جبهة النصرة تبني دولة القاعدة في سوريا

يغطّي تركيز التحالف الدولي، والتغطيات والمتابعات الإعلامية للأزمة في سوريا، على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية فيها، على خطر آخر لا يقلّ أهمية، بل وقد يكون أخطر لأن نتائجه بعيدة المدى وتهديده يطول سوريا والأمن الدولي، وهو خطر تمدّد تنظيم القاعدة عبر ذراعه في سوريا، جبهة النصرة، التي تبدو في ظاهرها مختلفة مع تنظيم الدولة الإسلامية إلا أنها في الأصل تشترك معه في الأهداف والغايات المتعلقة بإنشاء إمارة إسلامية. لكن، وفيما يبدو خطر تنظيم الدولة الإسلامية واضحا ومرفوضا من البداية يكمن خطر جبهة النصرة في كونها نجحت إلى حد ما في إيجاد قبول في بعض الأوساط السورية واستطاعت زرع خلايا نائمة لها في أغلب مناطق سوريا عبر التجييش الطائفي والدعوة الدينية والدعم المالي الكبير، وأي نجاح تحققه سيعني أن تنظيم القاعدة سيبقى هو الأصل، ما يعني تقوية مختلف المنظمات الجهادية حول العالم المنضوية تحت لوائه.
السبت 2016/05/21
تهديد بعيد المدى

أظهرت القاعدة اهتمامها بالاستفادة من الحرب في سوريا منذ السنة الثانية للأزمة ببدء تشكيل خلية لها من قيادات إسلامية متطرفة أخرجت من سجون النظام السوري، بالإضافة إلى شخصيات في رموز التنظيم توافدت من خارج البلاد لتعلن عن تشكيل جبهة النصرة. وتعمدت النصرة في عامها الأول الابتعاد عن إعلان بيعتها للقاعدة كي لا يقضي عليها السوريون منذ ولادتها.

واستغلت جبهة النصرة المناطق التي خرجت عن نفوذ النظام لتجييش الشباب من الفقراء والفاقدين للأمل بعد أن خسروا عائلاتهم وأملاكهم في الحرب السورية، وبدأت النصرة بتنظيم صفوفها وتدريب عناصرها وفتحت قنوات لنقل التمويل الخارجي لها ثم انتقلت إلى العمليات العسكرية المباغتة التي تحقق فيها انتصارات دون أثمان باهظة ضد جيش النظام.

وبعد أن مكنت جبهة النصرة نفسها في بعض المناطق الريفية بدأت عملياتها العسكرية حتى ضد الجيش الحر المحسوب على المعارضة وطردته من العديد من المناطق بحجة أنه قوات معادية وصحوات على الطراز العراقي (التي تشكّلت بعد الاحتلال الأميركي).

ومع مرور الوقت أصبحت جبهة النصرة أهم مركز من مراكز تنظيم القاعدة في العالم، حيث توافدت إلى البلاد حوالي 1000 شخصية من القاعدة من غير السوريين، بالإضافة إلى السوريين الذين يبلغ عددهم بين 5 آلاف و12 ألفا (لا توجد إحصاءات دقيقة لعدد مقاتلي القاعدة في سوريا)، لتتحول جبهة النصرة إلى أحد أقوى الفصائل المسلحة في سوريا (رغم أن عدد مقاتليها أقل من فصائل أخرى).

لعبت النصرة على فكرة الابتعاد بنسبة كبيرة عن أسلوب تنظيم الدولة الإسلامية الذي لم يحظ بقبول لدى السوريين نتيجة فظاظة عناصره وأسلوب التعامل مع السكان المحليين، فعملت على محاولة كسب شعبيتها في مناطق ريفية فقيرة بعيدة عن التعليم والثقافة، وعملت على استغلال حاجاتهم لتضمهم إلى صفوفها وبالتالي كسب شعبية أكبر من تنظيم الدولة الإسلامية من منطلق أنها تتعامل مع السوريين دون التدخل في حياتهم اليومية بشكل أفضل نسبيا من داعش.

