جبل السرج والقباب البيضاء يستقطبان السياح إلى تونس

يوفر جبل السرج الواقع بمحافظة سليانة التونسية، بعيدا عن صخب العاصمة وضجيجها، فرصة لزواره للاستمتاع بالمناظر الخلابة والهواء النقي وإقامة لا تنسى في القباب الأيكولوجية التي تعزز الحفاظ على البيئة والتراث الثقافي.
الأحد 2018/03/04
طبيعة تستهوي الزائرين

سليانة (تونس) - يبرز جبل السرج الواقع بمحافظة سليانة كخامس أعلى قمة لسلسلة الجبال الممتدة في تونس، حيث يبلغ ارتفاعه نحو 1357 مترا بعد جبل الشعانبي وبيرانو ولجرد والسلوم والواقعة كلها في محافظة القصرين، إضافة إلى كونه يعد حلقة لسلسلة “الظهرية التونسية”، وهي تسمية جبال الأطلس في جزئها التونسي.

وتمتد الرحلة إلى جبل السرج انطلاقا من العاصمة تونس على قرابة 120 كيلومترا، لزائر هاو تأخذه إلى أحضان الطبيعة وتعد تجربة فريدة من نوعها لهذا النوع من السياحة الجبلية.

ويطلق على الجبل اسم “سيرج” لكنه يترجم إلى “السرج”، وجاءت هذه التسمية لتشابه القمة التي كونتها الطبيعة الجيومورفولجية مع السرج الذي يوضع على ظهر الحصان، ولوجود فجوة يمكن ملاحظتها بين قمتي الجبل.

أجمل كهف في العالم

يشتهر الجبل، الذي يرتفع 1357 مترا على مستوى سطح البحر، بجذب علماء النفس إلى أطول كهف في تونس عين الذهب، حيث تمتدّ المغارة بحوالي 3 كم في عمق الجبل، وتحتوي على 9 غرف منفصلة عن بعضها البعض، تحتوي على تشكيلات صخرية ذهبية فريدة من نوعها وصواعد ونوازل تكونت على مدى الآلاف من السنين ويخترقها نهر طبيعي.

ويبلغ ارتفاع أكبر قاعة في الكهف 20 مترا وعمقها 100 متر. ويحتوي الكهف على ينابيع وأودية تتلاقى عند مدخله في قاعدة الجبل.

وقالت نرجس بن عمر، من جمعية المغامرين بسليانة، إن عين الذهب “تجتذب العديد من الزوار من جميع أنحاء العالم كل عام، وهي أحد أروع المناظر الطبيعية في أفريقيا، إن لم يكن في العالم”. وما يجعل عين الذهب فريدة من نوعها بين جميع الكهوف المتواجدة في تونس، النوازل البلورية الرفيعة (التكوينات المعدنية الطبيعية المتدلية من أسقف المغارة وتترسب من محاليل المياه المعدنية)، التي تشكّلت قطرة قطرة عبر عشرات الآلاف من السنين، حتى بلغ طولها الأقصى بين 4.6 و5 أمتار، وتعتبر من بين الأطول في العالم.

وكانت مجموعة من خبراء الجيولوجيا التونسيين وخبراء الكهوف رشحت عام 2010 مغارة عين الذهب للقب أجمل كهف في العالم لما تحويه من تكوينات صخرية ونوازل بلورية رائعة يصل طولها إلى ستة أمتار.

ووصف الجيولوجي التونسي غسان الشعري التكوينات الطبيعية التي يضمها الكهف قائلا “ما يميز مغارة عين الذهب هو النوازل البلورية. هذه النوازل فريدة بطولها الذي يصل إلى ستة أمتار وهي رقيقة جدا وتتكون بقطرة من ماء عبر عشرات الآلاف من السنين حتى تبلغ هذا الطول. هذه النوازل البلورية موجودة في مغارة عين الذهب بكثافة”.

وتمثل العوائق الطبيعية في مغارة عين الذهب تحديا لهواة الاستكشاف والخبراء، حيث يحتاج الوصول إلى الغرفة الأخيرة في الكهف إلى السباحة والزحف والتسلق.

انعكاس للتراث الثقافي بالمنطقة
انعكاس للتراث الثقافي بالمنطقة

ويقول مهدي الطنوبي، خبير استكشاف الكهوف التونسي عن مغارة عين الذهب، “أحيانا تجدك تسبح وأحيانا تمشي وأحيانا أخرى تزحف. هذا ما يجعل مصاعب الاستغوار (الاستكشاف) داخل مغارة عين الذهب شيئا مميزا. ويجعل منها مغارة لها نفس وروح وقلب لتدافع عن نفسها. لكي يصل المستغور (المستكشف) إلى آخر قاعة فيها ويتحصل على هدية يستحقها بعد التعب، وهو رؤية جمال النوازل البلورية الأطول والأجمل في العالم”.

وذكر محمد التيويري، رئيس جمعية التجوال والبيئة في تونس، أن خبراء الجيولوجيا التونسيين رشحوا عين الذهب للقب أجمل كهف في العالم.

