جبرا إبراهيم جبرا الروائي والشاعر والمترجم والناقد والرسام

الأحد 2014/12/21
جبرا ابراهيم جبرا غاب ليحضر أكثر فأكثر

في الثالث عشر من كانون الأول ـ ديسمبر من العام 1994 رحل المبدع جبرا إبراهيم جبرا، تاركا خلفه كماً هائلا من الأعمال الأدبية، شعراً ونقدا وترجمة وروايات. ولقد وصفه بعض النقاد “بالكائن الثقافي”، ذلك أنه أمضى سنوات عمره مثل قبطان يبحر في محيط لامحدود من الثقافة والإبداع الفني والأدبي.

ربما هو واحد من الكبار الذين تتجسد فيهم، وبامتياز لا ينال منه أدنى شك، العبارة المألوفة: “غاب ليحضر أكثر فأكثر”، لأن آثاره متعددة الأجناس، تتجدد معانيها ودلالاتها مع كل قراءة تنشد الإبداع من خلال النقد، وتكشف عن تيمات جديدة، وتستقبل إشارات لم تلتقطها قراءات سابقة، خاصة تلك التي جرت وهو على قيد الحياة.

لا يمكن هنا الإحاطة بجزء يسير من إبداع جبرا الهائل، كماً ونوعاً. غير أن إشارات سريعة لا بد منها، علها تفيد في إعادة القراءة، وأيضاً لقرّاء اليوم، الذين كانوا أطفالا صغارا يوم رحيله، أو أنهم ولدوا بعد غيابه.


الآرامي متعدد الهويات


حمل جبرا إبراهيم جبرا السرياني الأرثوذوكسي اسماً مشتقاً من اللغة الآرامية، وجبرا تعني القوة والعزيمة، أطلق على نفسه اسماً آخر في أعمال العربية والإنكليزية (أبو سدير)، وبقي محافظاً على شخصية الملفان الآرامي المعلّم، ولد جبرا في بيت لحم في العام 1919، ودرس في مدارس السريان، وانتقل إلى القدس حيث كان أساتذته رواد الفكر والأدب العربي في القرن العشرين، مثل إبراهيم طوقان، إسحق موسى الحسيني وعبدالكريم الكرمي، ثم غادر الكلية العربية في القدس إلى بريطانيا، حيث تصادف حصوله منها على الماجستير مع سنة النكبة الفلسطينية وإعلان دولة إسرائيل في العام 1948.

بدأ جبرا بكتابة القصة القصيرة في فلسطين، ونشرت قصصه في “الرسالة” و”الهلال” و”الأمالي”، وقبل أن يغادر القدس كتب روايته باللغة الإنكليزية في العام 1946، ثم بعد تسع سنوات أعاد كتابتها باللغة العربية، وكان عنوانها “صراخ في ليل طويل”.

ويعترف كبار المثقفين والأدباء والكتاب بفضل جبرا عليهم في ترجماته النوعية، فهو قدّم ترجمة لأعمال شكسبير، تعدُ باعتراف الجميع الأميز والأدق والأجمل، وبذلك ساعد المخرجين المسرحيين العرب، والشعراء على إنتاج أعمال تستلهم الروح الشكسبيرية بلغة شكسبير الخاصة.

ولعشاق الرواية، القرّاء والكتاب، كانت ترجمته لرائعة الأدب العالمي “الصخب والعنف” لوليم فوكنر، فتحا جديدا لهم، قدم للقارئ بالعربية متعة اكتشاف دراما الحياة في عالم الغرب، وللكتّاب قدم مساعدة لهم ليتعرفوا على معنى جديد لفن الرواية، متجاوزا البنى القديمة التقليدية. وانعكس ذلك على عدد من الروايات الجديدة لبعض الروائيين العرب، تلك الصادرة بدءاً من نهاية الستينات.

