جبران خليل جبران يتخطى المسلّمات بكسر جمود التقاليد والأعراف

الكاتب جبران خليل جبران استطاع أن يبتكر تيارا فكريا خاصا به سعيا للتحرر الاجتماعي وتطوير مفاهيم التدين لتحقيق اليقظة من سبات طويل.
الاثنين 2020/10/05
جبران كان مفكرا اجتماعيا وإصلاحيا

الكثير منّا يعرف الكاتب اللبناني جبران خليل جبران كشاعر وقاص وحتى كفنان، إذ يعتبر أحد رواد النهضة العربية مطلع القرن العشرين. لكن قليلون من يعرفون جبران ككاتب مسرحي كانت له رؤاه المسرحية وتناوله الخاص للشخصيات الاجتماعية والسياسية والدينية سعيا إلى تقديم نقد للمجتمع اللبناني والعربي الغارق في الخرافة زمن الحداثة.

تعالج الباحثة اللبنانية مريان محمد رمضان الغالي في أطروحتها التي نالت عنها درجة الماجستير أخيرا من الجامعة اللبنانية فاعلية الشخصيات الدينية في مسرحية “لعازر وحبيبته” للأديب اللبناني جبران خليل جبران، حيث يستعيد من خلالها الحدث الديني في الكتاب المقدس، وهو إعادة إحياء لعازر من الموت.

تكمن أهمية هذا البحث في أكثر من نقطة؛ منها السعي إلى تقديم دراسة معاصرة لواحدة من أعمال جبران، والتي مضى على كتابتها مئة وست سنوات. أيضا دراسة التحولات التي طرأت على الشخصية الدينية في المسرح الجبراني.

قراءة بنص ديني

توضح مريان الغالي في بحثها المعنون بـ”فاعلية الشخصيات الدينية في المسرح اللبناني.. مسرحية ‘لعازر وحبيبته‘ لجبران خليل جبران أنموذجا” أنه ينطلق من مدونتين أساسيتين هما: الأولى وهي واقعة لعازر، كما وردت في العهد الجديد للكتاب المقدس، وتحديدا في إنجيل يوحنا، الإصحاح الحادي عشر، 11/39 إلى 11/44، وفيها سرد لكيفية إعادة إحياء السيد المسيح للعازر من الموت. والثانية والتي يعالجها البحث معالجة منهجية أكاديمية علمية، هي مسرحية “لعازر وحبيبته”، كتبها جبران بالإنجليزية، ثم ترجمها إلى العربية في العام 1914.

موضوع وشخصيات مستمدة من الكتاب المقدس
موضوع وشخصيات مستمدة من الكتاب المقدس

تألفت المسرحية من فصل واحد، يتناول فيه جبران حياة لعازر بعد موت السيد المسيح، كما يستحضر شخصياتها من الكتاب المقدس؛ كلعازر، ومريم، ومرثا، وفيليبس. وقد عُثر على هذه المسرحية بين مخطوطات جبران التي احتفظت بها شقيقته مريانا. ونُشرت هذه المسرحية للمرة الأولى في العام 1973، ثم أُعيد نشرها في العام 1981 مقرونة بمسرحية “الأعمى”، وصدرت لها عدة ترجمات، من بينها ترجمة لقيصر عفيف، التي نُشرت في الصفحة الثقافية لجريدة النهار في العام 2002.

وتضيف الباحثة أن دوافعها لهذا الاختيار تكمن في أكثر من نقطة، بداية من أنه لم تحظ مسرحية “لعازر وحبيبته” بدراسة أكاديمية من قبل، سوى قراءة تحليلية للمشهد الأول، وذلك في كتابين للدكتور كامل صالح. وثانيا أن جبران قد عرف أنه أديب، وشاعر، وكاتب، ورسام، وقاص، وكاتب مقال، إلا أنه لم يُعرف كمسرحي أو كاتب مسرح، أي لم يكن هذا الجانب من أدبه مضاء؛ فيأتي هذا البحث لتسليط الضوء على الأدب المسرحي الجبراني وعلاقته بالتراث الديني عموما والمسيحي خصوصا.

وترى مريان الغالي أن أهمية موضوع البحث تكمن في أكثر من نقطة، ومن أهمها السعي إلى تقديم دراسة أكاديمية معاصرة، لواحدة من أعمال جبران المسرحية، لتبيان مدى مساهمة جبران في تقديم قراءة إبداعية للنص الديني. ثانيا، تناول عمل لأديب نهضوي مهجري، فيه طرح متفرد ومتقدم، لقضايا إنسانية اجتماعية وفلسفية، وذلك على الرغم من مرور مئة وست سنوات على كتابته مسرحية “لعازر وحبيبته”، أي في العام 1914.

