جبل الموتى أسطورة فرعونية كشفتها غارات الألمان

تطورت السياحة من عطلة للراحة والاستجمام لتمتد إلى ميادين متنوعة شملت العديد من الأنشطة الإنسانية ماضيا وحاضرا ومستقبلا في إطار ما يسمى بالسياحة الثقافية التي تعنى بالعلاقات الإنسانية وتاريخها وعاداتها وتقاليدها، فالسياحة في مصر لا تقتصر على البحر والنيل والنزل الفخمة، بل يعد اكتشاف حضارتها القديمة انتصارا للسائح الذي لا يعرف عنها إلا ما قرأه في كتب التاريخ.
الأحد 2015/08/30
هندسة معمارية على شكل خلية نحل تخفي اسرار الفراعنة

القاهرة - على مقربة من واحة سيوة التابعة لمحافظة مرسى مطروح على الحدود الغربية لمصر، يقع جبل الموتى أو الأموات أحد أشهر المزارات في واحة سيوة، ويتميز بتكوين يثير الإعجاب بقدر ما يثيره في النفس من كآبة، حيث تبرز فيه الآلاف من المقابر التي تم نحتها منذ أيام الفراعنة من أسفله إلى أعلاه على شكل “خلية نحل” مكونة من الأحجار.

الجبل الذي يعد أسطورة تاريخية تعود إلى أيام الفراعنة، ويتكون من تربة جيرية ويعد بمثابة جبانة أثرية‏، يرجع تاريخها إلى الأسرة السادسة والعشرين قبل الميلاد،‏ ويمتد الجبل إلى العصر البطلمي والروماني.

من أشهر ما روي عنه، تلك القصة التي رواها هيرودوت (وهو مثقف يوناني وأقدم مصدر بشري للتاريخ المكتوب) عن الجيش الذي أرسله قمبيز (ملك الفرس) للقضاء على كهنة آمون ومعبدهم، فخرج الجيش من طيبة إلى منطقة الخارجة، فابتلعته رمال الصحراء، ولم يعثر أحد على أثره حتى اليوم، وسُئل كهنة سيوة عن الجيش فكان الرد أن نبوءة الإله آمون انتقمت ممن أرادوا تحطيم معبده، فأرسل إليهم ريحا عاتية دفنتهم تحت رمالها.

غير أن الصدفة وحدها قادت سكان منطقة سيوة في العصر الحديث، إلى اكتشاف جبل الموتى إبان الحرب العالمية الثانية، عندما لجأ إليه الأهالي للاحتماء به من غارات الألمان فاكتشفوا المقابر، ولا تزال العديد منها محفوظة، علاوة على ذلك يمكن للسائح مشاهدة مناظر مذهلة ورائعة لواحة سيوة من أعلى جبل الموتى.

تعتبر أهم مقبرة يحتضنها جبل الموتى، هي مقبرة سي آمون، والتي يشار إليها أحيانا بأنها أجمل مقابر الصحراء الغربية، وتنتمي إلى أحد أثرياء الإغريق الذي كان يتبع الديانة المصرية القديمة، حيث عاش في سيوة ودفن فيها طبقا لتلك الديانة، وتم الحفاظ على المقبرة في حالة جيدة‏،‏ خاصة أنها تتمتع بمجموعة من النقوش البارزة وتضم رسما يمثل الآلهة نات وهي واقفة تحت شجرة الجميز‏.

الصدفة وحدها قادت سكان منطقة سيوة في العصر الحديث، لاكتشاف جبل الموتى إبان الحرب العالمية الثانية، عندما لجأ إليه الأهالي للاحتماء به من غارات الألمان فاكتشفوا المقابر

‏إلى جوار “سي آمون”، تقع مقبرة التمساح التي تعتبر من أكثر المقابر التي يصر زائرو الجبل على رؤيتها والتقاط الصور التذكارية فيها، وسميت بهذا الاسم نسبة للرسوم المنقوشة عليها، وهي على شكل تمساح أصفر اللون يمثل الإله سوبيك، وتمثل المقبرة هيكلا أشبه بكهف مكون من ثلاث حجرات ولم يتم التعرف على صاحبها حتى الآن‏.‏

كما تعتبر مقبرة “ثيبر باثوت”، ضمن أشهر مقابر الجبل، وهي مزينة برسومات ونقوش ساحرة مصبوغة باللون الأحمر الذي يغلب على الأواني الفخارية المستخدمة في سيوة حتى الآن، ويرقد في تلك المقبرة تابوت حجري موضوع على أرضية غرفة الدفن.‏

تنتشر فوق الجبل مقابر صخرية ملونة منحوتة على الطراز اليوناني الروماني على ثلاثة مستويات (سفلي – أوسط –علوي)، وتجمع هذه المقابر في تصميمها بين الفن المصري القديم واليوناني، وهو اندماج يرجح أنه نشأ نتيجة اختلاط الثقافات‏، وكل مقبرة عبارة عن دهليز بشكل مستطيل ينتهي إلي فناء واسع مربع تتفرع منه مجموعة فتحات مخصصة لوضع الموتى‏.

في طريق الهبوط من أعلى الجبل إلى أسفله، يوجد باب حديدي على إحدى المقابر المميزة يقول سكان سيوة إنها فرعونية خضعت لنظام تأمين مشدد للحفاظ عليها، كما أن الدخول إلى المقابر يجبر السائح على العبور من ممر ضيق يطل على حجرة فارغة صغيرة ترتفع عن الأرض بمقدار طول إنسان تقريبا، تبدو على جانبيها فتحات تهوية، وتتزين جدرانها بنقوش فرعونية دقيقة مازالت محتفظة بألوانها رغم مرور الآلاف من السنين.

يستطيع السائح زيارة جبل الموتى، مقابل 25 جنيها مصريا (نحو 3.2 دولار أميركي)، وبإمكانه أن يتجول في منطقة الأشجار والنخيل المنتشرة بكثرة، على مسافة قريبة من الجبل عقب الانتهاء من تفقد المقابر والاطلاع على تاريخها.

17