جبل مصري يستعد لدخول قائمة التراث العالمي

مصر تكثف من مجهوداتها لإقناع منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم اليونسكو بضرورة استعجال ضم جبل قطراني إلى قائمة التراث العالمي.
الجمعة 2018/03/16
أكبر مثال على التغير الدراماتيكي للمناخ

محمد عبدالهادي ودينا المراغي

الفيوم (مصر) - يروي جبل قطراني الواقع شمال بحيرة قارون بالفيوم (شمال الصعيد المصري)، رواية فصولها امتدت على نحو 35 مليون عام، أبطالها من العصور السحيقة ولم يتبق منها سوى عظام ملتصقة بالصخور أو بقايا رؤوس ضخمة تترك للمشاهد فرصة فريدة لتكوين ملامحها وتخيل أحجامها، وغابات متحجرة تمتد على مساحة تتجاوز 30 كيلومترا.

وقد تقدمت مصر لمنظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم اليونسكو، مؤخرا، بملف كامل يتضمن خرائط وبيانات تفصيلية بهدف استعجال إعلان الجبل البالغة مساحة محيطه نحو 200 كم مربع، ضمن قائمة التراث العالمي، بعد مرور 18 عاما على إعلان وادي الحيتان القريب منه كأول موقع تراث طبيعي عالمي في القائمة ذاتها، وقد عاد عليه ذلك بفوائد اقتصادية وثقافية كبيرة.

وتسعى مصر عبر قطراني إلى تعزيز موقعها في الدول التي تمتلك تراثا عالميا فريدا، بجانب شغل موقع أفضل بمجال السياحة الثقافية التي تعتبر مقوما غير متكرر أو قابل للمنافسة، ليمثل الجبل عنصرا هاما يتوازى مع مشروع مسار رحلة العائلة المقدسة الذي تسعى من خلاله القاهرة لوضع عدة كنائس تاريخية أغلبها في جنوب مصر على خارطة السياحة العالمية.

مصر تسعى إلى ضم جبل قطراني بالفيوم (جنوب غرب القاهرة) لقائمة التراث العالمي من قبل اليونسكو، بكل ما يحمل في طياته من حكايات عن نشأة الكون وتبلور الطبيعة، فهو يأخذ زائريه في رحلة تعود بهم إلى عدة حضارات متعاقبة في متحف جيولوجي أثري مفتوح، يشاهدون عبره حفريات لكائنات منقرضة وأسلاف حيوانات حالية من الفيلة والأسماك وغابات متحجرة

وتعتبر مواقع التراث العالمي أماكن فريدة تقوم لجنة التراث العالمي اليونسكو بترشيحها ليتم إدراجها ضمن برنامج هدفه التصنيف والحفاظ على المواقع ذات الأهمية الخاصة للجنس البشري، سواء أكانت ثقافية أم طبيعية، وبموجبها تحصل الدول التي تضمها على مساعدات مالية لحمايتها وصيانتها.

وتوجد عشرة معايير لقائمة التراث العالمي لضمان أن يكون الموقع له قيمة عالمية استثنائية، أهمها أن يحتوي على ظاهرة طبيعية فائقة أو مناطق ذات جمال استثنائي أو سجل حياة للمراحل الرئيسية من تاريخ الأرض، كمراحل تطور الكائنات حتى انقراضها.

نموذج مصغر

تعتبر محافظة الفيوم التي تضم جبل قطراني نموذجا مصغرا لمصر وربما كان ذلك هو الدافع وراء تسميتها “مصر الصغرى”، بما تضمه من آثار تعود إلى عصور مختلفة، حيث أطلق عليها الفراعنة في البداية تسمية “مير وير”، أي البحر العظيم، وحينها كانت المياه تغمر منخفض الفيوم، ليعيدوا تسميتها بـ”شيدت” أي الأراضي المستصلحة، ثم أرض “برسوبك” نسبة لمعبود المدينة الرسمي الإله سبك المتجسد في شكل إنسان برأس تمساح.