وتؤكد الباحثة أنها استهدفت في المقام الأول الكشف عن التحولات التي طرأت على الشخصية الدينية في المسرح الجبراني، وفاعليتها من حيث تقديم نظرة قد تبدو مغايرة إلى الواقعة الإنجيلية. والكشف عن مكامن شخصيات المسرحية عند جبران ونوازعها، ومساهمة فاعلية حضورها في تعزيز البناء النصي المسرحي الجبراني. كما تزويد المكتبة العربية عموما واللبنانية خصوصا بدراسةٍ حول الأعمال المسرحية اللبنانية، وتحديدا مسرح جبران.

وانطلقت مريان الغالي في بحثها من إشكالية مركزية وهي: ما مدى فاعلية الشخصيات الدينية في مسرحية “لعازر وحبيبته” لجبران خليل جبران؟ هذه الإشكالية، تفرعت منها عدة تساؤلات: هل حافظ جبران على الشخصية الدينية كما هي، أم حولها عن وظيفتها الأساسية في مسرحيته؟ هل كانت شخصيات أساسية في النص المسرحي أم هامشية؟ هل أضاف هذا التحول بُعدا جديدا للواقعة الإنجيلية؟ ما هي العناصر الفنية التي أضافها جبران؟ وبالتالي أين تكمن أوجه الشبه والاختلاف؟

تقول الباحثة “في محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات اقترح البحث أنه قد يكون جبران وظف الشخصيات الدينية توظيفا فاعلا، مساهما في تعزيز بنائية مسرحيته وخطابها العام. وربما أراد طرح موقفه الشخصي، وقراءته لواقعة دينية معروفة. من الممكن أن يكون جبران قد أضاف عناصر فنية وفاق مسارات مغايرة لبعض الشخصيات المعروفة”.

وتشير إلى أن المنهج المتبع في البحث هو المنهج البنيوي التكويني، الذي كان قد تبلور على يد لوسيان غولدمان، حيث يقارب النصوص من حيث محاولة القبض على رؤية المبدع إلى العالم، فهما وشرحا وتفسيرا، وربطها بإطار تكوينها الخارجي، وفق قواعد هذا المنهج. فتتمثل آلية هذا المنهج، في ما اصطلح على تسميته بالفهم والشرح؛ فالفهم هو وصف العلاقات المكونة لبنية دلالية ما، والشرح أوسع منها، انطلاقا من المرتكزات الرئيسية التي ينطلق منها هذا المنهج: كالبنية الدلالية، مستويات الوعي، والرؤية إلى العالم. فننطلق من كلية النص الصغرى لاستكشاف البنية الداخلية للنص المسرحي وشبكة علاقاته، وصولا إلى كلية النص الكبرى من مستويات الوعي إلى رؤية العالم بهدف ربطها بالخارج النصي أو الأيديولوجي الاجتماعي والتاريخي.

الشخصية الدينية

نظرة مغايرة إلى الواقعة الإنجيلية: (لوحة: فؤاد حمدي)
نظرة مغايرة إلى الواقعة الإنجيلية: (لوحة: فؤاد حمدي)

قسمت مريان الغالي البحث إلى فصلين أساسيين، ويضم كل فصل مبحثين؛ الأول بعنوان “بنائية مسرحية لعازر وحبيبته”، ويعالج الوحدات الثلاث في المسرحية: بداية من وحدة الزمان ووحدة المكان ووحدة الفعل. أما المبحث الثاني فيعالج الشخصيات في المسرحية؛ الدينية والمتخيلة، ويعمد إلى الكشف عن هذه الشخصيات وفاعلية حضورها في المسرحية. أما الفصل الثاني فجاء بعنوان “البُعد الثالث ورؤية العالم”، وهو يضم مبحثين، تعالج من خلال هذا الفصل، مستويات الوعي، من الوعي القائم إلى الوعي الممكن، كما تتناول محاور الرؤيا، من الرؤيا إلى الموروث الاجتماعي والديني. لتنتقل بعده إلى المبحث الثاني والذي تعالج من خلاله ملامح الوجودية وتجلياتها، على مستوى الفكر والشعور الجبراني.

ترى مريان الغالي أن جبران كان مفكرا اجتماعيا وإصلاحيا، بحيث انطلق من أسس وبديهيات الحقوق الإنسانية واضعا نقدا عميقا يطال المجتمع في عصر النهضة، ساعيا إلى كسر المجتمع التقليدي بمفهومه المتخلف، تأسيسا لبناء مجتمع جديد معاصر، ينعم بالعدالة، والإنسانية على حد سواء.

واستطاع جبران أن يبتكر تيارا فكريا خاصا به، انعكس تحررا اجتماعيا، وتطورا في مفاهيم التدين، ويقظة من سبات طويل يعانيه لبنان والشرق. كما شغل جبران مكانة متميزة عند النقاد ودارسي الأدب؛ فتناولوا أدبه في عدة اتجاهاتٍ، وخلصوا منها بنظرياتٍ مختلفةٍ، حول فكره، ومجالات تأثره. وقد قام بعض الدارسين بتناول أدبه من منظور ديني، إذ يستحضر جبران رموزا، وشخصيات، ووقائع، ذُكِرت في الكتب السماوية المقدسة.

