جبران مسعود يصدر موسوعة في الأدب العربي

الأحد 2016/04/10
مسعود مشروعي تعليمي وليس تلقينيا

صَدر هذا العام عن دار نوفل-هاشيت أنطوان موسوعة “الأدب العربي فنونه وعصوره وأشهر أعلامه” للكاتب والباحث اللبناني جبران مسعود، وذلك في ثمانية مجلدات عمل فيها على الأدب العربي شعراً ونثراً، إذ تؤرخ الموسوعة لفنون الأدب العربي وتدرس خواصه وأشهر أعلامه، في العصر الجاهلي وصدر الإسلام والعصر الأموي والعصر العباسي والعصر الأندلسي، إلى جانب حركة التصوف الإِسلامي والصعاليك وشعراء المروءة والوفاء، إلى جانب حديث عن مؤرخي الأدب وأصحاب اللغة، وقد كان لـ”العرب اللندنية” الحدث التالي مع مسعود في محاولة لسبر خصائص هذه التجربة.

كثيرة هي الأنطولوجيات التي تتناول الأدب العربي وتطوره ومراحله في محاولة لرصد مسيرته والتحولات والتغيرات التي طرأت عليه، في هذه الموسوعة، مسعود يتوجه إلى الطالب من جهة، والباحث الراغب بتعميق عمله البحثي والاستناد إلى ما هو موثوق، ويرى أن الموسوعة ليست «أَنطولوجيا» فحسب، بل هي أَيضاً دراسة في تاريخ الأَدب العربيّ، وتَراجم أَشهر أَعلامه، وفي فنونه وتطوُّرها، وفي التَّفاعل القائم بين الأَديب وعصره وبيئته، ويضيف في شرح تقنية عمله “لم أَكتفِ بالجَمع فقط بل عملت على النَّقد القائم على الشَّرح والمقابلة والمناقشة، وعلى تحليل النُّصوص تحليلاً أَدبيّاً ولغويّاً وبيانيّاً لاكتشاف مواطن الجمال والإبداع فيها، وقد يعترضني موقف يلتبس عليَّ فأَنفي أَو أُثبت في غير مكان، كما في مناقشتي نظريَّة النَّحل لطه حسين”.

في ظل ما تمرّ به الثقافة العربيّة من تغيّرات وأحداث تخلخل أساسها، لِمَ اختار مسعود هذه “اللحظة” لهكذا عمل موسوعي، يعقب بأن ذلك مرتبط باستمرار مسيرته البحثية، إلى جانب إحساسه بإهمال الشأن الثقافي إثر ما تمر به المنطقة من تغيرات، والأهم، السقوط في فخِّ العولمة الخبيثة، ما أثّر على اللغة وأشاع بها الأخطاء، لا في أَوساط النّاشئة فحسب، بل حتَّى في بعض الأَوساط العلميَّة والأَدبيَّة والإعلاميَّة.

كيف يختار مسعود الشعراء/الأدباء وتجاربهم لإدراجها في الموسوعة، ما هي عوامل استثناء بعضهم؟ يجيب مسعود عن سؤالنا بأنه لم يتّبع في عمله مذهبا نقديا مُتَحَجِّرا، يعتمده ويَتعصَّب له، فيستثني هذا أَو ذاك من الشُّعراء والأُدباء، بل كان مَقصَده أَن يتخيَّر من الشُّعراء والأُدباء مَن يعبِّر عن فنِّه الأَدبيّ وأَحوال عصره وبيئته بأَفضل تعبير، ويضيف “حين نفكِّر، مثلاً، بالغزل العربيّ، يطالعنا عمر بن أَبي ربيعة في الغزل الحضريّ، وجميل بن معمَر أَو جميل بثينة، في الغزل العذريّ، لذلك وقع عليهما اختياري فأَفردت لهما دراسة خاصَّة.