الفلسطيني الذي كتب عنه جبرا في روايته الشهيرة "البحث عن وليد مسعود"، يلقى مصيرا مجهولا في ضياعه على خارطة الجيوبولوتيكا العربية في المشرق، ولكن جبرا يصر على ضرورة البحث عن وليد والعثور عليه


عالم جبرا بلا خرائط


ويلحظ القارئ لروايات جبرا أنها افتتحت دروبا جديدة للفن الروائي، لا قيد فيها على بناء الشخصيات الحرة والمتحررة من القيود، والطامحة لأعلى درجة من الانعتاق، وهي تحمل عدتها الثقافية الغنية باتساعها وتنوعها وعمقها. والأمر ذاته على مستوى التقنية الروائية ومفهوم الزمن، والزمن الروائي، ولغة السرد ومستوياته وتعدد طبقاته، وبناء الشخصيات. يضاف إلى ذلك محاولة تجريب الكتابة المشتركة لرواية واحدة، وهو ما طالعناه له في رواية”عالم بلا خرائط”مع صديقه عبدالرحمن منيف.

وبجوار الرواية، جاءت سيرته الذاتية وبعض مذكراته، في عملين مميزين: “البئر الأولى”، “وشارع الأميرات”، وهما يضيفان إلى متعة النص في لغته وأحداثه وصوره، اتجاها جديدا لكتابة السير الذاتية والمذكرات.

لاقى عالم جبرا إبراهيم جبرا، الروائي، اهتماماً نقدياً كبيراً، دلت عليه سجالات النقاد وتباينات رؤاهم وتقييماتهم لرواياته. ولأن الزمن العام، والمرحلة التي كتب فيها جبرا رواياته، كانت مثقلة بأعباء الأيديولوجيا كقاعدة للنقد الأدبي، خاصة الأيديولوجيات الثورية، تم توصيف الرجل بالابتعاد عن قضايا الشعب الكادح وهموم الأمة، حتى أن البعض ذهب للنيل من انتماء جبرا لقضية بلده فلسطين.

والأكيد أنه كمبدع لم ينتم لحزب أو منظمة أو جماعة ثقافية، كالغالبية من مجايليه، وضعه في مكان غير مألوف في الوعي الثقافي والنقدي السائدين في ميدان الأدب والإبداع، في المرحلة التي ظهر فيها جبرا مبدعاً متعدداً وشاملاً الخمسينات حتى التسعينات.


البحث عن جبرا


كتب جبرا سبع روايات “صراخ في ليل طويل”، و”صيادون في شارع ضيق”، و”السفينة”، و”البحث عن وليد مسعود”، و”عالم بلا خرائط”، و”الغرف الأخرى”، و”يوميات سراب عفان”. وهي من ناحية المضمون، ذات هاجس واحد مشترك، هو قلق الضياع والاغتراب والغياب.

ويتصل هذا الهاجس بهموم الإنسان العربي بشكل عام، ويتصاعد أكثر عند الشخصيات الفلسطينية التي تحضر في رواياته حضورا قويا، خاصة في “صراخ في ليل طويل”، و”البحث عن وليد مسعود”، و”يوميات سراب عفان”.

في اثنتين من تلك الروايات “البحث عن وليد مسعود” و”يوميات سراب عفان”، نقف عند شخصيتين فلسطينيتين، وليد الذي يلقى مصيرا مجهولا في ضياعه على خارطة الجيوبولوتيكا العربية في المشرق، مع إصرار الكاتب في تطور الحدث الروائي على ضرورة البحث عن وليد وأهمية وضرورة العثور عليه، لتنتهي الرواية بجمع الملفات والوثائق التي يمكن أن تساعد في الكشف عن سر ضياعه الغامض. وسراب، التي يحيل اسمها، كشخصية أساسية في الرواية، إلى التباس جراء تداخل الواقع بالحقيقة.

ونجد في أحداث الرواية قلق البحث عن الهوية الذي يؤرق يوميات سراب عفان، حيث انتسابها لفلسطين متداخل أسرياً، وجدّتها التي كانت تحدثها في عمان عن القدس، أسهمت بجعل انتماء سراب لفلسطين انتماءً لقضية، بصرف النظر عن الانتماء للمكان الجغرافي.

أما في “السفينة” ، التي أبحر على ظهرها رجال من عدة أقطار عربية، يأخذ الفلسطيني وديع عساف دورا مركزياً، يرفض الإقرار بالفشل، ويمضي على طريق سيزيف مجددا المحاولة. ولأن زمن صدور الرواية جاء بعد هزيمة حزيران فالفلسطيني وديع عساف لم يقبل الركون لليأس، ورفض الانتقال إلى أوروبا للخلاص.