وتلفت الباحثة إلى أن جبران حافظ على الشخصيات الإنجيلية في مسرحيته، من حيث أسمائها ودورها، ليُشهد تماثلا في ظهور الشخصيات ما بين حضورها الإنجيلي، وحضورها في النص الجبراني؛ مشكلة بذلك فاعلية أساسية ارتكز عليها نمو هذه الأحداث، وتطورها في منحى درامي. إلا أن جبران قد أضاف إلى شخصياته الدينية المستحضرة بعض الصفات التي لم يتناولها النص الإنجيلي، فابتكر مواصفات خاصة لهذه الشخصيات تتلاءم مع ما يرنو إليه.

وتُمثل الشخصيات الدينية في المسرحية، جزءا أساسيا من بنائيتها. خصوصا أنه اتكأ على واقعة لعازر بوصفها موضوعا أساسيا، لينتقل منه معدا تصورات جديدة ساعدت في ابتداع أفق جديد لهذه الواقعة، حيث استكملها في عمله الممسرح. لتشكل الشخصيات الدينية، تناصا واضحا مع الكتاب المقدس حيث ذُكرت فيه، يستطيع من خلالها خلق تماثلات فريدة في نصه بحسب ما أراد لها من غايةٍ ومرام.

وتلاحظ مريان الغالي أن شخصيات جبران المستحضرة في هذه المسرحية، كانت مستقاة من ماضيه، وتراثه، وبيئته التي نشأ فيها أيام حداثته، عندما تعلم الإنجيل، والتعاليم المسيحية من أمه، ومدرسته، ومعهد الحكمة تاليا. فهذه الشخصيات لها حضورها القدسي في النص الديني، وبالتالي لها مصداقية حقة، ومرموزات قدسية عند المؤمنين، فأحضرها بصفاتها كما عُرفت لكن بغير مفهومٍ، وتوجه. لذلك استنطقها، وحملها فكره ورؤاه، ليشكل بذلك تحديا للفعل المقدس، وجرأة في استكمال واقعة دينية بارزة.

شخصيات جبران المستحضرة في هذه المسرحية كانت مستقاة من ماضيه وتراثه وبيئته التي نشأ فيها أيام حداثته

واستطاع جبران بذلك كسر جمود التقاليد والأعراف، كما تخطي الحواجز، والمسلمات. فالذي يغلب على الشخصية الدينية هو الهم الوجودي الذي أغرقها في ذاتها، فغابت عنها الرؤيا كما غاب عنها المقدس، فغرقت في الحزن، والندم، والحسرة. ذلك ما يعلل فعل التأرجح ما بين الماضي والحاضر، الذي أضعفها وجعلها عرضة للتمرد، والثورة. كما فشلت في التعايش مع الحاضر ورفضته، بعد إدراكها صحوة الذات الأزلية، ما اقتادها إلى مصيرها المفترض؛ الموت ثانية من أجل قيامة ثانية، وعودة أزلية.

جعل جبران من شخصياته الدينية المستحضرة رمزا أراد به التعبير عن نوازعه ولسان حاله؛ فجعل لعازر يُغرب عن حبيبته بفعل الانبعاث العجائبي، وباسم المقدس، كما غُرب هو عن قريته الأم بفعل أحكام السلطة الدينية والاجتماعية الجائرة بحق عائلته. فما كانت غربته عن رضا منه، إلا أنها كانت قسرية بفعلٍ سلطوي مورِس بحقه. فأبى أن يحيا تلك الغربة، لذلك نراه يثور على المفاهيم والأعراف التي شكلت له فعل هذا البُعد، والظلم والقمع، فأراد تغييرها وتطوريها. أما الشخصيات المتخيلة المستحضرة في المسرحية؛ فلم يكن حضورها مجردا من الدور والتأثير، بل كان وجود هذه الشخصيات فاعلا في الإضاءة على تطور الأحداث ونموها.

وخلصت الباحثة إلى أن جبران التزم مبادئ المسرح الكلاسيكي من حيث الشكل، وراعى وحدات تأسيسه، إلا أنه قد اعتمد تقنية الحديث الجانبي في المسرحية، فجعل شخصية الظل كإحدى شخصياتها الممسرحة. كما أنه تقيد بالمسرحيات الدينية من حيث النمط، فاستمد موضوعها وشخصياتها من الكتاب المقدس، وهنا لقد استمدها من العهد الجديد. أما من حيث المضمون، فقد غير جبران بمفهومها الوعظي السائد، كالمسرحيات الدينية التي كانت تُقام في مسرح المدارس، حيث تتسم غايتها بمفهوم وعظي، إلى مفهوم فلسفي تنويري خاص، أراد به تحديث المجتمع، وإعادة تشكيله من جديد بعيدا من السلطة الدينية والاجتماعية.

14