وأطلق على المدينة التي تتبع إقليم شمال الصعيد، في العصر الروماني، اسم “كريكوديلوبولي” لوجود التماسيح بكثرة في مياهها، لكن الاسم تغير مجددا إلى “أرسينوي” في عهد اليونان تكريما لزوجة بطليموس الثاني، ثم أخيرا “بايوم” وحرفت بعدها إلى “فيوم” في العهد القبطي، قبل أن يضيف إليها العرب بعد فتحهم مصر أداة التعريف لتحتفظ باسمها الحالي.  ويتجسد هذا التنوع التاريخي لمحافظة الفيوم بكل صوره في جبل قطراني، فحوله تتوزع الآثار الفرعونية كأهرام سيلا وهوارة واللاهمون، جنبا إلى جنب مع الآثار الرومانية القديمة كبقايا قلعة دقلاطيان ومعبدي ديونسياس وأم البريجات، مع عدة محاجر أثرية للبازلت والجبس اعتمد عليها الفراعنة في البناء.

وكان ملوك الأسرة الثالثة بمصر القديمة يحصلون على الأحجار من قطراني ليستخدموها في أرضيات الهرم الأكبر عام 2600 قبل الميلاد، وفي بداية عصر الأسرات ظهرت بعض القرى شرق المنخفض بالقرب من الجبل، ليستوطن الإنسان ضفاف بحيرة موريس، الاسم القديم لبحيرة قارون، للاحتماء بارتفاعه الكبير الذي يصل إلى 400 متر من أخطار فيضان النيل. 

التقاء فريد لثلاثة عصور

يمثل قطراني التقاء فريدا لعصور “الإيوسين والأوليجوسين والبلستوسين” ما يجعله مرجعا لكل الباحثين في تاريخ الكون والذين لا تجذبهم فقط هياكل الحيتان البحرية، لكن تشدهم أكثر أصول أنواع الحيوانات التي قطنت محيطه وتطورها والتي يصل عدد رتبها إلى 14 من أصل 28 رتبة معروفة حتى اليوم.

وتعد العصور الجيولوجية الثلاثة محور اهتمام الباحثين بالأحداث التي شهدتها ففي عصر “الإيوسين” ظهرت أولى الثدييات الحديثة ليلحق بها إلى عصر الأوليجوسيني الذي انتهى بموجة انقراض جماعي ضخمة لا تزال أسبابها جدلية حتى الآن وتخضع لترجيحات تبدأ من اصطدام جسم ضخم بسيبيريا أو ارتفاع درجة الحرارة أعقبه انخفاض شديد لها، وصولا للعصر الجليدي أو “البلستوسين”.

وقال الدكتور محمد سامح مدير إدارة الجيولوجيا والحفريات بقطاع حماية الطبيعة بجهاز شؤون البيئة في مصر، إن قطراني أكبر مثال على التغير الدراماتيكي للمناخ، فحين تعرضت الأرض لحالة من الجفاف، كان جبل قطراني يضم غابة كثيفة ممطرة احتوت على أسلاف الحيوانات  التي انقرضت بجميع أنحاء العالم حينها، بما فيها أسلاف الفيلة والضباع والقردة العليا.

ويمتاز الجبل بأنه يضم كائنات حية مختلفة البيئات، فبيئته كانت مائية بالأساس ثم تحولت لأرضية ذات غابات كثيفة وأمطار موسمية حتى أطلق عليها الفراعنة “الشجرة السفلى”، لتتبدل فيه الحياة مرة أخرى إلى صحراء قاحلة.

وتعتبر الغابة المتحجرة التي يضمها محيط الجبل الأغنى عالميا بمساحة تصل لنحو 30 كيلومترا، وتضم 1126 شجرة متحجرة يمكن تصنيفها لنحو 22 نوعا، ويصل طول الشجرة الواحدة منها لنحو 44 مترا، وبعضها احتفظ بثماره وأوراقه حتى الآن ليبدو كما لو كان الزمن توقف مرة واحدة.

مصر تسعى عبر قطراني إلى تعزيز موقعها في الدول التي تمتلك تراثا عالميا فريدا

وأضاف سامح في حديثه لـ”العرب” أن العمل بمنطقة الجبل استمر على مدار 131 عاما، وحاولت كل الجماعات البحثية أن تبرز أهمية المكان، إلى أن قرر فريق العمل المصري بالتعاون مع الجانب الإيطالي إعادة بلورة الفكرة، فتم تصميم ممر يصل طوله إلى 28 كيلومترا، يغوص في بحار الأعمار الجيولوجية المختلفة، فحين تسير عليه تجد نفسك في كل منطقة تشاهد حقبة تاريخية بكائناتها الحية المختلفة.

