جبرا وقطرتا الحلاوة

كان ذلك النص "الجبرائي" فياضا ببساطة جليّة؛ لكنها بساطة الحفريات العميقة التي تقطّر الخبرات المعتّقة في مفردات شفافة.
الأربعاء 2018/04/04
فعل ما فعل ابتغاء لقطرتين فحسب من الحلاوة في بحر المرارات

  لم أزل أذكر غمامة الحزن التي داهمتني وأنا أقرأ مقالة الروائي والمترجم الراحل جبرا إبراهيم جبرا التي كتبها في مجلة “آفاق عربية” قبل أيام قليلة من رحيله.

كانت المقالة بعنوان “قطرتان من الحلاوة”، وقد احتلّت الصفحة الكاملة ما قبل الأخيرة المخصصة لكبار الكتاب، قرأت المقالة مرارا واستشعرت طعم الأسى الذي كان يفضح انطفاء وهج الحياة في روح جبرا إبراهيم جبرا، الذي عرفته كاتبا صديقا رائعا؛ غير أنّ ذلك الأسى كان مُحمّلا بشحنة فلسفية عميقة جعلت ذلك النصّ وكأنه خبرة جوهرية من الخبرات المكثفة الأثيرة في الحياة.

 كان ذلك النص “الجبرائي” فياضا ببساطة جليّة؛ لكنها بساطة الحفريات العميقة التي تقطّر الخبرات المعتّقة في مفردات شفافة.

يقول جبرا في نصّه -وبقدر ما تسعفني به ذاكرتي- أنّه مضى في حياته لفعل أشياء كثيرة مدفوعا بدوافع مختلفة في ظاهرها؛ فقد أبحر منذ بواكير شبابه أيام الحرب العالمية الثانية للدراسة في كامبريدج، ثم ركب المحيط مرة ثانية لإكمال دراسته في هارفرد، ولطالما جدّف مع زملائه الكامبريدجيين في نهر الكام الذي شهد سباقات التجديف الشهيرة، وعرف أناسا كثيرين، ومضى يمشي لمسافات طويلة في متاهات الغابات، وشرب أنواعا لا تحصى من النبيذ، وكتب كتبا كثيرة، ودبّج مقالات عديدة، إلخ.

ثمّ ينتهي جبرا بتقرير حقيقة تنطوي على خلاصة تجربة ثرية عندما يعترف بأنّه فعل ما فعل ابتغاء لقطرتين فحسب من الحلاوة في بحر المرارات التي يعيشها كل امرئ منا.

غريبة هذه الحقيقة جدا!! وبقدر ما هي غريبة للوهلة الأولى فإنّها تشعّ بحقيقة ساطعة نعيشها ولا ندركها في الغالب، ولعلها إجابة معقولة إلى حدّ ما لذلك السؤال الفلسفي الأنطولوجي الذي نطرحه -بين أسئلة كثيرة- عن معنى الحياة وجدواها وغائيتها، وقد يُفني الكثيرون منّا سنوات طويلة -بل وربما حيوات كاملة- وهم يبحثون عن إجابات لمثل تلك الأسئلة يحدوهم أمل عريض في بلوغ إجابات حاسمة وكأن الحياة البشرية موضوع تجربة مختبرية يمكن التوثّق من أسئلتنا في شأنها بإجابات قاطعة، وقد ينوّع البعض في قراءاته وبحوثه مستعينا برؤى فلاسفة وفيزيائيين -بل وحتى علماء رياضيات- وغالبا ما ينتهي به الأمر إلى ما يشبه المتاهة الفكرية والوجودية.

 أرى أنّ عبارة جبرا تنطوي على قيمة أثيرة من جانبين: الأوّل وجوديّ يختصّ بتأكيد قيمة التجربة الفردية والرؤية الشخصية في مثل هذه الأسئلة الوجودية وعدم جدوى الإجابات الجمعية حتى في الحالات التي تكون للتجربة الفردية قدرة على ملامسة تجارب الآخرين والتجاوب معها.

أما الجانب الآخر فهو فلسفي خالص يؤكّد أهمية القيمة الميتافيزيقية لمعظم الموضوعات التي نادرا ما نعيرها اهتماما مناسبا ونحن في زحمة العيش ومعضلاته التي لا تنتهي، والقيمة الميتافيزيقية في عبارة جبرا تتصادى مع عبارة “أملٌ من غير تفاؤل” وهي عنوان أحد أحدث كتب الناقد الثقافي البريطاني تيري إيغلتون.

 يمتلك الأمل سطوة في حياة المرء لأنه يختصّ بتطلّعات ميتافيزيقية الطابع، مثالها قطرتا الحلاوة اللتان سعى وراءهما جبرا؛ في حين أنّ التفاؤل ينشأ من تحقق أهداف مادية الطابع ومشهودة على أرض الواقع، وهي في العادة أهداف قصيرة النفَس مصيرُها الذبول المحتوم ولو بعد حين.

14