جبهة النصرة تتخذ من الطائفية حطبا لإذكاء الحرب في سوريا

الخميس 2013/12/26
حصر جبهة النصرة للقضية بمسألة "أهل السنة" تنسف أساس الثورة

كان من الواجب الاستماع إلى ما يقوله “أبو محمد الجولاني” بانتباه قبل الكتابة عن المقابلة التي أجرتها معه قناة الجزيرة، هذه القناة التي تسبق أكثر الجهات الإعلامية في ترتيب مقابلات مصورة مع رموز من يطلق عليهم اسم “المجاهدين” المرتبطين بتنظيم القاعدة وتنظيمات مشابهة تنسب نفسها إلى الإسلام والدين.

نظرة عامة على الشخص الذي تحدث في المقابلة قبل الخوض في التفاصيل يمكن أن تعطي ملاحظات مختلفة، فـ”الفاتح أبو محمد الجولاني” كما كتب اسمه على الشاشة، وكما لقّبه تيسير علوني لم يثبت خلال حديثه ومن الطرف الضيق الذي ظهر منه للكاميرا أنه يحمل صفات المتفقّهين في شؤون الدين.. فإذا أجرينا مقارنة بين حديثه وحديث أسامة بن لادن مثلا سنكتشف أخطاء لغوية فادحة لا يقع فيها من يقرأ القرآن بشكل منتظم ويتّخذه نبراسا، عدا عن كلمة “استطراد” مثلا التي نطقها “استضراط” وهو يتحدث.. أما الإسلاميون فهم يمتنعون بشكل عام عن وضع ساعة اليد على المعصم الأيسر، ولطالما كانوا يقتدون بحديث الرسول الكريم “تيامنوا”.

لم تصدر عن الجولاني أية كلمة تدل على سوريته، فقد تحدث بلغة فصحى طوال الوقت، وبعد أن قال أحد المعلقين على “فيسبوك” إنه من دير الزور، في حين قال آخر إنه من ريف دمشق، ويقول بعضهم إنه من ريف حلب، أكاد شخصيا أجزم أنه لا يحمل الجنسية السورية ولم يعش بين السوريين يوما، ولغته وطريقة لفظه تذكرني بالطريقة التي كان يتحدث بها بن لادن عندما كنا نسجّل خطاباته ونعد مقاطع منها لنشرات الأخبار، شخصيا لديّ اعتقاد بأنه ينتمي إلى بلد خليجي، وأستبعد أن يكون عراقيا، فالعراقيون يضخّمون الحروف عند نطقها.. في المحصلة لم يظهر منه ما يثبت أو ما يدل على شخصيته أو اسمه الحقيقي.

من الناحية الدعائية أو من ناحية ما يخص الثورة السورية لم يكن ظهور الجولاني في هذه المرحلة في مصلحة الثورة لأسباب كثيرة سيأتي ذكرها في هذا التحليل. لكن إذا أردنا أن نبدأ من الصورة العامة التي يتناقلها الجميع سواء في وسائل الإعلام العربية والغربية أو في أحاديث العامة فإن ما يمكن أن يردّده كثيرون هو أن حديث الجولاني عزّز دعاية الأسد وحلفائه من حزب الله أو إيران أو روسيا وغيرهم حول محاربتهم لقاعديين متشددين يرتبون لحكم خلافي شرعي في سوريا التي لا يعرف العالم منها (بقصد) إلا الأقليات! إضافة إلى ذلك فقد أجّج حديث الجولاني انقسامات وشروخا كبيرة بين السوريين.

حصر السوريين في "أهل السنة"

كرر الجولاني في حديثه عبارة “أهل السنة” مرات يصعب على المرء عدها، وهو عندما يحصر قضية سوريا في مسألة ما يسميه “أهل السنة” ينسف أساس الثورة ويهدم بناءها ويحوله إلى ركام.

