جبر علوان.. الفنان العراقي المحتفى به أدبيا

رسومه تُلهم الشعراء وتفتن مشاهديها.
الأحد 2021/05/09
فنان يرسم ليصل إلى لذة الرسم

قيل إن الموضوع ذريعة للرسم ليس إلا. أحيانا يتعامل الرسام مع موضوعه بنوع غريب من الوله والشهوة كما لو أنه يستحضر لحظات صافية عاشها من غير أن يتمكن من الإمساك بها. “لقد فر الزمن بها وهي ليست من مادته” ذلك ما تقوله يد الرسام المشبعة خيالا.

العراقي جبر علوان يرسم ليصل إلى لذة الرسم التي لا تُرى بل تُعاش وتُحسّ بالاستعانة بالحواس كلها. لا يستعين بذاكرته إلا إذا شعر أن يده صارت على تماس مع خيال الواقعة التي يرسمها. يمكننا أن نصدق أن تلك واقعة كانت قد وقعت في لحظة ما، غير أن متعة الامتزاج بها هي أهم من التفكير بطريقة واقعية.

العالم من غير خطوط

لا يملك سوى أن يكون ملوّنا. علوان لا يرى الخط الذي يفصل بين جسد المرأة والعالم الذي يحيط بها. هي ليست جزءا منفصلا عن ذلك العالم حتى وإن كانت جوهر حياة منفصلة بسبب انغلاقها على سحرها الذي لا يُبارى. فالمرأة بالنسبة إلى الفنان ليست جزءا من محيطها بل هي الفكرة البصرية التي يسعى ذلك المحيط إلى تقليدها والحذو حذوها، كونها كيانا لا يُرى مباشرة في جنته وفي جحيمه على حد سواء.

بالنسبة إلى علوان فإن كل الطرق تقود إلى المرأة. سيُقال “الأنوثة لعبته”. ليس تماما. كل ما يقوم به هو عبارة عن تمارين في الغزل. ستكون المسافة ما بين الفشل وبين الحظ الحسن مناسبة لكي يُظهر الرسام مهارته المدرسية. جبر رسام كلاسيكي. اتركه في متحف لعصر الباروك وسيعيش العمر كله منعّما بمتعة الحياة.

“في أي عصر أنت؟” لا يهمه أن يوضع في عصر بعينه. هو ابن الرسم ومعلّمه في الوقت نفسه. لقد تعلّم من الآخرين كيف يكون مخلصا لعينه متفهما لحيوية المواد التي يستعملها. غير أن تجربته في الحياة علّمته أن يتبع حواسه كلها وأن يعلو بالألوان إلى أرقى مستويات انفعالها وأن يتفاعل مع نساء ذهبن إلى الذاكرة، قد لا يكون قد التقاهن يوما ما.

من خلال رسوم علوان تمتزج ذاكرة الرسم بذاكرة الرسام. يرسم مثل الرسامين الكبار ويعيش مثل العشاق الحائرين.

الخط الذي يفصل بين جسد المرأة والعالم الذي يحيط بها، لا يراه علوان. فهي عنده ليست جزءا منفصلا عن ذلك العالم حتى وإن كانت جوهر حياة منفصلة

ولد علوان في مدينة الحلة ببابل عام 1948. تخرج في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1970. عام 1972 رحل إلى روما وعاش هناك معتمدا على الرسم في ساحة “نافونا”. درس النحت في أكاديمية الفنون الجميلة بروما وتخرج فيها عام 1975. وأقام أول معارضه الشخصية فيها في نفس السنة. بعده أقام أكثر من ثلاثين معرضا شخصيا بين روما وفيينا والكويت ودبي والقاهرة وعمان وبيروت وليج ببلجيكا ولندن وتونس وفلورنسا وباريس ودمشق.

عام 2014 أقام علوان معرضا شخصيا في مركز بيروت للمعارض بعنوان “حالات”. ذلك عنوان يمكن أن يُطلق بشكل شامل على كل تجربته الفنية بكل مراحلها الأسلوبية. فبالرغم من المشهدية المسرحية التي تتميز بها طريقة علوان في بناء التكوين فإن الوصف الخارجي ليس مقصودا لذاته بل هو عبارة عن واجهة سرعان ما تتلاشى من خلال التأمل البطيء ليحل محلها التعبير العميق عن حالة إنسانية ما. تمتزج في تلك الحالة العاطفة بالانفعال لينتجا الصورة التي تبدو كما لو أنها ذكرى لحدث مؤثّر وصادم امّحت تفاصيله ولم يبق منه إلا شعاعه الذي غالبا ما يضرب الأعين بلونه الأحمر الصارخ.