ويعتبر قطراني شاهدا على تطور بعض الحيوانات من الحياة المائية البرية “الموريثيريم” أول أسلاف الفيلة الحالية والذي تمت تسميته نسبة لبحيرة موريس (قارون حاليا) ويعود عمره إلى قبل 40 مليون سنة، الأمر الذي يؤهله لكي يكون متحفا مفتوحا يضم 14 نقطة توقف تضم أنواعا من الحيوانات الضخمة المنقرضة.

كما يتضمن قصصا مكتوبة وضعتها وزارة البيئة المصرية تحكي تاريخ الفيلة وحيوان الفيوم الشبيه بوحيد القرن الذي كان موجودا بكثرة بالمنطقة التي يمكن تقسيمها لثلاثة أجزاء، أولها منطقة توضح البحار وما كانت تضمه من كائنات نادرة، ثم مرحلة الأنهار والمستنقعات، وأخيرا الجزء الأرضي الذي حكى عن تطور الحيوانات الأرضية وصولا لتطور القردة العليا.

ويبعد جبل قطراني نحو 10 كيلومترات فقط عن بحيرة قارون، أكبر بحيرة طبيعية بمصر، وتعتبر مزارا سياحيا محليا بامتياز لذوي الدخل المتوسط، في ظل اعتقاد شعبي أصيل لم يتم تأكيده من أي مصادر تاريخية، بأن أعماقها هي الأرض التي خسف فيها الله قارون أحد أثرياء بني إسرائي، حسب الروايتين اليهودية والإسلامية لقصة نبي الله موسى.

ومن المرجح أن ينعكس انضمام قطراني للتراث العالمي على وضعية البحيرة المصنفة ضمن المحميات الطبيعية لما تضمه من مجموعات نباتية متنوعة وطيور مهاجرة نادرة ومهددة بالانقراض تزورها سنويا، وتمثل فرصة لجذب المهتمين بالطبيعة والطيور، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى جهود لمنع ارتفاع الملوثات بها والتي تسببت في نفوق الكثير من أسماكها الأصلية حتى باتت قاصرة على الأنواع المقاومة للتلوث فقط كالبلطي الأخضر.

وكانت البحيرة في أيّام الفراعنة تستمد مصدرها المائي من نهر النيل خلال فيضانه، لانخفاضها عن مستوى سطح البحر بنحو 45 مترا، واعتنى بها القدماء بإقامة قنوات وسدود للحفاظ على مياهها لكن أصبحت مغلقة حاليا منذ انعزالها عن النهر.

وخلق اقتراب البحيرة ذات المياه العذبة من قطراني حالة فريدة من التنوع البيولوجي في حفرياته التي تنوعت بين كائنات بحرية ونهرية وأرضية، لتتجاور عرائس البحر مع الترسة المائية و”الأرسينوثيريم” ذي الأربعة قرون والذي يشبه الفيل لكن دون خرطوم، وحيوان “الفيوميا” الذي يشبه الفيل أيضا لكن برأس ممتد للخلف وخرطوم صغير عند الأنف والإجيبتوبيثيكس (القرد المصري القديم).

وتتماشى التحركات المصرية مع النمو العالمي المتزايد لسياحة المحميات الطبيعية عالميا، لكن التسويق الجيد يمثل مشكلة أمام استثمار دخول قطراني المرتقب لقائمة التراث العالمي، فإلى الآن لا تزال مصر تقدم نفسها بالشكل وبالمقاصد ذاتها كأهرامات الجيزة في المحافل الدولية المتعلقة بالترويج السياحي دون اهتمام كاف بالنواحي الثقافية والبيئية والطبيعية.

هدف سياحي

بحيرة قارون
بحيرة قارون

ترى يسرية حامد مديرة المشروع المصري الإيطالي بقطاع حماية الطبيعة بوزارة البيئة المصرية والمعنية بتطوير منطقة قطراني، أن الجبل يمتلك مقومات أكبر من منطقة وادي الحيتان، وتم تقديم ملف متكامل لمنظمة اليونسكو لإدراجه كمنطقة تراث عالمي، لكن المنظمة طالبت بمجموعة توضيحية جديدة من الخرائط التي تشرح تفاصيل أكثر عن المكان، ومن المتوقع إعلانه كمنطقة تراث عالمي خلال عامين على أقصى تقدير. 