فقد ألغى الجولاني بحصره القضية في أهل السنة وما يتعلق بهم، جميع مطالبات رواد الثورة السوريين الأوائل الذين دفعوا حياتهم، إما قتلا أو اعتقالا وتعذيبا، والتي كانت تدور حول أبسط حقوق الإنسان الطبيعية في الحرية والعدالة الاجتماعية والتعبير وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد المستشري في البلد ومبالغة الأجهزة الأمنية في إهانة وذل المواطنين، كما أن إصراره على حصر الحقوق في “أهل السنة” يجعل السوريين من مسيحيين ودروز وآشوريين وكرد وغيرهم غير معنيين بهذه الحقوق أو غير مؤهلين للحصول عليها، وهو أصلا لم يذكرهم لولا سؤال تيسير علوني عن الأقليات متجاهلا تماما القضية الكردية وتعقيدها في المنطقة الشمالية وخطورة إهمالها.

من ناحية أخرى فإن كثيرا من السوريين الذين عاشوا عقودا من التجهيل وثقافة الحزب الواحد وقلة الاطلاع والمعرفة والذين اعتبروا الجولاني مثقفا ومفكرا لديه تحليلات سياسية عميقة لم يستطيعوا أن يتبينوا أن ما قاله في لقاء الجزيرة لا يزيد عما يناقشه الناس العاديون في الإعلام أو الصحف أو مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات أو حتى ما تناقشه مجموعة صغيرة في جلسة خاصة.

حديث "الجولاني" عزز دعاية الأسد وحلفائه حول محاربتهم لقاعديين متشددين.

فقد ذكر في معرض حديثه أن نظام الأسد لقي دعما عالميا هائلا خصوصا بعد التقارب الإيراني الأميركي، في حين أن الوقائع أظهرت منذ اللحظات الأولى ومنذ أول فيتو روسي صيني في مجلس الأمن دعما عالميا للأسد، أما التقارب الإيراني الأميركي فلم تكتمل خيوطه إلا في شهر أيلول- سبتمبر الماضي بعد مشاركة رئيس إيران الجديد في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذه النقطة الأخيرة حول الدعم الذي زاد بعد تقارب طهران وواشنطن وفقا لكلامه يناقضها قوله بعد ذلك إن جماعته حققت انتصارات للثورة بنسبة 60 إلى 70 في المئة باتجاه القضاء على النظام، أما قوله إنهم سيطروا على كذا وكذا فلطالما سيطر الثوار على نقاط متعددة في سوريا ثم فقدوها في معارك شرسة سبقها قصف جوي عنيف بالطائرات والصواريخ ومختلف أنواع الأسلحة.


كيف تشكلت جبهة النصرة؟

نأتي إلى قصة تشكيل جبهة الجولاني التي بدأت بسبعة أو ثمانية أشخاص كما قال، تحدثت روايته عن تاريخ طويل في “الجهاد” آخره كان في العراق قبل أن ينتقل إلى الشام.. ومن الغريب واللافت إلى النظر قوله إن جماعته عندما كانت في العراق قبل اندلاع الثورة السورية لم تكن مهيأة لدخول سوريا بسبب شراسة النظام ووحشيته، أي أنهم انتظروا أبطالا أكثر منهم شجاعة كي يشعلوا الثورة سلميا ويقفوا في وجه النظام ويضحوا بحياتهم في سبيل مبادئهم حتى تهيأت لجماعة النصرة الأرضية المناسبة للدخول بسبعة أشخاص وبأسلحتهم في 27 ديسمبر- كانون الأول 2011 حسب التاريخ الذي ذكره، للمشاركة في العمل المسلح. هذه النقطة تعني أن جماعة الجولاني لا تؤمن بأية وسيلة أخرى غير السلاح لتحقيق أهدافها، هذا إذا تجاهلنا حقيقة أنها كانت تستطيع في أي وقت، لو أرادت، التسلل بأسلحتها إلى سوريا لمقاومة “نظام الكفر” وحينها ستكون جهادية حقيقية، غير أنه يؤكد بنفسه أن “الشام لم تكن مهيئة لدخولنا لولا قيام الثورة السورية التي مهدت لنا الطريق”.

ويضيف: “الناس كانوا بعيدين عن قبول المنهاج الذي نسير عليه نحن”، وتفسير ذلك أن السوريين بطبيعتهم رغم تمسك غالبيتهم بالدين وشرائعه لم يؤمنوا يوما بهذه الأساليب في سيطرة السلاح ولم يجبرهم على الرضوخ لها إلا تدهور الوضع في البلاد والقسوة التي عاشوها من خلال تعامل عساكر الأسد معهم.