إريك شميدت: زعيم القاعدة طلب من أتباعه البدء في إنشاء مقر بديل للتنظيم الدولي ليصبح في سوريا

عمدت النصرة على مدار السنوات الثلاث الماضية على تجنب الحديث بشكل علني عن رغبتها في إقامة دولة إسلامية على نفس النموذج الداعشي خشية من ردة فعل السوريين بمن فيهم من عناصرها.

ولكن مع مرور الوقت وبعد تمكّنها من السيطرة على كامل محافظة إدلب وإقامة مؤسسات رديفة لمؤسسات الدولة وشعورها بالاستقرار مقارنة بكل المحافظات السورية سواء التي تديرها المعارضة أو يديرها النظام، بدأت تظهر ملامح المشروع الجديد للقاعدة المختلف عن كل مشاريعها السابقة في العالم التي تقوم على شن هجمات إرهابية بأسلوب عمل العصابات أو الميليشيات بعيدا عن تحقيق مشروع مستقر يتمثل بإقامة مركز قيادة وشعب ومؤسسات تماما كنموذج تأسيس دولة أو إعلان استقلال بلد كما فعل تنظيم الدولة الإسلامية.

هدف واحد وأسلوب مختلف

جملة التطورات التي مرت بها المجموعة الإرهابية، جبهة النصرة، حولتها من ذراع القاعدة في سوريا إلى مركز قيادة للتنظيم أو نواة أول إمارة متماسكة للقاعدة.

ويقول خبراء في دراسة الأعمال الجهادية إن تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة لهما نفس الأهداف بعيدة المدى المتمثلة بإقامة دولة إسلامية ولكن الاختلاف الكبير بينهما هو أسلوب الوصول إلى تلك الأهداف،

ودرجة التشدّد في تطبيق المفاهيم الدينية من التشدد المطلق إلى التشدد البرغماتي الذي يتغير من مكان إلى آخر حسب طبيعة الشعوب المحلية. ومع وضوح مشروع جبهة النصرة في أواخر 2012، قامت الحكومة الأميركية بتصنيفها على أنها جماعة إرهابية. ومع تصاعد التصادم بين جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، قال زعيم داعش، أبوبكر البغدادي، في رسالة صوتية بتاريخ 9 أبريل 2013 إن جبهة النصرة “امتداد لدولة العراق الإسلامية وجزء منها” معلنا “جمعهما تحت اسم واحد هو الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ومؤكدا أن هدفها “إعلان دولة إسلامية في سوريا والعراق”.

وفي 10 أبريل 2013، بايعت جبهة النصرة في سوريا زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، وتنصلت في الوقت نفسه من إعلان الفرع العراقي للتنظيم دمجهما تحت راية واحدة.

وقال المسؤول العام للجبهة أبومحمد الجولاني في تسجيل صوتي بث عبر مواقع جهادية “هذه بيعة من أبناء جبهة النصرة ومسؤولهم العام نجددها لشيخ الجهاد الشيخ أيمن الظواهري، فإننا نبايعه على السمع والطاعة”.

وشدد الجولاني على أن الجبهة لم تستشر في إعلان “دولة العراق الإسلامية” تبنيها وتوحيد رايتهما تحت اسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

وقال “دار حديث حول خطاب منسوب للشيخ أبي بكر البغدادي (زعيم الدولة الإسلامية) وذكر في الخطاب المنسوب للشيخ تبعية الجبهة لدولة العراق الإسلامية، ثم أعلن فيه إلغاء اسم دولة العراق وجبهة النصرة، واستبدالهما باسم واحد”.

وأضاف “نحيط الناس علما أن قيادات الجبهة ومجلس شورتها (…) لم يكونا على علم بهذا الإعلان، سوى ما سمعاه من وسائل الاعلام”، مؤكدا “إننا لم نستشر ولم نستأمر”. وفي 30 مايو 2013، قرّر مجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة بالإجماع إضافة جبهة النصرة إلى قائمة العقوبات للجماعات والأفراد التابعة لتنظيم القاعدة.

