جبروت المرأة يجتاح مهرجان فينيسيا

فيلم "المفضلة" يسعى إلى الكشف عن دناءة السلطة، وتدني من يديرون الأمور من وراء الستار، وتفاهة الاستبداد أيضا.
السبت 2018/09/01
لحظة تدبر لأمر جلل

فيلمان كبيران من أفلام المسابقة الرسمية في الدورة الـ75 من مهرجان فينيسيا جذبا الأنظار بقوة ودفعا بالحرارة والحيوية مع بداية عروض المسابقة التي انطلقت الخميس في تنافس لم يشهده المهرجان العريق منذ سنوات، مع وجود عدد كبير من الأسماء المرموقة في عالم الإخراج وأساسا من عالم “سينما المؤلف” أي المخرج صاحب الرؤية السينمائية الخاصة.

فينيسيا (إيطاليا) – قدّم مهرجان فينيسيا السينمائي الجمعة فيلمين أنتجا قبل حملة “أنا أيضا” التي ظهرت بعد الكشف عن أعمال التحرش الجنسي في هوليوود، ولكنهما في الوقت نفسه يمكن اعتبارهما مثالين على ذلك الاهتمام الكبير الذي أصبح السينمائيون يولونه لإبراز دور المرأة في السينما بعيدا عن صورتها التقليدية كزوجة أو عشيقة أو صديقة، أو كسلعة تكميلية.

يأتي إلى المسابقة متمردا على مهرجان كان الذي دأب على المشاركة فيه المخرج اليوناني المرموق يورغوس لانتيموس (45 سنة) الذي فتح أمامه فيلم “ناب الكلب” (2009) ومن بعده “الألب” (2011) الباب للخروج من عالمه المشغول بعبثية الواقع اليوناني المعاصر، لكي يخرج أفلاما أخرى ناطقة باللغة الإنكليزية تكون أكثر قبولا لدى الجمهور الغربي. وبعد “سرطان البحر” (2015)، ثم “مقتل غزال مقدس” (2017)، ها هو يعود اليوم بفيلم شديد الاختلاف عن كل أفلامه السابقة، وهو فيلم “المفضلة” The Favourite.

والفيلم الجديد لا شك أنه يعتبر من أكثر أفلام لانتيموس قربا إلى الجمهور العريض، وقد قوبل بحماس كبير في عرضه الصحافي ثم بعد العرض العام بالمهرجان، وفيه يعود لانتيموس إلى بريطانيا القرن الثامن عشر، إلى عهد الملكة آن من خلال كوميديا تدور داخل أروقة البلاط الملكي، تشيع فيها المؤامرات والدسائس، وتدور حول شهوة السلطة والرغبة في السيطرة والتنافس الشرس بين امرأتين، تتطلع كل منهما إلى أن تحظى بمكانة الوصيفة المفضلة لدى الملكة آن التي كانت تعاني منذ وقت مبكر من اعتلال صحتها. وينتقل الفيلم من الرغبة في الاستحواذ على رضاء الملكة إلى التدني الأخلاقي والسقوط في سياق سردي تقليدي إلى حد كبير (وهو ما يجعل مهمة الجمهور سهلة هذه المرة مع لانتيموس بعيدا عن رموزه الصعبة) يسعى إلى الكشف عن دناءة السلطة، وتدني من يديرون الأمور من وراء الستار، وتفاهة الاستبداد أيضا.

ملكة بين امرأتين

تقوم بدور الملكة آن الممثلة البريطانية أوليفيا كولمان التي تقبض على الشخصية بتناقضاتها بكل قوة وبراعة في التجسيد والتقلب من الضعف الشديد والتردد والتلعثم إلى العنف والشراسة واليقظة، ومن الشراهة في الأكل والجنس الشاذ، إلى السقوط في الغيبوبة ثم العودة إلى القبض على مقاليد الأمور، ومن الحب الشديد والتمسك الطفولي إلى الانتقام البشع.

إنها تبدو في لحظة مجرد طفلة صغيرة في حاجة إلى من يتولى أمورها، فهي حتى لا تستطيع السير ويضعونها بصعوبة على مقعد متحرك، وفي لحظة يمكن أن تغضب وتصب اللعنات على الجميع.