الجزء الأخطر في حديثه كان عن ربط حركتهم مع جميع ما شهده التاريخ الحديث من حركات أو انتفاضات إسلامية، فقد وضع تحرك الإخوان في الستينات في مصر ثم في الثمانينات في سوريا مقدمة لانطلاق الجماعات الجهادية التي عملت في أفغانستان ثم العراق، فوضع جميع حركات التحرر التي تلحفت بالإسلام في سلة واحدة. ليضيف بعد ذلك “أن دخولهم إلى الشام تم إقراره من قيادة العراق وأنهم ثمرة من ثمرات الجهاد العالمي، معتبرا أن الفكر الجهادي منتشر في جميع أنحاء العالم وقد انتقل أخيرا إلى الشام”.. ثم يسترسل: ” كنا نبحث عن مدخل لننقذ أهل السنة في لبنان من ظلم حزب الله وفتح لنا الحزب المجال للدخول إلى هناك”، وهذا إقرار بأن مشروعهم ليس سوريا، وأن نظام الأسد هو غطاء فقط.

في هذا الحديث وجهان لا يعتبران في صالح الثورة السورية سواء من الناحية الإعلامية أو من الناحية الأيديولوجية أو من ناحية انصاف مطالب الثورة.

فالثورة السورية التي اشتعلت شرارتها في آذار- مارس 2011 لم تكن بأي شكل من الأشكال مرتبطة بجهاد عالمي ولا بأيديولوجية غريبة عن البلاد، ولم تكن أكثر من حركة اعتراض اجتماعي ضد فساد متفش وظلم فادح، وبربط الجولاني الثورة بفكر الجهاد العالمي يجعلها عنوة، ولكن ظاهريا تنتمي إلى نفس الجماعة المسؤولة عن تفجيرات نيويورك ونيروبي ومدريد ولندن والعراق التي ذهب ضحيتها مدنيون أبرياء والتي أضرت بصورة الدين الإسلامي.
لا تزال المعلومات الخاصة بشخصية أبي محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة، محدودة للغاية، ولم يعط الحوار الذي أجرته قناة الجزيرة مع الجولاني، وشكّك البعض في مصداقيته، نظرا لأن صورة الجولاني لم تظهر خلال الحوار الذي أجراه تيسيير علوني، تفاصيل إضافية عما تمّ تداوله منذ الإعلان عن قيادته لجبهة النصرة. وتقول هذه المعطيات إن أبا محمد الجولاني الملقب بالفاتح ويعرف بكنيته وهو قائد “جبهة النصرة لأهل الشام من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد”. وقبل توليه قيادة “النصرة”، عمل الجولاني معلما للغة العربية وشارك في القتال ضد القوات الأميركية في العراق. وبعد اندلاع الثورة السورية عاد مرة أخرى إلى سوريا وأسس نواة جبهة النصرة.

الغموض الذي لف المعلومات التي جاء “الفاتح” على ذكرها يمكن أن يضم أيضا ما قاله عن سيطرة جماعته على حقول النفط في سوريا وإغفاله الحديث عما يفعلون بهذا النفط وكيف يتصرفون فيه ولمن يبيعونه وأين تذهب وارداته، ثم يقول إنهم زودوا أحد المستشفيات بجهاز غسل الكلى، وهنا يبرز السؤال الكبير حول موارد الجبهة المالية، من يمولها ولمن تتبع.

يقول الجولاني في معرض كلامه “إن الأفرع الأمنية وبعض رؤوس الجيش والرؤوس الحاكمة هي أهدافنا”، وعند النظر إلى ما تحقق من آخر 2011 إلى آخر 2013 أي على مدى عامين من عملهم في سوريا نجد أن الأفرع الأمنية لا تزال قائمة ولم يتمّ تحرير معتقل واحد عند النظام، أما رؤوس الجيش والرؤوس الحاكمة المتحكمة في العسكر والشبيحة والأمن والمتحالفة مع قوات إيرانية وعراقية ولبنانية فهي موجودة بنفس القوة ونفس الإصرار ونفس القوة المالية.

