جبهة النصرة ورقة مقايضة تركيّة منتهية الصلاحية

رغم تقارب المصالح التركية الروسية الإيرانية في الملف السوري، إلا أن تركيا لا تأمَن تراجع موسكو عن التزاماتها، وتخشى من سعيها إلى تقوية حلفها مع أميركا، وأن يتم فرض صيغة للحكم في ما يخص الأكراد، لا تناسب تركيا.
الأحد 2018/08/19
حسم ملف جبهة النصرة ينتظرُ قرارا تركيا لم يحِنْ بعد

التفاوض الأخير بين الأتراك والروس كان حول القضاء على هيئة تحرير الشام/النصرة، سواء بعملية عسكرية، وهو ما يميل إليه الروس أو بحصارها لإجبارها على حلّ نفسها، وطرد المقاتلين الأجانب واستيعاب السوريين ضمن “الجيش الوطني”، وهو الحل الذي تريده تركيا، وتطلب المزيد من المُهل من روسيا لتنفيذه.

اتفق الروس والأتراك على عدة قضايا حول إدلب، منها تأمين طريق حلب- دمشق، وربما السماح للنظام وروسيا بقضم أجزاء من المنطقة، خاصة في ما يتعلق بتأمين قاعدة حميميم. ولا خلاف على ضرورة إنهاء التنظيم المصنف إرهابيا؛ لكنّ خلافات حول الطريقة ظهرت في المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ونظيره الروسي سيرجي لافروف عقب مشاوراتهما في أنقرة. وبالتالي مازال ملف جبهة النصرة غير محسوم من حيث كيفية حله.

لافروف تعمّد تذكير نظيره التركي، خلال المؤتمر الصحافي في أنقرة، بأن من حق النظام شنّ هجوم على التنظيمات المصنفة إرهابية داخل الأراضي السورية، فيما يشبه التهديد لتركيا لحثّها على الإسراع في حل عقدة النصرة في إدلب.

وقبل اللقاء الذي عُقد في منتصف الأسبوع الماضي، كانت روسيا نشرت وحدات عسكرية تابعة لقوات العمليات الخاصة الروسية لدعم القوات السورية الحكومية في هجماتها على حدود محافظة إدلب، بغرض الردّ على الهجمات التي تتعرض لها قاعدة حميميم بطائرات درون، وكرسالة لتركيا بأن المهلة الروسية لتسوية وضع فصائل الشمال تكاد تنتهي.

روسيا التي تقول بعودة 1.7 مليون لاجئ من دول الجوار، وبإعادة الإعمار، والبدء باللجنة الدستورية، لن تتورط، غالبا، بالسماح للنظام وإيران بهجوم واسع على إدلب، والعمليات شمال شرقي اللاذقية وشمال حماة من قبل النظام وإيران غرضها حث تركيا على عدم التلكؤ في ملف النصرة. فروسيا، التي تتشارك مع تركيا وإيران في كونها مُعاقَبة اقتصاديا من قبل الولايات المتحدة، معنية بالاحتفاظ بالشراكة مع حليفيها التركي والإيراني في ما يتعلق بالملف السوري، وكذلك حول العلاقة مع الغرب وحلف الناتو.

اتفاقيات أستانة لخفض التصعيد تُرجمت بالنسبة لروسيا، في ثلاث مناطق، بسيطرة النظام على تلك المناطق، عبر المصالحة، وتطويع جزء من الفصائل للقتال إلى جانب النظام.

وروسيا تريد السيطرة على كامل سوريا، لكنها تعي أن ذلك غير ممكن دون تقديم بعض التنازلات والقبول بالمشاركة التركية في ملف إدلب، منطقة خفض التصعيد الرابعة؛ حيث تحتاج روسيا إلى تركيا في ما يتعلق بتطويع الفصائل المعتدلة في الشمال، ومنها مقاتلون رفضوا المصالحة مع الروس والنظام، قدِموا من مناطق المصالحة في الغوطة وريف حمص ودرعا. كما أنه من الحكمة بالنسبة لروسيا استغلال حالة التأزم الاقتصادي والحصار الأميركي التي تعيشها تركيا في كسب المزيد من التنازلات.