آن مريضة بقرح في ساقيها، لا تقوى على السير بشكل طبيعي، مترهلة مفرطة في السمنة بسبب إدمانها تناول المشروبات المسكرة والحلوى والأكل في منتصف الليل، وهي تعتمد بالدرجة الأساسية في تسيير أمور المملكة على “الليدي ساره تشرشل” أو “دوقة مارلبورو” (رتشيل ويتز)، التي تقيم علاقة خاصة مع الملكة تستولي من خلالها على عقلها وقلبها إلى درجة أنها تناديها باسمها المجرد آن، وتصدر لها الأوامر وتنهرها.

نموذج آن رغم الجوانب الكوميدية في تصرفاتها وشخصيتها، تكمن فيها أيضا جوانب تراجيدية، فهي قد حرمت من الأبناء، وقد أنجبت لزوجها 17 طفلا لكنهم ماتوا جميعهم، وأصبحت تسريتها الوحيدة تقريبا التي تعوضها عن غياب الأطفال، 17 أرنبا تحتفظ بها داخل أقفاص في غرفة نومها، وتترك لها الفرصة بين وقت وآخر للانطلاق خارج الأقفاص والجري فوق بساط الغرفة الشاسعة.

لانتيموس يعود في "المفضلة" إلى بريطانيا القرن الثامن عشر، من خلال كوميديا تدور داخل أروقة البلاط الملكي
لانتيموس يعود في "المفضلة" إلى بريطانيا القرن الثامن عشر، من خلال كوميديا تدور داخل أروقة البلاط الملكي

ما يحدث هو أن فتاة أكثر شبابا وربما أيضا أكثر جمالا وجاذبية من ساره تصل إلى القصر حاملة رسالة تزكية، إنها “أباجيل” وهي في الحقيقة ابنة شقيق ساره نفسها، لكن رغم أصولها الأرستقراطية تعرضت أسرتها لضائقة أدت بها إلى أن تأتي اليوم للعثور على عمل.

في البداية يسندون إليها العمل كخادمة في المطبخ الملكي، وهي تتسلل ذات يوم وتداوي قرح ساقي الملكة باستخدام بعض الأعشاب الطبية فترتاح الملكة من تأثيرها، فترفع ساره من شأن أباجيل وتجعلها خادمتها الخاصة، تأتمر بأوامرها وتطلعها في غيابها على كل ما يحدث في القصر.

لكن أباجيل ستمضي في التقرب من الملكة، بل وتغويها جنسيا إلى أن تستولي عليها تماما في منافسة شرسة مع ساره التي تحاول بشتى الطرق أن تبعد الملكة عنها، لكن أباجيل تتمكن من وضع السم لساره التي تسقط من فوق صهوة الحصان وتصاب بجروح تشوه وجهها، فيلتقطها رجل يعمل لحساب ماخور كبير مخصّص للسادة النبلاء، يعالجونها هناك ويبقون عليها أملا في أن تنضم إلى طابور العاهرات من الطبقة الرفيعة، أما أباجيل فتستغل إعجاب فارس شاب بها سيصبح من الوزراء البارزين، وتدفعه إلى الزواج منها، وبالتالي تحصن وجودها ضمن الطبقة الأرستقراطية.

في الفيلم مشهد يدور في الغابة، حيث تتنافس المرأتان (ساره وأباجيل) في صيد الطيور بالبنادق، كل منهما تقيس قوة غريمتها في الوقت الذي تريد أن تتفوق أيضا في الفوز بنصيب الأسد من الصيد.

وفي إحدى اللقطات، يحتدم النقاش في ما بينهما ويكشف عن الغيرة الشديدة التي تكنها كل منهما للأخرى، وعندما تطلق أباجيل النار فتصيب الصيد، تتطاير قطرات من الدم لتصبغ جانبا من وجه ساره في إشارة تمهيدية إلى ما سيقع لها في ما بعد عندما يصبح وجهها مشوها وتضطر إلى ربط جانبه الأيسر برباط لإخفاء التشوه.