وقالت حامد لـ”العرب” إنه حال إعلان اليونسكو لقطراني كمنطقة تراث عالمي سوف يتم التسويق عالميا له دون تكلفة مالية على مصر، بالإضافة إلى كونه سيصبح نقطة جذب للمهتمين والخبراء الجيولوجيين لإجراء أبحاثهم على المنطقة بحفرياتها، ففي أول أسبوع فور الانتهاء من تجهيزه زاره وفد سياحي من 400 فرد، ولم يكن الإعلام قد تناول أي معلومة عنه حينها.

وتراهن البيئة المصرية على قطراني في إنعاش منطقة وادي الريان القريبة الشهيرة بشلالاتها وبحيرتها وصحرائها ولون رمالها المميزة، كما أنها على خط هجرة الطيور النادرة التي تتوقف للراحة والغذاء وتم رصد 140 نوعا منها إلى جانب 37 نوعا من النباتات الصحراوية و24 نوعا من الثدييات كثعلب الفنك والغزال و15 نوعا من الزواحف داخلها.

والتقت مديرة المشروع المصري الإيطالي بقطاع حماية الطبيعة عددا كبيرا من السائحين الذين تطغى عليهم الجنسية الفرنسية، وترى في عيونهم انبهارا كاملا بالمكان ولوحاته الإرشادية والحفريات التي يضمها، كما تتواصل مع منظمي رحلات السفاري وتوزع عليهم استمارات للتعرف على تقييمهم للمكان ومتطلباتهم في محاولة من المشروع لتنفيذها وذلك لجذب أكبر عدد ممكن من الزوار.

وأوضحت حامد أن العمليات التي تقوم بها القوات المسلحة المصرية بسيناء والظهير الصحراوي الغربي وإغلاق منطقة وادي الحيتان على إثرها، دفعت منظمي الرحلات السياحية لتغيير اتجاههم من الرغبة في التخييم قرب وادي الحيتان إلى منطقة قطراني وكان هذا سببا في بدء توافد أعداد من الأجانب إلى هناك منذ أسابيع.

وتم تدريب السكان المحليين، على مدار الشهور الأخيرة، على كيفية حفظ التراث بمحيط منطقة جبل قطراني وكيفية التعامل مع السائحين، كنوع من الدمج مع المجتمع المحيط وخلق فرص عمل لهم بهدف تأهيلهم بصورة كاملة لإدارة المكان وشرح محتوياته.

وتشهد المنطقة حاليا جهودا حثيثة لتطويرها بإقامة مخيمات لرحلات السفاري، ومبنى جديد لتقديم الخدمات الخاصة برحلات السفاري وسياحة الصحراء، لتكون جاهزة لاستقبال الزائرين ولأول مرة تستغل تلك المنطقة للترويج السياحي.

وتطرح المشروعات التي ستقام بمنطقة جبل قطراني بنظام العطاءات والمزايدات، ويشترط أن يكون السكان المحليون جزءا من المشروع، سواء من قبل أصحاب المشروع أو في حال تقدم أحدهم لاستئجار المخيمات أو شخص آخر سيشترط عليهم أن تكون أغلبية فرص العمال بالمشروع للسكان المحليين.

وأصبح تدريب السكان المحللين على الحفاظ على التراث وحمايته وعدم التدخل فيه بالتغيير، أمرا حتميا، كما أن دخول موقع ما للتراث العلمي يمنع إدخال أي تعديلات عليه إلا بعد دراسة متأنية لنقاط القوة والضعف في الوضع القائم فالقيمة الاستثنائية هي أساس الاختيار، وبالتالي يتم احترام شأن الخطوط والمناطق الفاصلة بين الدول فإدارته تصبح “ديناميكية مستدامة” بالتنسيق بين عدة مؤسسات.

وظلت الفيوم مشهورة على مدار تاريخها بسواقي الهدير والطواحين التي تعمل بقوة في دفع المياه دون أي تدخل بشري والتي تتخذها المحافظة شعارا لها حتى الآن، لكن يبدو أن قيمتها في التراث العالمي في طريقها للتزايد باستمرار، فبعد دخول وادي الحيتان للقائمة، بات جبل قطراني على بعد خطوات من اللحاق به، وربما يلحق بهما جبل غارة جهنم الذي استمد اسمه من غروب الشمس الذي يكسي صخوره بلون أحمر غريب ليبدو وكأن النيران قد اشتعلت به.

20