داعش والقاعدة.. تشدد واحد

الرهان على سوريا

يرى خبراء ومراقبون للتنظيمات الجهادية أن القاعدة تعتبر سوريا الآن أهم موقع جغرافي يسمح بجذب المقاتلين من الدول العربية والمهاجرين في أوروبا، بالإضافة إلى سهولة نقل التمويل والسلاح.

وأصدر أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، في 8 مايو 2016، تسجيلا صوتيا يدعو فيه المتشددين في أنحاء العالم إلى الانضمام إلى جبهة النصرة في سوريا للإسراع في تشكيل إمارة إسلامية والتوحد في جسم واحد، حيث قال الظواهري “من واجبنا اليوم أن ننفر لنصرته خفافا وثقالا وأن نحرض على وحدة المجاهدين في الشام حتى يتحرر من النظام النصيري العلماني وأعوانه الروافض الصفويين وحلفائه الروس والغربيين الصليبيين”.

وأكد الظواهري من جديد الانقسام الأيديولوجي بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. ووصف أتباع تنظيم الدولة الإسلامية بأنهم “غلاة خوارج” و”سينتهي بهم المطاف متنصلين من معتقداتهم ومنهاجهم”.

ويقول إريك شميدت، الكاتب في صحيفة نيويورك تايمز، “إن زعيم القاعدة طلب من أتباعه البدء في إنشاء مقر بديل للتنظيم الدولي ليصبح في سوريا، وتجهيز الأجواء لاحتمال إنشاء إمارة إسلامية، من خلال جبهة النصرة الذراع السورية لتنظيم القاعدة”. ولم يستبعد تطور الصراع بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية الذي انشق عنه عام 2013، وهذا سيكون تحولا مهما بالنسبة إلى جبهة النصرة، التي قاومت إنشاء إمارة أو أي دولة مستقلة، إلى حين رؤية الظروف الملائمة لذلك على الأرض ومعرفة مدى تقبل الفصائل الإسلامية لهذا المشروع.

واعتبر الكاتب أن هذه الإمارة ستشكل أيضا خطرا إرهابيا على المنطقة وأوروبا والولايات المتحدة. ويقول المتخصص في التنظيمات الجهادية في سوريا، تشارلز ليستر، “إن وجود إمارة للقاعدة في سوريا تتمتع بقدرات عسكرية كبيرة وقبول شعبي أكبر من أي تنظيم متطرف في المنطقة ستكون له آثار وخيمة على الأزمة في سوريا وعلى الأمن الدولي كون هذا التنظيم ينمو بدعم من قيادات في القاعدة التي بدأت تتوافد مؤخرا إلى الإمارة المرتقبة في سوريا”.

ويضيف تشارلز أن من بين النتائج الدولية لإقامة هذه الإمارة القاعدية تقوية المنظمات الجهادية حول العالم من خلال هذا “الإنجاز” الذي سيرفع من معنويات الجهاديين وسيقول لكل الجهاديين إن تجربة تنظيم الدولة الإسلامية فشلت في تحقيق ما حققه تنظيم القاعدة بإعلانه تأسيس إمارة أكثر استقرارا وأكثر قبولا في بعض المناطق.

وفي سعي جبهة النصرة لأطلاق إمارتها، أعلن عن بدء مشاورات مع تنظيمات إسلامية سياسية وعسكرية متواجدة في شمال سوريا، في محاولة منها لجذب الإسلاميين ممن لم يقبلوا بالقاعدة أو على الأقل لمنع الاصطدام المباشر مع تلك التنظيمات بعد إعلان الإمارة. ولكي تخلق النصرة قاعدة شعبية لها، فتحت باب الانتساب لها للعمل سواء في فصائلها العسكرية أو مؤسساتها المدنية الخدمية دون طلب البيعة للقاعدة، بمعنى أن يكون موظف في مؤسسات النصرة دون انتساب رسمي لها.