يتعرض الفيلم للكثير من الجوانب السياسية، خاصة رفض الملكة الاستجابة لما تطلبه منها ساره من رفع الضرائب، لكنها تقبل إعلان الحرب على فرنسا ثم تتراجع وتقبل توقيع اتفاقية سلام مع الجارة، فهي تغفو ثم تصاب بنوبات يقظة ذهنية مفاجئة تكشف عن ذكاء وحنكة في النظر إلى الأمور السياسية، في تناقض مع ما تبدو عليه غالبا من بلاهة.

يورغوس لانتيموس مدهش في سيطرته على التصوير داخل المواقع المختلفة تماما عن عالمه: القصور الملكية من الداخل والخارج، يلجأ كثيرا إلى تحريك الكاميرا (ترافلينغ) أمام الشخصية في ردهات القصر لمتابعتها في ذهابها ورجوعها، وفي الاستفادة من الإضاءة لخلق إيحاءات تشي بالحالة النفسية، والإكثار من اللقطات القريبة للوجوه لتحقيق التأثير المباشر على مشاعر المتفرج، ولكن هذا أساسا فيلم أداء تمثيلي.

والغريب أن لانتيموس مؤلف الأفلام الذي لا يولي عادة أهمية كبيرة للممثل في أفلامه باعتباره يشكل جزءا من “الرؤية” البصرية التي تشغله أكثر، يكشف هنا عن قدرة كبيرة على السيطرة على ثلاث من الممثلات (كولمان، ويز، ستون) اللاتي يشتركن في مباراة ممتعة تبرز دور المرأة في جبروتها وشراستها ورغبتها التي لا تعرف حدودا.

ولكن أيضا المرأة ككائن جميل لديه شعور بالحب، يدفعه الألم إلى القسوة على الآخرين، ويشعر بالألفة مع الحيوانات.

العودة إلى الواقعية

عبث طفولي
عبث طفولي

الفيلم الثاني الذي أثار الإعجاب هو فيلم “روما” Roma للمخرج المكسيكي ألفونسو كوارون (57 سنة)، وفيه ينتقل من عالم الخيال كما تبدى في أفلامه السابقة مثل “هاري بوتر وسجين إزكبان” و”أطفال الإنسان” و”جاذبية الأرض” إلى أسلوب أقرب إلى أسلوب الواقعية الجديدة.

عنوان الفيلم يشير إلى الحي الذي نشأ فيه المخرج كوارون في مكسيكو سيتي، وهو أحد أحياء الطبقة المتوسطة، وفي الفيلم مشهد يعتبر مفتاح الفيلم تقول فيه السيدة ربة المنزل التي هجرها زوجها وتركها بأطفالها الأربعة ترعاهم وحدها للخادمة التي تنتمي إلى السكان الأصليين الملونين الذين يشكلون الجنس الأدنى في المكسيك “نحن وحيدات، وسنظل وحيدات.. الرجال لا يهتمون سوى بالرجال أمثالهم، ليس لنا سوى بعضنا البعض”.

ليست في الفيلم قصة درامية تتصاعد فيها الدراما نحو ذروة ما، لكن ليس معنى هذا أننا لسنا أمام عمل درامي، فالدراما في الفيلم تنبع من الواقع، من الصور الصادمة التي ترصدها الكاميرا التي تحوّلت مهمتها هنا إلى مراقب يرصد ويتوقف أمام الشخصيات والأحداث، كما لو كانت وظيفتها تسجيل التاريخ الإنساني.

وتدور الأحداث في فترة زمنية محددة من تاريخ المكسيك في أوائل السبعينات بعد وصول الرئيس لويس إيشيفيريا ألفاريز إلى السلطة، لكن السياسة تأتي في ما بعد، ففي البداية كانت الأسرة، ومن الأسرة ينطلق الفيلم لكي يرصد ويحلل مأزق العيش في بلد تمزقه التناقضات على كل المستويات.

