جبل ومرأة وكلمات

الأربعاء 2014/07/23

الحمل مسألة نسائية صرفة، غير متعلقة بالأوزان، وإنما متصلة بالجبلّة؛ حمل الكائن الثقيل الذي يكون نطفة ببطن الغيب، ثم يصير صورة مشكلة تكتسب حياة. ويبقى حملها قدرا نسائيا حتى الموت، موت الوليد أو الأم. وما بين الحمل والولادة والموت ثمة حكايات تروى، تناقلتها الأجيال تلو الأجيال. لكن قدر الحمل، كان دوما مقرونا بمصير الحكاية، ومثلما ألقمت الأنثى الوليد ضرعها ذات يوم، فلقد عرّفته بالسليقة ماهية الزمن والأمكنة، وأنطقته الأسماء كلها، في الكون الجديد، عبر الخرافات والسير والأساطير والألغاز العجيبة، أيام لم تكن ثمة لا حبر ولا ورق، أوان كانت الحكاية والوليد معا جبلين، وحتى حين باتا مجرد ظلين للأثر الثقيل.

ورضوى جبل عربي، أثقله الشعراء بالدلالات، لكننا حين حفظنا الاسم، نسينا الجبل، صار قرين امرأة كاتبة، ثم صار كناية لنصوص أحببناها، ثم أضحى ظلا لمجاز كبير، ولعائلة منحتنا أسماء ليست كالأسماء؛ هي الزوجة والأم في الحقيقة والمجاز، أم ولّادة، لأن وحيدها “تميم” لم يكن وحيدا يوما ما، هو المدلل بين الأخوات الرمزيات من “ثلاثية غرناطة” إلى “أثقل من رضوى”، ولأن الرفيق “مريد”، لم يكن فقط زوجا لامرأة، بل لقضية، ولفن خالد، لهذا كانت فتنة الاسم تدهش رغبة التمادي في التأويل.

وحين كتبت رضوى عاشور “أثقل من رضوى” كانت تفيض الكأس الذي اكتنـز منذ سنوات، تضع النقاط على حروف كل الأسئلة التي أرقتنا عن مرضها وعذاباتها وانتكاساتها الجسدية، أجابتنا بالحديث عن الولد “تميم” الذي سطع، وعن الجبل “مريد” الذي رسخ، وعن المرأة التي كانتها ثم تضاءلت بالتدريج، حدثتنا عن تفاصيل البرودة المتخللة للجدران والوزارات البيضاء، هناك في المصحّات القريبة والبعيدة، وعن جرعات العلاج الكيميائي، وعن الخرائط التي رسمها مبضع الجراح في الوجه والجسد. ثم كانت الحكاية القدر، حكاية رضوى المرأة والكتابة والجبل. وضعتنا نحن القراء ممن تجلت لهم رضوى اسما ورقيّا مستمرا إلى الأبد، ممن كان ينسى أو يتناسى دوما آلام رضوى، وأمراضها، وأعطابها البشرية.

تحكي رضوى ببساطة عن مرضها السري وعن سفرها المغتصب، وعن القاهرة والعائلة وأمريكا، وعن الجامعة والرواية والشعر، وعن الأصدقاء والأقارب والأباعد، وعن لوحة “لاغيرنيكا” لبيكاسو، وعن الثورة ووعودها وأفراحها، التي كانت تلوح كجبل هناك وباتت مجرد حروف ترسم معالم كلمات، لكنها كتبت في البدء والمنتهى عن الرؤيا التي كانت أثقل من الفجيعة، وباتت أخف من النسيان، اختصرت في سيرتها الرؤيا “أثقل من رضوى” سر أن تكون امرأة هنا بعد أن أفاق الجميع على حلم ثم نام على كابوس.


كاتب من المغرب

15