وكما هو معروف فإن نقل الحالة أصعب من التعبير عنها وهو أكثر صعوبة من وصفها كما لو أنها حدث يمكن رؤيته. علوان يزج بمتلقيه في الحالة وكأنه يلقي به فجأة من غير أيّ تمهيد في البحر. كل لوحة من جبر علوان هي تجربة للغرق في عالم استفهامي تغلب عليه العاطفة. فالرسام الذي يتصل بفرشاته عاطفيا من غير أن يملي عليها أيّ نوع من الأفكار هو رسام متعوي بالدرجة الأساس. يرسم لكي يكون في أقاصي النشوة. كما أن خيلاءه باعتباره رساما لا يمكن التغاضي عنه. ذلك ما يضع متلقي رسومه في موضع سعيد. يقدم علوان حياة كاملة بضربات مقتضبة. سيكون علينا أن نفكر في لغة الشعر التي يمكنها أن تحوّل لغة الناس العاديين إلى شذرات ماسية.

رسام الكائنات الجميلة

Thumbnail

غالبا ما يرسم علوان في كل مرة سلسلة متصلة من اللوحات. تنفتح اللوحة على لوحة سبقتها وتمهد للوحة ستليها. بالرغم من أن كل لوحة يمكن أن تُرى لوحدها من غير أن يشعر المشاهد بأن هناك ما ينقصها. لا يجد الفنان تعارضا بين استقلال اللوحة وبين النظر إليها باعتبارها جزءا من كلّ. وفي ذلك إنما يخلص إلى الحالة الشعورية والمزاجية التي يعيشها في مرحلة ما.

يكشف من خلال سلاسله التي لا تستند إلى وحدة الموضوع وحسب بل وأيضا إلى أسلوب التعامل مع المساحات اللونية الذي يكاد يكون عاملا مشتركا بين لوحات السلسلة الواحدة. فبالرغم من أن عالم علوان يغري بفتنته بحيث ينزلق المرء إليه من غير أن يفكر طويلا في أسباب انشداده إلى ذلك العالم فإن هناك اختلافاً يمكن تبينه بين مرحلة وأخرى من جهة المعالجات اللونية التي تشكل العمود الفقري لأسلوب الفنان.

ومثلما يحتفي علوان بنسائه وكأنه يقيم مهرجانا لا يشبه سواه فإنه يعدي زوار عالمه بشغفه ومتعته وبهجته وسعادة حواسه. فتجربة النظر إلى رسومه هي عبارة عن نزهة في حقول ساحرة. وبقدر ما يغني الرسام عالمه بسحر العلاقات اللونية التي يبتكرها ويعيد ابتكارها مع كل لوحة جديدة يرسمها بقدر ما يسعى إلى إشباع حاجة المتلقي إلى المتعة البصرية التي تصل به إلى مستوى التحليق وسط الكائنات الجميلة.

رسوم ملهمة

Thumbnail

لا يتذكر علوان لكي يصف بقدر ما ينبعث الجانب الوصفي في رسومه من اشتباك بين ما كان قد رآه وما لا يزال يتحكم بعاطفته، بحيث يجعله مشدودا للحالة أكثر من تتبّعه لتفاصيل المشهد. لذلك تخلو رسومه من التفاصيل الصغيرة وتخلص إلى فضائها الذي يتسع كلما استغرق الرسام أكثر في عملية الرسم. ذلك الجانب التعبيري الذي يشيع في النفس رغبة في تتبع اثر نشيد إنساني خفي هو ما جذب الأدباء إلى رسوم علوان.

يحب الأدباء رسوم علوان. تلك ميزة ليست إيجابية دائما. فهم لا يجيدون النظر بقدر ما تهمهم الأفكار من خلال اللغة. غير أن رسوم علوان لا تنطوي على أفكار. إنها تجربة بصرية خالصة. وهو ما يعني أن الفنان اخترق بتجربته البصرية عالما أعمى. ذلك ما يُحسب لجبر باعتباره فاتحا. وقد يكون كتاب  سعدي يوسف “إيروتيكا” واحدا من أهم ثمار هذه العلاقة الاستثنائية التي نجح علوان في التأسيس لها.

“إيروتيكا” كتاب شعري هو مدونة لمزاج استثنائي عبّر من خلاله الشاعر الكبير عن رغبة عميقة في استنطاق عوالم الجسد. مغامرة لغوية تجاوزت الفكرة التجريدية لتشتبك بالتجربة الحسية التي تمثلها رسوم علوان. كان صاحب “قصائد مرئية” قريبا بطريقة مدهشة من الكشوفات البصرية التي انطوت عليها رسوم الفنان. حتى يتساءل المرء وهو يقرأ قصائد الكتاب وينظر إلى الرسوم التي زينته “مَن ألهم الآخر، الرسام أم الشاعر؟”.

وبعكس كل الأدباء الذين أشادوا برسوم جبر علوان فإن سعدي يوسف هو الوحيد الذي امتزج بنصوصه بالحالة الشعرية التي تنطوي عليها تلك الرسوم. هناك الكثير من الشعر الذي لا يُكتب.

Thumbnail
9