سيف العدل من إيران إلى سوريا

تظهر عمليا التوجهات على الأرض أن إمارة القاعدة المرتقبة في سوريا بدأت تأخذ ملامحها الأولية. ويقول تشارلز ليستر، في مجلة فورين بوليسي “قيام جبهة النصرة باستقبال أعداد كبيرة من المقاتلين من شمال حلب إلى مقرها في محافظة إدلب سيكون محاولة لتمكين هيمنتها على محافظة إدلب وجوارها، هذا بالإضافة إلى استضافة كل قيادات القاعدة من أنحاء العالم في هذه المحافظة”.

ويضيف تشارلز، نقلا عن مصدر جهادي متواجد في إدلب، “إن القيادي الجهادي في القاعدة سيف العدل وصل إلى إدلب بعد أن أخرجته إيران من سجونها وفق صفقة تبادل الأسرى مع القاعدة بفرعها في اليمن”.

داعش وجبهة النصرة لهما نفس الأهداف بعيدة المدى لكن الاختلاف بينهما هو أسلوب الوصول إلى هذه الأهداف

وسيف العدل هو الشخص الذي أدار تنظيم القاعدة مباشرة، بعد مقتل أسامة بن لادن على يد البحرية الأميركية، وهو عضو بارز في مجلس شورى التنظيم، بالإضافة إلى أنه يعد إحدى أهم الشخصيات التي تحاول المخابرات الغربية التوصل إلى مكان وجودها. وكان سيف العدل عقيدا سابقا في الجيش المصري، ويعتقد أنه في الخمسينات من عمره، وتمت إدانته عام 1998 في تفجير السفارة الأميركية في شرق أفريقيا، ووضعت الولايات المتحدة مكافأة لمن يسلم رأسه 5 ملايين دولار.

ويعتقد محللون في شؤون الإسلام السياسي أن سيف العدل ومجموعة من المقاتلين في تنظيم القاعدة بعد خروجهم من السجن في إيران لم يذهبوا إلى اليمن كما كانت إيران تتمنى، بل نفذوا أوامر زعيمهم الظواهري الذي طلب منهم التوجه إلى سوريا لمساعدة “إخوتهم” في جبهة النصرة لتأسيس دولة إسلامية (إمارة القاعدة).

ويضيف المحللون أن سوريا وبلاد الشام أصبحتا الهدف الاستراتيجي للجهاد العالمي المنبثق عن القاعدة، فوصول سيف العدل برفقة ثلاث قيادات عليا في القاعدة إلى إدلب مؤشّر يعزّز القدرة لدى جبهة النصرة على أن تتحول إلى مركز تنظيم القاعدة عالميا، حتى أن حمزة نجل الزعيم السابق لتنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، حض المسلمين على “الجهاد” في سوريا في تسجيل صوتي منسوب إليه نشر في 9-5-2016 عبر الإنترنت.

واللافت أن هذا التسجيل جاء بعد تسجيل مماثل لزعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، الذي دعا أيضا إلى “دعم الجهاد” في سوريا. وقال حمزة بن لادن في التسجيل المنسوب إليه “على الأمة الإسلامية أن تصب اهتمامها بالجهاد في الشام… وتهتم به بتوحيد صفوف المجاهدين فيه”.

ويعتقد خبراء في الأمن الدولي أن جبهة النصرة ستهدد استقرار سوريا على المدى البعيد أكثر من تنظيم الدولة الإسلامية الذي عجز عن بناء قواعد شعبية ومراكز مستقرة، فالخطر من جبهة النصرة يتمثل في أنها أصبحت حالة سرطانية في الجسد السوري، حتى لو تم طردها من منطقة ما سيخرج فصيل جديد في مكان آخر يعلن تبعيته لهذا التنظيم الذي استطاع زرع خلايا نائمة له في أغلب مناطق سوريا حتى المناطق التي يهيمن عليها النظام عبر التجييش الطائفي والدعوة الدينية والدعم المالي الكبير.

إعلامي سوري
7