جبهة التحرير الجزائرية تواجه خطر حلها

جبهة التحرير الوطني الحاكم باتت محلّ رفض شعبي وجدل كبير في مشهد سياسي جديد.
الأربعاء 2019/08/21
جبهة التحرير في مواجهة الشارع

الجزائر - أفرزت الأزمة السياسية في الجزائر، وضعا استثنائيا لأحزاب السلطة، وعلى رأسها حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، بعدما وجدت نفسها محلّ رفض شعبي وجدل سياسي في المشهد الجديد، نتيجة إدراجها في خانة الأسباب التي أدّت إلى انفجار الشارع، واعتبارها شكلا من أشكال الأزمة التي تتخبط فيها البلاد.

ودعا الأمين العام بالنيابة في المنظمة الوطنية للمجاهدين (قدماء المحاربين) محند واعمر بن الحاج، إلى رفع الغطاء التاريخي عن حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في الجزائر، وإرجاع شعار جبهة التحرير إلى ملكية وارث مشترك لجميع الجزائريين، نتيجة الانحرافات المتراكمة طيلة عقود الاستقلال، الأمر الذي خلّف فجوة عميقة بين الجزائريين وبين جزء من تاريخهم.

وتأتي هذه الدعوة في سياق دعوات متصاعدة من أجل تجريد الحزب الحاكم من الشعار التاريخي أو حلّه تماما، بسبب الموروث السلبي المتراكم نتيجة توظيفه منذ الاستقلال الوطني في 1962، كواجهة سياسية للسلطة، فحكمت البلاد باسمه تحت الأحادية الحزبية والسياسية إلى غاية العام 1989، واستمرّ كحزب أغلبية في حقبة التعددية إلى غاية الآن.

وكان موقف حزب جبهة التحرير الوطني، إلى جانب شركائه في التحالف المؤيد للسلطة (التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة الشعبية الجزائرية وتجمع أمل الجزائر)، أحد الأسباب التي فجّرت أحداث الحراك الشعبي في فبراير الماضي، بعد ترشيحه للرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، لخوض الانتخابات الرئاسية الملغاة في أبريل الماضي.

وذكر أمين عام منظمة قدماء المحاربين في تسجيل صوتي، بث في الموقع الرسمي للمنظمة على شبكة الإنترنت، على هامش الاحتفال بالذكرى السنوية لأحداث 20 أغسطس 1955 التاريخية، ومؤتمر الصومام 1956، بأن “وزارة الداخلية مطالبة بتطبيق أحكام قانون الأحزاب الصادر العام 2012 على جبهة التحرير الوطني”.

أفضل مخرج للجزائر من الأزمة التي تتخبط فيها، هو وضع الآليات الحقيقية التي تسمح لقوى الحراك الشعبي بالتهيكل والتنظم في أحزاب وجمعيات ونقابات

وقال “نحن كمجاهدين (قدماء محاربين) نزعنا من ذاكرتنا حزب جبهة التحرير الوطني، وعليهم أن يفكروا في تسمية أخرى غير الجبهة.. وقد تكلمنا كثيرا عن حزب جبهة التحرير الوطني وطلبنا لعدة مرات من السلطات أن ترفع هذا الرمز من الحزب، واليوم نجدد طلبنا بمناسبة ذكرى 20 أغسطس.. المنظمة لا تملك الصلاحية الكاملة لسحب التسمية، لكن وزارة الداخلية يمكنها فعل ذلك والقوانين موجودة”.

ويسود اعتقاد واسع لدى المناضلين التاريخيين والطبقة السياسية في الجزائر، على أن الحزب الحاكم في البلاد، هو أحد أوجه الأزمة السياسية المعقّدة منذ السنوات الأولى للاستقلال، بسبب توظيفه كواجهة سياسية للسلطة ومطية لتمرير خطاباتها، فضلا عن الانحرافات المتراكمة التي جعلت الحزب ومعه الشعار التاريخي محلّ سخط واستياء الرأي العام والمعارضين.