وقال التيويري “نحن نرشح مغارة عين الذهب لكي تكون أجمل مغارة في العالم لما تحويه من مناظر طبيعية وبيئية خلابة. وقد زار عين الذهب خبراء وأعضاء من الجامعة الفرنسية للاستغوار”.

ويأمل هواة الاستكشاف وخبراء الجيولوجيا في تونس في أن تدعم الحكومة أنشطتهم وتساعدهم على استكشاف ما يزيد عن 60 كهفا في الجبال الواقعة بشمال غرب البلاد.

القباب البيئية

أصبح الجبل على مدار العام الماضي، من عوامل الجذب السياحي لسبب آخر بخلاف عين الذهب ويتمثل هذا السبب في القباب البيئية التي شيّدت عند سفحه.

وتنتشر القباب البيضاء المزيّنة حول الجبل، حيث زينت غرف القباب بسجاد تقليدي تتولى نساء سليانة صنعه، وهو ما يخلق مزاجا ملونا وحيويا لدى كل زائر لهذه القباب.

وأوضحت بن عمر “تشتهر محافظة سليانة وخاصة جبل السرج بوجود مناظر طبيعية جميلة ولها العديد من المعالم السياحية العالمية التي ترحب بالزوار من جميع أنحاء العالم، وهذا ما دفعنا إلى إنشاء نظام سكني يسهم في تعزيز نشاط المنطقة سياحيا بيئيا”.

وأضافت أن “إحدى الطرق للحفاظ على الثروة الطبيعية للجبال والمنطقة تتأتى من خلق هذه البنى الإيكولوجية التي تساعد في حماية البيئة”.

فنادق تحاكي طبيعة المكان الجبلية
فنادق تحاكي طبيعة المكان الجبلية

ويوفر الجبل مناظر طبيعية فاتنة ومسارات مشي غنية، في المقابل يواجه الزوار نقصا في الإيواء نظرا إلى افتقاد المنطقة لفنادق ونزل سياحية، لذلك عمل منظمو مشروع القباب البيئية على تعزيز الهياكل السياحة البيئية إدراكا منهم بأن هذه الثروة الطبيعية من الضروري حمايتها خصوصا إذا كان السكان المحليون والزوار يدركون بالفعل هذا الجانب وأيضا لتوعيتهم بأهمية اعتماد نهج بيئي للسياحة مستقبلا.وقالت بن عمر إن “نظام السكن الأصلي هو ما يساعد على إنشاء هوية فريدة للمنطقة، نحن نريد الحفاظ على مدينة سليانة وأن نعرّف أكثر بجبل السرج كونه يمثل مقصدا سياحيا جبليا”.

وتابعت “الجبل هو كنز طبيعي يجب حمايته ولا يمكن القيام بذلك دون تعزيز الوعي بضرورة حماية البيئة، ونحن نعمل على وجود المزيد من القباب حول الجبال، لذلك عندما يأتي الزوار فإنهم يتمتعون بقضاء ليلة في القبة ويصبحون على بيّنة بأهمية السياحة الجبلية في حماية البيئة”.

وساعد بناء القباب البيئية الاقتصاد المحلي على خلق فرص عمل. وأوضحت بن عمر “عندما بدأنا المشروع عملنا على تعليم وتدريب الناس على تقنية بناء القباب الإيكولوجية”، مضيفة أنها “لا تتطلب الكثير من المال لكنها تمكن من خلق فرص عمل للناس في المنطقة بدلا من ترك قراهم للعثور على عمل في مكان آخر”.

وتابعت “كان الهدف من هذه الفكرة هو استخدام مهارات أبناء المنطقة، فهم يعرفون الجبل أفضل من غيرهم، والقباب بمثابة نزل والناس يأتون خصيصا لرؤية واكتشاف هذا، كل الناس في نهاية الأسبوع يأتون للاستمتاع بالحياة في القباب، وهذا ما ساعد أيضا السكان في قرى سليانة المحيطة بالجبل على كسب لقمة عيشهم، إذ أن توجه السياح لزيارة القباب جعل الكثير من الناس يعملون على فتح المشاريع لتعزيز ذلك النشاط”.

وتوفر القباب فرصا اقتصادية وتوازنا إيكولوجيا وتقدم لمحة عن التراث الثقافي للمحافظة لأن الغرف مزينة بطريقة تحاكي التقاليد المعمول بها في البيوت التقليدية في سليانة باستخدام السجاد المصنوع محليا والعناصر الحرفية الأخرى، بالإضافة إلى أن القباب البيئية تقدم وجبات تعكس تراث الطهي في المنطقة.

وأفادت بن عمر “نعمل مع النساء في القرى أساسا لتشجيعهن وتحفيزهن على العمل على سجادهن.. لديهن أنماط فريدة من نوعها واستخدام مواد خاصة في صنع كل من السجاد والفخار، كما أن جزءا من المشروع يكمن في عرض أعمالهن في القباب البيئية، وهن أيضا يقمن بإعداد وجبات تقليدية لخدمة الأشخاص الذين يقيمون في هذه القباب”.

16