جبهة النصرة والثوب الأخير

الجمعة 2017/10/20

تبدلات عديدة شهدها خطاب جبهة النصرة منذ نشأتها أواخر العام 2011 في سوريا، فالجبهة التي تشكلت ضمن تشكيلات الفصائل السورية المسلحة لمحاربة النظام أتقنت لعبة تبديل الخطاب والأسماء للتكيّف مع الضغوط حسب المتطلبات الدولية والإقليمية، ولردع الحرب ضدها وتحقيق مآربها في إقامة إمارة إسلامية، ومع اقتراب إنجاز مناطق خفض التصعيد التي باتت إدلب محورها الحالي، فإن مستقبل النصرة صار يتوقف على الثوب الأخير الذي ترتديه.

جبهة النصرة ثاني التنظيمات في قائمة الإرهاب التي يتصدّرها اسم تنظيم داعش، اتخذت مكانة خاصة في بداية تشكيلها بسبب قدرتها العسكرية والتنظيمية، وبسبب الدفاع الكثيف الذي نالته من قبل بعض تيارات المعارضة السورية التي رفضت تصنيفها ضمن القوى الإرهابية رغم ارتباطها بتنظيم القاعدة.

هذا الدفاع توقف نسبيا إثر إعلان أبومحمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة، في 10 أبريل 2013 بيعته لأيمن الظواهري، لكنها ظلت في نظر بعض القوى المؤثرة في الملف السوري تنظيما سوريا، فقياداته ونسبة كبرى من كوادره سوريون، وبالتالي فإن بيعتها للقاعدة والخلافات داخلها والتحشيد الإعلامي ضدها لم تؤثر كلها على قدرتها في أن تكون نواة جيش الفتح الذي تأسس في 24 مارس 2015 والذي سيطر على معظم محافظة إدلب وطرد القوات الحكومية السورية منها، ولم ينته رهان بعض القوى الداخلية والخارجية على تبديل موقفها من القاعدة بحيث يمكن اعتبارها لا تختلف عن معظم الفصائل المقاتلة كأحرار الشام وجبهة التحرير الإسلامية وغيرها.

تأكيد انتماء جبهة النصرة للقاعدة شكل رأسمالا رمزيا أساسيا لها في مواجهة خصومها وإظهار تفوقها عليهم في الشرعية الجهادية والدينية والتفوق العسكري والقدرة على إدارة العمليات الميدانية، وقد استمرّ ذلك إلى أن تبدلت الأمور داخليا وخارجيا نتيجة تراجع شعبية تأثير الخطاب الجهادي في سوريا، وازدياد الضغط الخارجي في الحرب على الإرهاب، وتأهيل الحلول السياسية وبـدء دخول الهدنة المؤقتة، خصوصا بعد مؤتمر الرياض في 10 ديسمبر 2015، والخطوات التي انبثقت عنه كالهيئة العليا للتفاوض المشاركة في جنيف، وتوافق الفصائل على مرجعية سياسية، ما دفع بالنصرة إلى أن تتخذ طريقا مختلفا في خطابها، فأعلنت في 28 يوليو 2016 فك ارتباطها بتنظيم القاعدة وغيرت اسمها إلى جبهة فتح الشام، والتفتت نحو الخطاب الثوري لتفعيل التقارب مع الفصائل والحواضن الثورية لمواجهة العملية السياسية التي أفرزها مؤتمر الرياض.

ومع عودة شعارات الثورة إلى الفضاء العام، والدعم الإقليمي للجيش الحر، سعت الجبهة لأن تكون طرفا فاعلا في مشروع الفصائل الثورية المحلية، للمنافسة على شرعية تمثيل الثورة، وباتت الجبهة أحد أهم أركان هيئة تحرير الشام التي تم تشكيلها في 28 يناير 2017 كجسم عسكري سياسي ينادي “بالقضاء على النظام السوري، ويهدف إلى تحرير كافة الأراضي السورية، والحفاظ على وحدتها وعلى هوية شعبها المسلم”، واستطاعت هيئة تحرير الشام – النصرة السيطرة على إدلب في 23 يوليو 2017 بعد طرد مسلحي حركة أحرار الشام من المواقع التي كانت تحت سيطرتهم.

هذه السيطرة التي اعتبرت من قبل الكثيرين عائقا كبيرا في وجه ضمّ إدلب إلى مناطق خفض التصعيد خلال لقاءات “أستانة 6” وضرورة دخول قوة ضامنة لمراقبتها والإشراف عليها، يزيد من احتمال الاشتباكات وسيل الدماء في إدلب.

لكن قدرة جبهة النصرة على المناورة والتبدل دفعتها إلى اتخاذها خطوات استدراكية تتناغم مع المطالب التركية، وسعت لتخفيف التوتّر والعدائية مع خصومها وشركائها من الجماعات المسلحة، والخروج من موقفها المعقد كالإعلان عن إقامة “إدارة مدنية” في إدلب، والاستعداد لإشراك التنظيمات الأخرى ومنها حركة أحرار الشام في إدارة المدينة، وإجراء مباحثات مع حكـومة الائتـلاف، وإقرار تشكيل حكومة إنقاذ لإدلب، ورافق عناصرها القوات التركية في دخولها إلى إدلب كضامنة لاتفاق أستانة، لإثبات أنها فصيل يمكن التفاهم معه.

الخطاب الثوري للنصرة لم يخفف الاحتقان القائم والمتراكم بينها وبين الفصائل المعارضة حتى الإسلامية منها كأحرار الشام، ولم يمنع الاصطدام بالتشكيلات المدنية والعسكرية في إدلب، فبراغماتية النصرة ومرونتها المرحلية لم تعكس تحولا استراتيجيا في سياسة الجبهة مع المجتمع المحلي والفصائل الثورية أو مع مشروع “الإمارة”، إنما كان مجرّد غطاء لتسويق مشروعها باعتباره مشروع الثورة الحقيقي، فهل سيكون انقلابها الأخير لاستدراك وضعها ضمن مسيرة الحلول السياسية المرتقبة هو كلمة السرّ لبقائها كشريك في ضمانات خفض التصعيد وتحصين شرعيتها في صناديق المقايضات لقوى الضغط الدولية الساعية لتحقيق مصالحها في سوريا.

كاتبة سورية

8