الهيئة الشرعية

وبالانتقال إلى رؤيته السياسية لسوريا ووضع المناطق المحررة يتحدث الجولاني عن الهيئة الشرعية، وهي فعليا، بناء على وصفه، عبارة عن مجلس إدارة محلية أو تقوم مقام عدة وزارات معنية بجميع الأمور المدنية التنظيمية من مسائل تنظيم المياه والكهرباء والطب والتعليم، إضافة إلى عقود الزواج والطلاق والحكم في المسائل الخلافية وغير ذلك. تفسير هذا الوضع فعليا وعمليا هو أن الجماعة تسيطر على كافة مرافق الدولة دون حاجة إلى انتخابات أو دستور أو توزيع سلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية، فهي جميعها في أيديها.

لكنه مع ذلك يشير إلى أن مستقبل سوريا مرهون بما يراه مجلس الشورى وأهل الحل والعقد وهذا أيضا حصر كامل لمركز القرار في الجهات التابعة للجبهة.. أما عن مقولته “المهم أن تحكم الشريعة” فلا أعتقد أن السوريين في غالبيتهم المحافظة المؤمنة يرفضون بالمطلق حكم الشريعة الإسلامية ومنهاجها، لكن الثورة السورية إنسانية عامة لا ترتبط بمسلم أو مسيحي أو درزي، ولو كان الجولاني وجماعته يعملون لصالح السوريين إعلاميا على الأقل لكان ذكر تعاليم الشريعة التي لا يعترض عليها أحد مهما كانت ملته مثل العدالة والمساواة والتكافل والضمان الاجتماعي وحرية الفكر والاعتقاد وتوزيع ثروات الوطن بشكل متكافئ.

وفي نفس المنحى يقرر الجولاني، بالنيابة عن جبهته، أن مؤتمر جنيف 2 محاولة لإحياء النظام بعد أن قال إن جماعته قضت على نفوذ جماعة الأسد بشكل كبير.

ولا يكتفي الجولاني بهذا القرار، فعندما سأله علوني: ماذا إذا شاركت المعارضة في مؤتمر جنيف2 وخرجت بنتائج يمكن أن تحقق فائدة وخطوات إيجابية للسوريين؟ أجاب: لا يمكن أن نقبل أو نعترف.. هكذا وضع الجولاني نفسه أولا في مكان المتحدث باسم جميع السوريين، من هم في الداخل ومن تهجروا ومن هم مغتربون، دون أن يجمعوا على تفويضه، وثانيا في مكان رفض أية محاولة أخرى لحل المسألة السورية بعيدا عن الخط والرؤية والإطار الذي تلتزم به الجبهة..

كل هذا الحديث تم عرضه بمصاحبة صور نشرتها وكالة “همم” التابعة للجبهة، فيها بعض العمليات العسكرية، وفيها رجال يقيمون الصلاة لا يشبهون في أشكالهم ولحاهم وجلابيبهم أشكال السوريين الذين كنا نراهم دائما يحافظون على صلواتهم في المساجد أو في المنازل، وفيها أطفال يتعلمون وقد ألزموا بارتداء الجلابيب السوداء.. لا أحد يعرف لماذا يرتدي الأطفال اللون الأسود أثناء تعليمهم، لماذا لا يرتدون ألوان الفرح التي تليق بأعمارهم، لماذا يتشابه سواد اللباس مع سواد ملابس حزب الله وأشباهه.

إضافة إلى ذلك، لا أحد يعرف سوى العاملين في قناة الجزيرة ما هي المقاطع التي حذفت في عملية المونتاج، وكيف كان شكل الحديث قبل تقطيع المقابلة، ولماذا لم تسجل وكأنها على الهواء كي لا يحذف منها شيء.. (وهذه الجزئية يعرف معناها أكثر من يعملون في حقل التلفزيون والإعلام المرئي).

وأخيرا، إن اعتبار الجولاني الخلاف بين الجبهة وبين الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، الذي فصل فيه زعيم القاعدة أيمن الظواهري من مقره في أفغانستان أو بالقرب منها، هو خلاف عادي يحصل بين الإخوة، دون الحديث عما يمكن أن يشكل خلافا بين الجهتين في ما يتعلق بهذه الثورة ذات المطالب الواضحة والمعاناة القاسية، هو بحد ذاته غموض بعيد عن الشفافية ولا ينم عن احترام عقل المشاهدين والمتابعين والمعنيين بالأمر أو عن الاعتراف بحقهم في معرفة ما يحدث والإدلاء بآرائهم حوله.

7