من خلال هذا التناول السريع والخاطف، لشخصيات روايات جبرا يمكن تبيان خلل النقد الأدبي الذي نال من مكانة جبرا كروائي مهموم بقضية فلسطين. وبخلاف مع النقد الذي قارب به النقاد البناء الفني لروايات جبرا، إذ كانت دراساتهم ومعالجاتهم فيها الإنصاف والموضوعية، فكيف لا وهو من أوائل الكتاب العرب الذين أنتجوا روايات حديثة فنيا، على خلفية ثقافية تقوم على موسوعية الاطلاع على الأدب العالمي، ونظريات الرواية، ومدارسها القديمة والحديثة. ويلحظ من يقرأ أعمال جبرا النقدية، وترجماته لبعض أمهات الكتب ذات الصلة بثقافة الإبداع الفني، كم هو المخزون الفكري والأدبي والفني الذي نهل منه جبرا بعد تمثله له بشكل خلاق. وأنتج جبرا في هذا المضمار النقدي مؤلفات كثيرة، من أهمها: “الحرية والطوفان”، “المرحلة الثامنة”، “النار والجوهر”، “ينابيع الرؤيا”، “الفن والعلم والحلم”، “تأملات في بنيان مرمري”، “أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال” فضلا عن الترجمات التي تتعلق بالرمز والأسطورة والفلسفة.
يعترف كبار المثقفين والأدباء والكتاب بفضل جبرا عليهم في ترجماته النوعية، فهو قدم ترجمة لأعمال شكسبير، تعد باعتراف الجميع الأميز والأدق والأجمل


الباحث عن وطن للعودة


عاد جبرا من لندن إلى العراق وليس إلى القدس، وعاش فيه كوطن حقيقي له، وأخذ يدرّس في جامعات العراق حيث التقى هناك بالسياب والبياتي وأصبح صديقاً لهما، وواكب تطور تجربة الشعر الحر، وكتب قصيدة النثر بعد سنوات، قال جبرا عن جرأته في كتابة النثر وهو من جيل التفعيلة والوزن: “إن إدخال نغمة جديدة على فن قديم يعتمد على الموسيقى التقليدية أمر يحتاج إلى جرأة كبيرة، وعلى القدرة والبراعة، وأنا قد لا أمتلك الأخيرتين ولكني مندفع في سبيلي مهما اعترض عليه الناس”، سافر جبرا من العراق إلى أميركا والتحق بجامعة هارفارد، ثم عاد إلى العراق من جديد في العام 1954 وعمل في شركة “نفط العراق”، وتابع تدريسه في جامعة بغداد حتى أواسط الستينات، كان جبرا هرماً شامخاً في عالم الإبداع، في كل قراءة جديدة نكتشف المزيد من المعاني. ومن لم يقرأه فليذهب إلى مؤلفاته، أما الذين قرأوه فلا بأس من إعادة القراءة بعد عقدين من رحيله. وهو ككل الكبار حيٌّ ومتجدد في عالم مؤلفاته ونصوصه.


قصيدتان لجبرا



خرزة البئر


احترق القمح واندلعت

قراب الزيت على بديد الحجارة

وعليها صلب عيسى من جديد

خرزة البئر لنا جلجلة ثانية

ومن ثغرها الخصيب ستنطلق

الحمم السوداء لاهبة لاظية

بلحم الصبايا والحبالى

لتبيد

زارعي الموت

مطعمي العقبان في أرضنا

وعندها من فيضها القدسي الخصيب

ستحيي ستحيي

كل قرانا من جديد


"في يومي ذاك الأخضر"


في يومي ذاك الأخضر

إذ كنت كالعود الطري

أخضر يومي وليلي

بين فروع التينة

أكل التين الندي

مع رفقتي الحفاة

(أقدامنا صخر مرمي)

وأبو خليل يصيح

راكضًا في قمبازه

في إثرنا

وسوطه في يده

“والله لأذبحكم

أكلتم التوت والتين”.

10