرة ثقافية عربية تشمل كل شيء، وتبعث الهمة والعزيمة في الروح العربية لتغادر منطقة الظل نحو الوهج الإنساني والمعرفي.

ينشر المقال بالاتفاق مع الجديد الثقافية اللندنية

14