الكتابة بدافع الخوف على الذاكرة
ولكنَّني عُنيت بالكثيرين من شعراء الغزل الآخرين ممَّن لم أَفرد لهم فصولاً مستقلَّة في الكتاب، فذكرتُ العَرجيَّ ومهيار الدَّيلميّ من مدرسة الغزل الحضريّ وأَوردت نُبَذاً من حياتهما ونماذج من شعرهما؛ كذلك ذكرت عدداً من شعراء المدرسة العذريَّة، منهم قيس بن ذريح أَو قيس لُبنى، وقيس بن الملوَّح أَو مجنون ليلى، وعروة بن حزام أَو عروة عفراء، ووسَّعت لأَخبارهم وشعرهم في الكتاب حيِّزاً. وما يقال عن شعراء الغزل يقال عن شعراء الفنون الأُخرى. وهنا أُشير إلى أَنَّ ما من مجموع من المجاميع الأَدبيَّة الشَّهيرة استطاع أَن يضمَّ شعراء العربيَّة وأُدباءها كلَّهم، لا الأَغاني لأَبي الفرج الأَصبهانيّ، أَو العقد الفريد لابن عبد ربِّه، أَو الذَّخيرة في محاسن أَهل الجزيرة لابن بسّام، أَو معجم الأُدباء لياقوت، أَو وفيات الأَعيان لابن خلّكان، وغيرها من المجاميع الجليلة”.

مشروع جبران مسعود يراوح بين التعليمي والنقدي، ما الذي دفعه للجوء لأنطولوجيا أدبية مطبوعة في ظل انتشار الانترنت وسرعة الوصول للمعلومات، وخصوصا من قبل الجيل الجديد الذي هو شبه مدمن لهذه التكنولوجيا، يعلق بقوله “مشروعي تعليمي لكنَّه ليس تلقيناً جامداً، بل يتخلله النقد والتحليل؛ ففي رأس قواعد النَّقد أَن يحسن الدّارس الانتقاء، وأَن يعكف على ما ينتقي فيوضح ما استغلق ويحلِّل ويقارن ويصحِّح ويستنتج، وهذا ما فعلته”. ويرى أن الإنترنت نعمة ونقمة في آنٍ معاً؛ نعمة لأَنَّه يضع المعلومات في متناول الصَّغير والكبير، ونقمة لأَنَّنا في هذه الأَيّام نتَّجه إلى السُّهولة قابعين في وجه الحاسوب، لذلك عشقنا الحاسوب فاستعبَدنا، وأَهملنا الكتاب كثيراً”.

إلى جانب الموسوعة، لمسعود عمل آخر يستحق التقدير وهو معجم اللغة العربيّة “الرّائد”، الذي نال جائزة “أصدقاء الكتاب” (1964-1965) عن أفضل كتاب لبنانيّ، ووسام الأرز الوطنيّ، لكن لا يمكن إنكار أن تأليف معجم يعتبر تحدياً لما فيه من مخاطر سياسية ولغوية، فهل التحديات التي واجهته في التأصيل لأنطولوجيا في الأدب العربي مشابهة لتلك التي واجهته حين تأليف المعجم، يجيب “كانت تجربتي في المعجم تحدِّياً أَدبيّاً ولغويّاً، إذ ليس سهلاً أَن تشقَّ نهجاً جديداً في العمل المعجميّ يختلف عمّا سبقه، وذلك لرسوخ الصِّيَغ السّابقة في الأَذهان ولاطمئنان النّاس إلى بلوغ مطالبهم فيها، أَمّا التَّحدِّي الأَكبر الذي واجهته في المعجم وفي كتابي الجديد فهو الوقت، أَمضيت في عمل المعجم خَمْسَ عَشْرَةَ سنة تخلَّلها انقطاع دام ثلاث سنوات لبَرَمٍ أَصابني ويأْس وتعب، ولكنَّني عدت بعدها إلى العمل وأَنا أَشدُّ عزماً وتصميماً، وفي الموسوعة أَمضيت سبع سنوات، توقَّفت خلالها لبعض الوقت بداعي السَّفر أَو التعب. وها أَنا اليوم -وقد ذَرَّفتُ على السّادسة والثَّمانين من العمر- أَجدني دائم التَّطلُّع إلى المزيد من العطاء في الميدانين الأَدبيّ واللُّغويّ”.

كاتب من لبنان

14