جبهة النصرة.. بيان تأكيد انتمائها للقاعدة

الاثنين 2016/09/26

منذ قيامها أواخر 2012، أي بعد اندلاع الثورة السورية بتسعة أشهر، بدت جبهة النصرة، التي غيّرت اسمها مؤخّرا إلى “جبهة فتح الشام”، والتي اعتبرت نفسها جزءا من منظمة “القاعدة”، عبئا على الثورة والشعب السوريين. هذا ظهر واضحا في نمط خطاباتها التي توخّت إزاحة الخطاب السياسي للثورة، المتمثل بطرح مشروعها في إنهاء نظام الاستبداد وإقامة دولة مواطنين مدنية وديمقراطية، إلى خطاب ديني وطائفي، مع اعتماد لغة التكفير، كما في طغيان أسلوب العنف في معظم مواقفها وممارساتها، وهذا ما تجلى في محاربتها الفصائل الأخرى، ولا سيما “الجيش الحر”، الذي أسهمت في إضعافه وفي الاستيلاء على مقراته وأسلحته، وفي تنكيلها بالنشطاء السلميين، الذين اضطرتهم إلى ترك مناطقهم والخروج من سوريا، كما تجلى ذلك في نمط علاقتها التسلطية مع مجتمعات السوريين حيث تمكنت من السيطرة على المناطق الشعبية التي خرجت عن سلطة النظام.

معلوم أن هذه الجبهة لم تحسب نفسها يوما على الثورة السورية، ولم تنضو في أي من أطرها، لا السياسية ولا العسكرية ولا المدنية، بل إنها ناهضت المقاصد الأساسية للثورة، ولم تعترف بكياناتها ولا بتوجهاتها.

بيد أن المشكلة تكمن في أن كيانات الثورة، السياسية والعسكرية والمدنية، لم تأخذ المواقف الحاسمة من هذه الجبهة، رغم إضرارها بصورة الثورة، ورغم المخاطر التي نجمت عنها، إذ ظنّ البعض أن الأولوية لمصارعة النظام، وأنه ينبغي الاستفادة من إمكانيات الجبهة في هذا المجال، والتسامح مع أخطائها. في حين ثمة آخرون، سيما من التيارات الإسلامية، ظنّوا أنه يمكن أن يستثمروا هذه الجبهة في تعزيز دور التيارات الإسلامية، وهكذا. فإن جبهة النصرة خيّبت كل المراهنات (الخاطئة) عليها، إذ أنها أضعفت التيارات الإسلامية المعتدلة وأزاحتها من المشهد، كما أنها أضرت بكل التيارات السياسية، وبصورة الثورة السورية، وفوق كل ذلك فإن هذه الجبهة لم تقم بأي مراجعة لمنطلقاتها وأسلوب عملها، بل إنها فقط غيّرت اسمها، مضطرة، وبدفع من الضغوط الخارجية الإقليمية، أي ليس عن قناعة، وهذا يشمل إعلانها الشكلي فسخ علاقتها مع منظمة “القاعدة”، من دون أن يحصل أي تغيير فعلي فيها ومن دون أي قطيعة مع فكر القاعدة.

ولعل البيان الذي أصدرته الجبهة يوم 23 سبتمبر يؤكد هذه الحقائق، إذ جاء مريبا في توقيته ومضامينه، سيما في استخدامه لغة التحريم والتكفير وخلطه بين الشريعة والشرعية وحديثه عن “أهل السنّة” والجهاد.

معلوم أن هذا البيان صدر في وقت تتعرض فيه مدينة حلب للحرق والتدمير، من سلاح الجو الروسي والسوري، بدعوى وجود جماعات إرهابية فيها، كأنه جاء ليبرّر للعالم التخلّي عن السوريين، وتركهم لمصيرهم، فمن غير المعقول، مثلا، أن تطالب العالم بوقف القتل والتدمير ثم تتّهمه بالكفر أو تعتبر المعركة بين مؤمنين أو مسلمين وكفار! وليس من المعقول لشعب ضعيف يناشد العالم مساندته أن يستعدي الجميع، الولايات المتحدة وأوروبا وحتى تركيا، من دون أن يقول لنا كيف سيحقق أهدافه، مهما كانت، أو مهما كان رأينا بها أو اعتراضنا عليها. وفي الواقع فإن هكذا بيان لا يخدم إلا النظام ويعزّز ادعاءات روسيا وإيران بأن المعارضة المسلحة كلها “قاعدة” أو “داعش” لا فرق، بل إن البيان حرّم مقاتلة “داعش” في الشمال السوري في عملية “درع الفرات”، وحرم التعاون مع تركيا في هذا الأمر. ومثلا، فقد جاء في البيان “دخول الولايات المتحدة على مسرح الأحداث بالشكل الذي ظهر مؤخرا يجعل القول بالاستعانة قولا غير معتبر من الناحية “الشرعية والواقعة”، فالأميركان “عدو كافر صائل مباشر على المسلمين”، فيحرم التعامل معه بأي نوع من أنواع التعامل، تحت أي مبرر وذريعة.

المشكلة أن ليس فقط جبهة النصرة وحدها من أصدر بيانا يتحدث بهذه اللغة، إذ أن حركة أحرار الشام والمجلس الشرعي في محافظة حلب أصدرا بيانا يتضمن ذات الادعاءات والمصطلحات، لكن من باب الرد على مزاعم “جبهة النصرة”، ما يفيد أن كل طرف يعتبر نفسه وكيلا عن الله ويصادر اسمه لصالح ادعاءاته السياسية. والمعنى أن الجميع يستغل الدين ويجعل من نفسه الوكيل الحصري للإسلام والمسلمين.

والقصد هنا أن هكذا خطابات تستغل الدين وتضر بالثورة وتحملها فوق ما تحتمل، فضلا عن أنها تقوض وحدة السوريين وتضعف صدقية الثورة في العالم، وهذا كله يخدم النظام وادعاءاته عن أنه يحارب الإرهاب والتطرف.

كاتب سياسي فلسطيني

9