جبهة التحرير الوطني: من التخفي وراء الشرعية إلى تسلق "برنامج الرئيس"

الأربعاء 2013/09/04

لا يزال حزب جبهة التحرير الوطني منقسما ومتخبطا في مشاكل تنظيمية وأخرى تتعلق بالزعامة منذ الإطاحة بشخصية الراحل عبد الحميد مهري من منصب الأمين العام.

لقد مضت على هذه الإطاحة سنوات طويلة رافقتها الفوضى وعدم الاستقرار والتجاذبات البهلوانية في صفوفه، كما أسفر سيناريو تنحية عبد الحميد مهري عن تنصيب عبد العزيز بلخادم نظراً للفراغ السياسي السائد في البلاد من جهة، وبسبب قربه من الرئيس بوتفليقة في ذلك الوقت ولكونه محسوبا على شلة الغرب الجزائري الحاكمة في سدة الرئاسة وفي مجلس الوزراء من جهة أخرى.

لكن عرس عبد العزيز بلخادم سرعان ما تحول إلى حداد وصراعات عارمة مما أدى إلى بروز منشقين دعوا أنفسهم بالفريق «التقويمي» أو التصحيحي وعلى رأسه عضو المكتب السياسي عبد الكريم عبادة.

لقد عملت هذه الحركة التقويمية كل ما وسعها لإقصاء عبد العزيز بلخادم وتحقق لها ذلك منذ شهور قليلة ماضية بفضل عامل أساسي ألا وهو تخلي الرئيس بوتفليقة عنه جراء طموحاته للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، علما أن بوتفليقة كان في يوم من الأيام سندا له.

كما هو معروف فإن الصراع بين جماعة الحركة التقويمية وبين الحراس التقليدين لحزب جبهة التحرير الوطني قد اتخذ أشكالاً كثيرة منها إدارة المعارك بالعصي حينا، والتراشق في وسائل الإعلام، والقيام باستقطاب المناضلين القياديين بطرق مختلفة إلى صفوف كل من الفريقين حينا آخر.

في ظل الغياب الكامل للرئيس بوتفليقة عن الساحة السياسية جراء مرضه وطلب الشفاء لعدة شهور في مستشفى «المعطوبين» بفرنسا، هدأ الصراع لفترة قليلة بين هذين الفريقين ولكنه عاد بقوة إلى الواجهة وخاصة بعد تمكن فريق «التقويمية» من إنهاء مهام عبد العزيز بلخادم كأمين عام، وتنصيب السيد عبد الرحمان بلعياط بدلا عنه كمنسق له وحصرت مهمته في التسيير الإداري لشؤون الحزب مؤقتا.

بمجرد تولي بلعياط لهذا المنصب الشكلي اتهم بأنه غير شرعي وأن حركاته تخفي نيته في الترشح لمنصب الأمين العام. وفي هذه الأيام اندلع الصراع من جديد بين فصيل التقويميين وأتباعهم، وبين الحرس القديم للحزب حول مسألة هامشية جدا، وحولت إلى جوهر العمل النضالي وتتمثل في التباين حول تحديد «مكان» انعقاد دورة اللجنة المركزية لهذا الحزب قصد انتخاب أمين عام جديد.

في هذا السياق تصر طائفة بلعياط على انعقاده بضواحي العاصمة بفندق الرياض أو بالمقر المركزي للحزب، في حين يريد الفريق المناوئ انعقاده بفندق الأوراسي.

في الواقع فإن الاختلاف على المكان ليس إلا عرضا خارجيا، أما جوهر المشكل فهو حمّى السباق إلى منصب رئاسة الدولة في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في 2014 إذا لم يحصل التمديد للرئيس بوتفليقة أو لم يترشح مجددا.

في خضم هذه التباينات والصراعات الشكلية بدأت الترشيحات للأمانة للحزب تتهاطل من كل جهة، إذ أعلنها كل من مصطفى معزوزي وعمار سعيداني رئيس البرلمان السابق والذي أخرج من رئاسة البرلمان بعد اتهامه بالتورط في نهب أموال الدولة، ولكن هذه التهمة سرعان ما (أكلتها وبلعتها) التدخلات من فوق.

كما أعلن السعيد بوحجة ترشحه مثلما لا يستبعد عضو اللجنة المركزية ووزير الإعلام السابق عبد الرشيد بوكرزازة إعلان ترشحه أيضا.