جبهة النصرة، مثلها مثل تنظيم داعش، ليست إلا أداة من الأدوات لتحقيق أجندات داعميها، عبر اختراقها استخباراتيا، وعلى أعلى المستويات.

وهناك عدة محطات مفصلية أظهرت عمق العلاقة بين تركيا والجبهة في إدلب، مثل انسحاب الجبهة من مناطق شرقي السكة وأبوالضهور وتسليمها للنظام، عقب اتفاق أستانة 4، وكذلك تهجير أهالي بلدتي كفريا والفوعة بإشراف مباشر من الجبهة، وبأوامر تركية بعد الاتفاق مع روسيا.

هناك تهويل إعلامي كبير في ما يتعلق بصعوبة حسم ملف تنظيم القاعدة وتواجد العناصر الأجنبية في إدلب، وهي ليست معضلة لتركيا في إدلب لأسباب عديدة؛ أولها، أن الجبهة والمقاتلون الأجانب لا يزالون يتلقّون الدعم عبر الأراضي التركية وتحت أنظار المخابرات التركية، وبالتالي بإمكان تركيا محاصرتهم بإيقاف الدعم.

وثانيا؛ أن تركيا استطاعت تطويع بقية الفصائل، وبشكل كلي، سواء تلك العاملة في غصن الزيتون أو درع الفرات، أو فصائل إدلب وريف حلب في “الجبهة الوطنية” و”الجيش الوطني”، وتعدادها غير قليل، وكلها كارهة لتواجد النصرة والمقاتلين الأجانب في المنطقة ومستعدة لمقاتلتها لولا أن تركيا تمنعها من ذلك، وقد أُوقِف الدعم عن الفصائل التي تريد محاربة النصرة دون أوامر تركية، حسب تصريح مصطفى سيجري، القيادي في لواء المعتصم وغصن الزيتون.

وثالثا؛ أن غالبية المقاتلين السوريين العاملين في هيئة تحرير الشام غير مؤدلَجين تماما، وتواجدهم ضمن الهيئة هو تكتيكي بحكم الحاجة. وبالتالي من السهل انفكاكهم عنها وانضمامهم إلى الفصائل التي تدعمها تركيا مباشرة، إذا ما اتُخِذت خطوات حقيقية لإضعاف التنظيم.

حسم ملف جبهة النصرة ينتظرُ قرارا تركيا لم يحِنْ بعد؛ فتركيا تعي أهمية ورقة جبهة النصرة في يدها، وهي تستخدمها في تعطيل أي حل تفرضه روسيا لا يحقق مصالحها، خاصة حول أكراد سوريا. لكنها أيضا ورقة ذات مدة صلاحية محددة، إذ من الممكن أن تفقد موسكو صبرها حيال المماطلة التركية، إذا ما تأخرت أكثر في حسمها.

الأتراك سيباشرون بحل مشكلة النصرة والمقاتلين الأجانب، لكنهم يريدون ضمانات كافية تحفظ مصالحهم؛ فهم لن يتنازلوا عن حصة حلفائهم في المعارضة السورية في المشاركة في صياغة الدستور وفي الحكم، خاصة أن تركيا الآن هي المهندس الوحيد للمعارضة السياسية والعسكرية.

وتركيا لن تتنازل في ما يخص أمنها القومي وخطر الأكراد، خاصة مع تصاعد النَفس الكردي مؤخرا، بدعم أميركي، وطرحه فكرة الحكومة المصغرة على النظام، بدلا من الإدارة الذاتية. كما أن تركيا معنية بتأمين منطقة آمنة، لإعادة اللاجئين السوريين إليها من تركيا، والبالغ عددهم 4 مليون.

رغم تقارب المصالح التركية الروسية الإيرانية في الملف السوري، إلا أن تركيا لا تأمَن تراجع موسكو عن التزاماتها، وتخشى من سعيها إلى تقوية حلفها مع أميركا، وأن يتم فرض صيغة للحكم، بما يخص الأكراد، لا تناسب تركيا؛ لذلك تحتفظ بورقة النصرة لبعض الوقت، علّها تستفيد في حصد بعض الضمانات من المحادثات المرتقبة في اللقاء الرباعي، الروسي التركي الفرنسي الأميركي حول سوريا، أو من لقاء أستانة المقبل في طهران مطلع الشهر القادم.

4