ودعا محند واعمر بن الحاج، الشباب إلى “إنشاء أحزاب جديدة لها برامج طموحة لبناء الدولة الجزائرية الجديدة، وألاّ تكون مثل أحزاب الموالاة التي كانت تتحدث دائما عن برنامج الرئيس، وهذا البرنامج غير موجود في الواقع، أو أحزاب المعارضة التي تبحث بدورها عن التداول على السلطة فقط دون برامج”.

ويرى مراقبون في هذا الشأن، أن أفضل مخرج للجزائر من الأزمة التي تتخبط فيها، هو وضع الآليات الحقيقية التي تسمح لقوى الحراك الشعبي بالتهيكل والتنظم في أحزاب وجمعيات ونقابات، من أجل صناعة المشهد الجديد، وتقدم نفسها كبديل للطبقة القديمة المرفوضة شعبيا وسياسيا ودفعها للانقراض الطبيعي.

ويعتبر رئيس الدولة الراحل محمد بوضياف، الذي اغتيل العام 1992، أول من أطلق دعوة حلّ حزب جبهة التحرير الوطني، على اعتبار أنه تاريخ وارث مشترك لجميع الجزائريين، وقياسا بالانحرافات التي عاشها بعد الاستقلال، كونه كان يمثّل الذراع السياسية للسلط المتعاقبة.

Thumbnail

ومع ذلك ظل أمينه العام الراحل عبدالحميد مهري، الذي سعى في حقبة التسعينات من القرن الماضي إلى إحداث قطيعة بين الحزب والسلطة، متمسّكا باستمرار الحزب، كونه لم يكمل المشروع الذي أطلقه خلال نشأته، لاسيما في ما يتعلّق بالمشروع المغاربي، وتجسيد طموحات الأحزاب المغاربية التاريخية في تحقيق الوحدة في المنطقة.

وأمام صمود القيادة الحالية في وجه الأصوات الداعية إلى إقصاء أحزاب السلطة من الحوار السياسي القائم، ومحاولة التنصّل من المرحلة التي كان فيها الحزب يروّج للرئيس السابق، يحتدم النقاش لدى فاعلين سياسيين وناشطين حول مستقبل الأحزاب المذكورة في المشهد الجديد، وضرورة إبعادها من الخارطة كونها تمثّل أحد أسباب الأزمة الحالية.

وفيما أشهر أعضاء في لجنة الحوار والوساطة، باقتراح إبعاد بعض الأحزاب الصغيرة كالعدل والبيان، والكرامة، والحزب الوطني الجمهوري، لم تتبلور مواقف حاسمة تجاه التحالف الرباعي المؤيد لبوتفليقة، وظهرت مواقف وسطية تسمح بالحضور الفردي للأعضاء والمنتسبين في الحوار السياسي ومنع الأحزاب كمؤسسات.

ويعتبر وقوف نواب الحزب العام 2006، في وجه مشروع قانون تجريم الاستعمار الذي أطلقه حينها بعض القوميين والفاعلين، ردّا على قانون الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي العام 2005، القاضي بمدنية توظيف الجيش الفرنسي خارج الحدود، أكبر انحراف عن العقيدة التاريخية للحزب وأحد المواقف المخيّبة للرأي العام الجزائري.

وما فتئ محتجّون في مختلف المظاهرات الأسبوعية، يرفعون شعارات منددة بالحزب وداعية إلى إزاحته من الخارطة السياسية، مثله مثل الأحزاب الشريكة له، كما كان قادته محلّ غضب واستياء، لاسيما مع محاولات ركوب الموجة بالتنصّل من مساره السابق، إلى مسار جديد يقوم على دعم وتأييد توجّهات المؤسسة العسكرية في صناعة مخارج الأزمة السياسية.

4