إن لعبة الترشيحات لا تزال تتواصل ويمكن أن نشهد ربع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني أو أكثر ضمن قائمة المترشحين لمنصب الأمين العام.

في هذا المناخ الصاخب فإنه من المرجح أن يتفاقم الانقسام وأن ينفرد السيد بلعياط بعقد مؤتمر خاص بجماعته، وأن تنفرد جماعة الحرس القديم بزعامة بومهدي وسعيداني بعقد مؤتمر خاص بهم الأمر الذي سينتج لنا حزبين داخل الحزب الواحد.

يمكن لنا قراءة هذه الأعراض الخارجية التي تخفي جوهرا أكثر عمقا بداخل حزب جبهة التحرير الوطني كالتالي:

إنه منذ أن تسلم الرئيس الشاذلي بن جديد حكم البلاد بعد وفاة الرئيس هواري بومدين مباشرة عن المبادئ التقليدية الجامعة الموروثة عن ثورة نوفمبر 1954، لم يعد حزب جبهة التحرير الوطني يملك الشخصيات الكاريزمية والمثقفة والتي تتمتع بالشعبية والحنكة السياسية والقدرة على الاستقطاب العفوي.

فضلا عن عدم امتلاكه لمشروع وطني متكامل المعالم قادر على الانتقال بالبلاد إلى مرحلة التحديث والعصرنة على جميع المستويات.

هناك عامل جوهري آخر ساهم في هبوط معنويات هذا الحزب ويتلخص في كونه لم يعد الحزب الوحيد المسيطر في الساحة السياسية بعد إقرار التعددية الحزبية والعمل بها كنمط جديد في الواقع السياسي الجزائري.

من الناحية الواقعية فإن حزب جبهة التحرير الوطني، وخاصة في وضعه الحالي، ليس إلا صدى لقرارات وإملاءات رئيس الدولة، أو لما يسمى بتوجيهاته وجراء هذا فإنه فقد في نظر المواطنين والمواطنات، لقب «الحزب المعارض».

إن هذا الوضع يمثل في الحقيقة واقع كل الأحزاب الجزائرية، وفي المقدمة الأحزاب الكبرى منها، التي ليس لها مشروع خاص بها بل إنها كلها تدور في ما يسمى في الأدبيات السياسية الجزائرية «ببرنامج» رئيس الدولة عبد العزيز بوتفليقة.

يجمع المراقبون أن حزب جبهة التحرير الوطني كان ولا يزال مجرد «واجهة للنظام» يبرره عندما يخطئ، ويطبل له عندما ينجز ربع الصواب.

نظراً لتموقع هذا الحزب ضمن دواليب النظام، حيث تلاشت لديه الممارسات الميدانية الجدية في ميدان التنمية، وفي مجال صنع الأفكار الأصيلة والدفاع عنها والعمل على تجسيدها في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، فإنه قد افتقد صفة الحزب النقدي التي هي مضمون وآلية أي حزب طليعي محسوب على المعارضة السياسية.

يلاحظ أيضا أن كل الأسماء التي أعلنت عن ترشحها لا تملك برنامجاً مخالفاً يميزها ويعطي لها فرادتها.

وهكذا فإن جبهة التحرير الوطني فقدت حصة الأسد من الشرعية الثورية بسبب وفاة الكثير من قيادييها الذين كانوا لسنوات طويلة قادة هذا الحزب واستمدوا شرعيتهم النضالية من كونهم جزءا من تراث قيادة الثورة التحريرية.

إلى جانب هذا العامل التاريخي المهم فإن حزب جبهة التحرير الوطني لم ينجز طوال مرحلة الاستقلال «شرعية» جديدة متمثلة في تحديث وتطوير وصنع التقدم في الجزائر المستقلة.

إنه جراء هذه التراكمات والانحرافات والأدوار السلبية فإن حزب جبهة التحرير الوطني لم يعد يمثل الحاضنة الموثوق فيها للشعب الجزائري وطليعة لمشروع التنمية المفقود.

إن هذه الانحرافات الخطيرة قد ولدت لديه الآن نزعات فردية تتميز بالعشوائية مما أدى إلى إنتاجه لثقافة التمسك بقشة الصراع على الزعامة و»شرعية الرخصة الإدارية» لعقد المؤتمر في هذه الضاحية أو في تلك البناية كما لاحظ بذكاء، لا يخلو من لهجة السخرية، أحد الإعلاميين الجزائريين.


كاتب جزائري

9