هنا لدينا سيدة وأربعة أطفال وخادمة، هم العمود الفقري للفيلم، لكن المرأة السيدة والخادمة هما محور الفيلم والعلاقة بينهما التي تتجاوز التناقضات الطبقية والأصول العرقية، تشي بفكرة التضامن بين النساء التي تدور من حولها الأسرة، فالمرأة عماد الأسرة، والمرأة التي تعمل لتكسب عيشها تشعر بمشاعر المرأة الأخرى التي أصبح يتعين عليها الآن البحث عن عمل بعد أن شح الدخل وانقطع ما كان يأتي من جانب الزوج الذي هجرها وهجر أبناءه إلى عشيقته، وأصبح المصير بين المرأتين مشتركا.

وبعد أن تعلن الأم للأبناء للمرة الأولى أن والدهم لن يعود إليهم، تتعهد لهم وتكرّر بأنها لن تتخلى عنهم أبدا وبأنهم لا بد أن يظلوا معا، وأن وجودهم معا هو الضمان الوحيد للبقاء. والسيدة هي التي تدفع تكاليف توليد الخادمة، وتذهب أمها، أي أم السيدة أو جدة أطفالها معها إلى المستشفى لتحضر الولادة المتعسرة التي تتم في ظروف إطلاق النار في الشوارع على المتظاهرين، وهي تحتضن الخادمة وتصر على بقائها معهم بعد أن أصبحت فردا من الأسرة.

تأمل الخادمة في العثور على فتى أحلامها وتتصوّر أنها عثرت عليه في شاب قوي يمارس فنون القتال الآسيوية المعروفة، تقيم معه علاقة، لكنه يتركها ويرحل لكي تكتشف أنها حامل منه، وتحاول أن تبحث عنه وتصل إليه، لكنه يلفظها بقسوة أمام أقرانه في ساحة هائلة للتدرب على هذا النوع من القتال العنيف. هذا المشهد يجمع بين الخاص والعام، فالعام يتمثل في القسوة والعنف اللذين يتجه إليهما المجتمع تحت إشراف مدربين يتم استيرادهم من كوريا وأميركا، والخاص ينحصر في الغدر والخسة اللذين يتصف بهما سلوك الرجل “القوي” تجاه المرأة “الضعيفة” التي يصفها بأنها مجرد “خادمة قذرة”!

إن كاميرا كوارون الذي صوّر الفيلم مع كالو أوليفاريز، تتجوّل في مشاهد صعبة معقدة تدور في فضاءات فسيحة، تشمل الآلاف من الممثلين الثانويين، والدوران والتحرك الحر وسط الموقع والقدرة على المناورة والالتفاف في عرض سينمائي مشهود.

ومن أهم مشاهد الفيلم مشهد الولادة التي نراها أمام الكاميرا بكل تفاصيلها حيث تأتي المولودة ميتة، ومشهد المظاهرات الطلابية الحاشدة وتصدي قوات الأمن للمتظاهرين وإطلاق النار عليهم، علما بأنه قد قتل 120 منهم في تلك المذبحة.

وينتقل كوارون من اللقطات القريبة إلى اللقطات العامة، ويستخدم الحركة البانورامية للكاميرا لرصد المجاميع، ويتوقف كثيرا أمام الأطفال في لهوهم ولعبهم، بل ويصوّر مشهدا مرعبا لنزول الأطفال إلى البحر الهائج حتى تصوّرنا أن الأمواج قد جرفتهم وأغرقتهم.

والفيلم بأكمله مصوّر بالأبيض والأسود، وفيه الكثير من الأحداث الحقيقية التي تعرضت لها البلاد: الزلزال، المظاهرات، استعراضات عسكرية بالموسيقى في الشوارع لا تكف عن المرور أمام منزل الأسرة، أنواع السيارات التي كانت تستخدم، الحركة الصعبة في شوارع المدينة، والقرى المحيطة حيث يقطن السكان المهمشون من السكان الأصليين، وهي عبارة عن أكواخ متداعية تمر عليها الكاميرا في مشهد طويل عندما تذهب الخادمة تبحث عن أهلها.

“روما” سيدخل تاريخ السينما باعتباره أحد أهم الأعمال التي خرجت من المكسيك، وأهم أفلام مخرجه حتى الآن.

13